أصدقاء تحوّلوا إلى أعداء... احتدام الصراع بين قيس سعيّد وحركة النهضة في تونس

الأحد 2 مايو 202104:40 م

كان إعلان رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، يوم 18 نيسان/ أبريل 2021، نفسه قائداً أعلى للقوات المدنية الحاملة للسلاح، بمناسبة إحيائه الذكرى 65 لتونسة قوات الأمن الداخلي، القطرة التي أفاضت الكأس في علاقته بحركة النهضة التي يبدو أن صبرها نفد من تصرفاته، وهي التي لطالما حاولت إخفاء توتر الأجواء بينهما وعدم إظهار خلافاتهما إلى العلن.

وفي بيان شديد اللهجة حمل توقيع رئيسها راشد الغنوشي، استغربت النهضة ما وصفته بـ"عودة رئيس الدولة إلى خرق الدستور واعتبار وثيقة ملغاة مصدراً لتبرير نزوعه نحو الحكم الفردي".

كما اعتبرت إعلان سعيّد "تعدّياً على النظام السياسي وعلى صلاحيات رئيس الحكومة"، مضيفة "أن إقحام المؤسسة الأمنية في الصراعات يمثل تهديداً للديمقراطية والسلم الأهلي ومكاسب الثورة"، ومؤكدة رفضها "المنزع التسلطي لرئيس الدولة"، وداعية إياه إلى "الالتزام الجاد بالدستور الذي انتُخب على أساسه والتوقف عن كل مسعى لتعطيل دواليب الدولة وتفكيكها".

منحى سلبي

بالعودة إلى الوراء، بدأت علاقة قيس سعيّد بحركة النهضة تأخذ منحى سلبياً مباشرة بعد الدور الثاني للانتخابات الرئاسية التونسية لعام 2019، مع أن الحركة دعمته ضد منافسه رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي الذي أصبح اليوم حليف النهضة والخصم اللدود لرئيس الدولة.

أول دلائل فتور العلاقة بين الطرفين منذ تسلمه منصبه رئيساً للجمهورية، كان رد رئيس الحركة راشد الغنوشي "الفاتر" على مبادرة سعيّد ووساطته لتجاوز خلافات تشكيل حكومة الحبيب الجملي، وتصريح الغنوشي الشهير يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 2019 أن "لا مجال للعودة إلى المشاورات مع أحزاب تحيا تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب".

انتهى اجتماع ذلك اليوم، بعد ثلاثة أشهر من المفاوضات بين النهضة وهذه الأحزاب، دون اتفاق، بينما كان رئيس الجمهورية يسعى إلى تأليف حكومة تتماشى مع مبادئ الثورة وتستبعد كلاً من حزبي قلب تونس والدستوري الحر اللذين يرفض الرئيس التعامل معهما إلى اليوم.

اتساع الفجوة

وأخذت الفجوة بين الجانبين تتسع إثر مساعي الحركة لسحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال بقيادة رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد ولاختيار شخصية "توافقية" لتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما رد عليه سعيّد بالرفض معتبراً، خلال لقاء جمعه يوم 17 شباط/ فبراير 2020 برئيس الحكومة المكلف حينها إلياس الفخفاخ، أن "البحث عن سحب الثقة يُعَدّ عملاً خارجاً عن نطاق الدستور نظراً لأنها حكومة منبثقة عن برلمان سابق وليست حكومة مسؤولة أمام البرلمان الحالي".

ثم أشعل اختيار سعيّد للفخفاخ لتشكيل الحكومة فتيل الأزمة مع النهضة، إذ اعتبر الغنوشي أنه "جانب الصواب" بخطوته التي اتخذها إثر فشل مرشح الحركة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان في كانون الثاني/ يناير 2020.

وإلى جانب معركة الصلاحيات بين سعيّد والنهضة، دارت حرب تصريحات زادت في توتير الأجواء بينهما، لعل أبرزها تأكيد سعيّد في كلمته للتونسيين في عيد الفطر الماضي أن "لتونس رئيس واحد في الداخل والخارج". وجاء ذلك بعد تحركات خارجية للغنوشي، بينها تهنئته لرئيس حكومة الوفاق الوطني الليبي فايز السراج باستعادة قاعدة الوطية واتصاله بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

واتسعت الهوة أكثر بين الطرفين وظهرت إلى العيان مع نجاح حركة النهضة في ضمان ولاء رئيس الحكومة هشام المشيشي بحزام سياسي يضمن بقاءه على رأس السلطة، رغم أن سعيّد هو مَن اختياره خلفاً للفخفاخ.

وانضم بذلك المشيشي إلى الشق المعارض لرئيس الدولة وأقال وزير الداخلية المحسوب على رئاسة الجمهورية واقترح تعديلاً وزارياً جديداً، يرفضه سعيّد منذ كانون الثاني/ يناير 2021 إلى غاية اليوم، بدعوى تعلق شبهات فساد بعدد من الوزراء، ما أدخل البلاد في نفق مجهول لا تزال فيه.

"قيس سعيّد لا يحب صياغة التفاهمات والتحالفات والاتفاقات تحت الطاولة وإنما هو رجل محافظ ومباشر وطهوري ولا يجيد البراغماتية والانتهازية، وهذا ما اصطدمت به النهضة التي اعتقدت في بداية الأمر أن بإمكانها السيطرة عليه"

ويختلف المراقبون في تحديد الأسباب الحقيقية لانسداد الأفق السياسي في تونس وفي تحديد المسؤولين عن ذلك، بين مَن يحمّل رئيس الجمهورية المسؤولية وبين مَن يرى في حركة النهضة المسبب الرئيسي للأزمة.

صناعة تحالفات

يرى الكاتب صبري الزغيدي أن النهضة نجحت في صناعة تحالفات منذ سنة 2014 جعلتها تقتسم السلطة مع حزب نداء تونس والرئيس السابق الباجي قايد السبسي الذي قبل بتلك القسمة بسبب ضغوطات داخلية وخارجية عليه وعلى الحركة على حد السواء.

غير أن الظروف تغيرت مع الرئيس قيس سعيّد، يضيف، لأنه لا يملك سمات السبسي في صياغة التفاهمات والتحالفات والاتفاقات تحت الطاولة وإنما هو "رجل محافظ ومباشر وطهوري" ولا يجيد البراغماتية والانتهازية، "وهذا ما اصطدمت به النهضة التي اعتقدت في بداية الأمر أن بإمكانها السيطرة على الرئيس الفاقد للتجربة السياسية وللخبث السياسي".

كما يعزو الزغيدي تفاقم الأزمة بين سعيّد والنهضة إلى ما أسماه بـ"غدر المشيشي لرئيسه الذي اختاره وارتمائه في أحضان النهضة وحزب قلب تونس الذي يصفه رئيس الجمهورية بالحزب الفاسد". وهكذا، يتابع، "خرجت المعركة إلى العلن واستُعملت فيها الآليات القانونية والدستورية".

يلخص الزغيدي الأزمة السياسية الخانقة في تونس بقوله: "في اعتقادي هي معركة حول مَن يحكم ومَن له صلاحيات أكبر لتسيير شؤون الدولة. وتحوّلت هذه المعركة إلى الميدان الدستوري والقانوني والبرلماني والقضائي ثم الأمني والعسكري؛ إنها معركة كسر عظام حول كرسي الحكم بين حزب النهضة ومشتقاتها الذين يسعون إلى استمرار حكمهم لأطول وقت ممكن، وبين رئيس ملتزم بالدستور وبالطهورية السياسية وبالوعود التي أطلقها لناخبيه".

بدورها، تؤكد الباحثة في الاتصال السياسي سمية بالرجب أن "معركة الغالب والمغلوب التي تخوضها رئاسة الجمهورية مع رؤساء الحكومة ومجلس نواب الشعب وحركة النهضة دليل على أن البلاد في طريقها إلى الفوضى".

ومن أسباب تصاعد الخلاف، برأيها، "تحوّل استحقاق تشكيل محكمة دستورية عطّله لسنوات البرلمان الذي تتمتع فيه حركة النهضة بالأغلبية، إلى ضرورة حيوية بغية إزاحة رئيس الدولة"، لافتة إلى أنه "كان لسعيّد نفسه أسلوبه الخاص في رفض تشكيل هذه المحكمة معللاً ذلك بأنها محكمة على المقاس".

"يكمن سبب خلاف حركة النهضة وقيس سعيّد في ارتماء رئيس الدولة في أحضان التيارات التي عُرفت اليوم بخذلانها للثورة وبتماهيها مع القوى الإقليمية المضادة للثورات العربية ولحركة التحرّر العربي، وعلى رأسها الإمارات ومصر وفرنسا"

كما تشير بالرجب إلى زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة إلى القاهرة ولقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ما شكل "مصدراً إضافياً لتحامل حركة النهضة عليه، ووصف بعض قياداتها تصريحاته حول وزارة الداخلية بالتصريحات غير المقبولة والانقلابية"، في إشارة إلى إعلانه وللمرة الأولى نفسه قائداً عاما لقوات الأمن المسلحة إلى جانب القوات العسكرية (الجيش الوطني).

مسؤولية سعيّد

في المقابل، يعتبر المحلل السياسي فتحي الزغل أن سعيّد "ما كان ليكون في قصر قرطاج لولا الكتيبة الانتخابية لحزب حركة النهضة التي ساندته في الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن الطرفين لم يكونا واقفين على حدّي نزاع سياسي قبل تولّي الرجل مهام الرئاسة".

ويكمن سبب خلاف حركة النهضة وسعيّد، بحسب الزغل، في "ارتماء رئيس الدولة في أحضان التيارات التي عُرفت اليوم بخذلانها للثورة وبتماهيها مع القوى الإقليمية المضادة للثورات العربية ولحركة التحرّر العربي، وعلى رأسها الإمارات ومصر وفرنسا".

ويضيف أن "هذا الارتماء بدأه قيس سعيّد منذ تسلمه مهامه من خلال لقاءاته وتسمياته لمستشاريه وإصراره على حكومة الفخفاخ التي ظهر مؤخّراً، بفضل تسريبات النائب راشد الخياري، أنها كانت ائتلافاً لفساد داخل صفقات داخل أشخاص داخل دهاليز، ومن خلال تحركاته وتصريحاته التي أصبحت بمثابة ‘الأضحوكة’ من حيث اللغة الركيكة الفقيرة والخطابة المنعدمة والتشنّج الخارق للأعراف الدبلوماسية".

كما يُرجع الزغل أسس الأزمة إلى الخلاف العميق حول ممارسة الصلاحيات، قائلاً: "لا يخفى على أحد أن الرجل (قيس سعيّد) يريد ومَن معه افتكاك سلطة لم يخوّلها له الدستور، فوجد في حزب حركة النهضة ومَن يشكّل معها ما يسمَّى بالحزام البرلماني السياسي لحكومة المشّيشي سدّاً منيعاً للانقلاب على فصول الدستور".

وألقت الأزمة السياسية الخانقة التي تشهدها تونس منذ أشهر بين الرئاسات الثلاث بظلالها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي تنذر بكارثة، إذ سجلت تونس أكثر من 305 آلاف إصابة وأكثر من 10 آلاف حالة وفاة بفيروس كورونا.

في السياق، يشدد الكاتب صبري الزغيدي على أن "هذا المأزق السياسي الذي لم تشهده البلاد منذ عشر سنوات كانت له تداعيات كبيرة على مستوى تسيير الدولة وشؤون الناس، إذ شُلّت تقريباً أجهزتها مع وضع اقتصادي رديء واجتماعي مأساوي زاد الفقراء فقراً، فيما تمكّن الوباء من حصد الأرواح في ظل تعاطي غير علمي وغير موضوعي مع الفيروس".

ويرى أن هذه الأوضاع يمكن أن تكون أرضية ملائمة لحراك اجتماعي احتجاجي يطالب بالعيش الكريم يُنتظر أن يتصاعد شيئاً فشيئاً للمطالبة برحيل منظومة الحكم.

كما يحذّر من إمكانية "تشريع هذه الأوضاع للتدخل الأجنبي وللقوى الإقليمية والدولية والجهات المانحة التي لها مصالح في تونس، وقد ظهرت مؤشرات لذلك بلقاء الغنوشي مع سفراء عدد من الدول الأوروبية للبحث عن اكتساب ورقة الشرعية منهم بعد أن فقدها من الشارع التونسي الذي فقد الثقة في حكّامه".

وأضاف: "أعتقد أن الفترة المقبلة ستكون ساخنة أكثر والصراع سيتأجج أكثر حول الحكم في تجاهل تام لمشاغل وهموم الناس الذين أنهكهم الوباء والتفقير والتهميش والفساد".

شبح الإفلاس

من جانبها، تحذّر الباحثة في الاتصال السياسي سمية بالرجب من التداعيات الخطيرة للأزمة السياسية على الشعب التونسي الذي قالت إنه يعيش معركة شرسة مع الوباء ويفقد يومياً عشرات الأشخاص جراء "فتك الفيروس بالعائلات التونسية".

كما حذّرت من تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية "وظهور شبح الإفلاس في الأفق، وهو ما جعل الكثيرين من التونسيين يشبّهون الوضع في تونس باللبننة في إشارة إلى تشابه بين الوضع الاقتصادي الصعب للبنان ومثيله في تونس، وفي حال لم تخرج تونس بحلول لأزمتها الحالية يتوقع أن تكون نتائج هذه الأزمة وخيمة وخطيرة في ظل ثقافة تسوّل ومديونية طاغية".

أما الزغل، فيرى أن خلاف رئيس الجمهورية مع حركة النهضة كانت له تداعيات على الوضع السياسي تتجلى "في عدم النجاعة التي اتسمت بها علاقات الرئيس بجيرانه بسبب انضمامه إلى الحلف الإقليمي الذي يضمّ الإمارات ومصر والذي عُرف بالانقلابات والإعدامات والاستبداد".

أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فيشدد الزغل على أن البلاد "ليست متضامنة الجهود بين الرئاسة وبين المؤسسات الدستورية للعمل والإصلاح والإنجاز لخدمة المواطن الذي أصبح يئنّ من الظروف القاسية للمعيشة اليومية من غلاء فاحش وبطالة وإجراءات باطلة جائرة ومن انسداد الأمل في إصلاح المنظومات المعتمدة على الرشوة والمحسوبية والفساد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard