"ما يحصل خطير وشغل عصابات"... حرب تسريبات تعمّق الأزمة السياسية في تونس

السبت 10 أبريل 202111:16 ص

عاشت تونس في الأيام الأخيرة على وقع نشر تسريبات وُصفت بـ"الخطيرة" على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتعلق بكواليس ما بات يُعرف بـ"الغرف المظلمة"، وأزاحت الستار عن معطيات هامة اعتبرها كثيرون دليلاً على تدخّل أجنبي في قرارات القصر الرئاسي.

وكشفت التسريبات الصوتية عن تفاصيل جرت في كواليس إزاحة رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ، كتدخل السفير الفرنسي السابق في تونس أوليفيه بوافر دارفور في تعيين خلف له، واقتراحه أسماءً معيّنة خلال زيارته لقصر قرطاج.

وفجّرت "حرب التسريبات الصوتية" موجة جدل واسعة، خاصة وأن البعض ربط محتوياتها بمسألة اختراق السيادة الوطنية وبخضوع أعلى هرم في السلطة لإملاءات خارجية.

ولئن أثارت هذه التسريبات انتقادات واسعة، فإنها ساهمت في خدمة بعض الجهات السياسية وفي وضع جهات أخرى في موضع اتهام استوجب منها انتهاج سياسة الإنكار.

قائد حرب التسريبات هو النائب المستقل في مجلس نواب الشعب راشد الخياري، ذو المرجعية الإسلامية والمستقيل من كتلة ائتلاف الكرامة. فقد دأب الخياري في الأيام الأخيرة على نشر تسجيلات صوتية بطلتها المحامية اليسارية مايا القصوري، وهي معلّقة وناقدة عُرفت بدعمها لرئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر في البرلمان عبير موسي وبعدائها الشديد للإسلاميين والأحزاب اليمينية بصفة عامة، كما كُشف مؤخراً عن صداقة تجمعها بالسفير الفرنسي السابق في تونس أوليفيه بوافر دارفور.

وأشار الخياري إلى أن محدثات مايا القصوري التي نشرها جمعتها بمديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة الملقّبة بـ"ظل الرئيس" و"حاكمة قرطاج" وإلى أن التسجيلات أثبتت وجود علاقة صداقة قديمة بين السيّدتين منذ أيام الجامعة مكّنت القصوري من التدخل في الشأن السياسي والدفع نحو تعيين وإزاحة شخصيات بارزة في البلاد.

تسريبات خطيرة هزت تونس

يتمحور التسريب الأول الذي نشره الخياري حول دفع مايا القصوري نحو تنحية رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ من منصبه وتعيين هشام المشيشي خلفاً له على اعتبار أن الأخير "رجل ليّن يسهل التحكم فيه من القصر الرئاسي".

وفي التسريب الثاني، تحدثت القصوري عن لقائها بسفير فرنسا مباشرة بعد خروجه من القصر الرئاسي وتقديمه لمرشحه لرئاسة الحكومة خلفاً للفخفاخ، مبديةً معارضتها لاقتراحه "خيام التركي"، القيادي في "حزب التكتل"، وداعيةً إياه إلى اقتراح شخصية أخرى بديلة.

وفي التسريب الثالث، كشفت القصوري عن علاقتها بنادية عكاشة منذ أيام الجامعة وتقاطع طرقهما ثانيةً عند تعرض عكاشة لـ"مظلمة كبيرة"، وفق تعبيرها، تتمثل في سرقة أبحاثها من قبل باحثة على علاقة بحزب "نداء تونس".

على أثر الهجمة الشرسة التي رافقت نشر التسريبات، أكدت عكاشة في منشور على صفحتها الرسمية على فيسبوك أنها غير معنية بما وصفته بـ"التفاهات العقيمة" لا من بعيد ولا من قريب، مؤكدة معرفتها بمَن يقف وراء "الحملات المغرضة والقذرة".

من جانبها، قالت القصوري في تدوينة نشرتها على صفحتها على إنستغرام أنها لن تعلّق على "التفاهات" ولن يكون هناك أي تفسير للصوتيات المنسوبة لها.

وفي تدوينة أخرى، أكدت على علاقة الصداقة التي تجمعها بأوليفيه بوافر دارفور.

تسريبات أخرى أشد خطورة

يشير راشد الخياري إلى أن التسريبات التي نشرها هي رسائل صوتية على تطبيق واتساب بين مايا القصوري ونادية عكاشة من جهة، وبينها وبين الإعلامية ورئيسة تحرير موقع "الجريدة" شهرزاد عكاشة من جهة أخرى، لافتاً إلى أنه ينشر التسريبات حسب الواقع والظرف مع مراعاة أمن البلاد، وأنه لا يمكنه نشر جميع التسريبات التي بحوزته، وسيسلّم بعضها للقضاء للبت فيها.

"هناك خيانة، خاصة وأن إعلامية تدير في الخفاء اختيار شخصية رئيس حكومة تونس مع السفير الفرنسي وأكدت في التسريب أن فرنسا لديها مرشح عرضته على رئيس الجمهورية قيس سعيد"

وأضاف الخياري لرصيف22 أن "محتوى التصريحات واضح ويثبت وجود خيانة للوطن، معتبراً أنه حتى وإنْ كان هناك تقاطع بين الأهداف السياسية وبين كشف المعلومات فذلك لا ينفي وجود الخيانة، خاصة وأن إعلامية تدير في الخفاء اختيار شخصية رئيس حكومة مع السفير الفرنسي وأكدت في التسريب أن فرنسا لديها مرشح عرضته على (رئيس الجمهورية) قيس سعيد".

كما شدد على أن بعض الأفراد يديرون القصر الرئاسي عن طريق السفير الفرنسي ويجب على القضاء محاسبتهم.

جهات تسعى لإعادة توزيع الأوراق؟

برأي الكاتب والمحلل السياسي بولبابة سالم، "بيّنت التسريبات أن مَن يظهرون في الصورة هم مجرّد دمى تحرّكهم غرف مظلمة ومراكز نفوذ في الداخل والخارج".

ويعتبر سالم أن هذه "التسريبات تسيء إلى الديمقراطية لأن الديمقراطية تُدار تحت الأضواء الكاشفة وليس في الغرف المظلمة كما أنها تسيء إلى السياسة بما هي تدبير لشؤون الناس".

ويضيف لرصيف22 أنه ليس ضد انخراط مراكز النفوذ المالي والاقتصادي في العمل السياسي لكن بوجوه مكشوفة وضمن أحزاب تعلن عن نفسها، "أما أن تُدار الأمور عبر تسريبات ويصبح المتواجدون في الصورة وكأنهم دمى متحركة فهذا خطير وشغل عصابات لا علاقة له بالسياسة والديمقراطية".

ويلفت سالم إلى أن هذه التسريبات تسيء إلى المشهد السياسي وتُفقد المواطن ثقته بالطبقة السياسية حكماً وبالمعارضة، لأنها تجعلهم وكأنهم "طراطير" يخدمون أجندات داخلية وخارجية، مشيراً إلى أن إدارة الشؤون السياسية للبلاد في الغرف المظلمة تحول دون معرفة المواطن مَن يتحكم بالمشهد السياسي في البلاد كما تحول دون تحديد موقع المعارضة وهل أنها تعارض لأجل مشاريع وطنية أم من أجل إرادات خارجية أو مراكز نفوذ داخلية.

"هذه التسريبات تسيء إلى المشهد السياسي وتُفقد المواطن ثقته بالطبقة السياسية حكماً وبالمعارضة، لأنها تجعلهم وكأنهم ‘طراطير’ يخدمون أجندات داخلية وخارجية"

واعتبر سالم أن "أجهزة مخابرات محترفة تقوم بهذا لخلط المشهد السياسي وإعادة توزيع الأوراق من جديد"، متحدثاً عن وجود أجهزة مخابرات ترتع في تونس وتمكنت من اختراق العديد من الأحزاب، وحتى الأحزاب المحسوبة على الثورة اختُرقت ووُظّفت لدى مراكز نفوذ داخلية وخارجية.

وأضاف أن هناك صراعاً مخابراتياً بين فرنسا وتركيا وأمريكا وقطر والإمارات في تونس، وأن فرنسا تعتبر تونس ضمن مجالها الحيوي وترفض أي مساس بهذا المجال من أطراف أخرى تعتبرها غريبة، لكن السياسة الأمريكية في شمال إفريقيا تغيّرت وهناك إرادة لاستمرار الانتقال الديمقراطي في تونس، فيما تسعى الإمارات إلى إجهاض التجربة الديمقراطية في تونس.

واعتبر سالم أن الكشف عن صراع مراكز نفوذ مفيد جداً للمستقبل ويمكّن الشعب التونسي من مراكمة الوعي ليتمكن في الانتخابات المقبلة من اتخاذ الخيار الصحيح.

وفي ما خص الداخل التونسي، رأى أن الصراع حالياً هو بين مراكز نفوذ قديمة تتصارع في ما بينها على السلطة ورافضة لنتائج الانتخابات الأخيرة التي صعّدت قوى ثورية، أو بالأحرى "اعتقدنا أنها ثورية لكن الكثير منها تم اختراقها"، كما أن هذه المراكز منعت تشكيل حكومة تمثّل الثورة سنة 2019.

توجيه أصابع الاتهام لرجل أعمال تونسي

انتشر التسريب الذي تحدثت فيه القصوري عن ترشيح السفير الفرنسي السابق لشخصية سياسية لخلافة إلياس الفخفاخ انتشار النار في الهشيم، واعتُبر ضربة موجعة لقصر قرطاج، خاصة وأن الرئيس قيس سعيد عُرف بمواقفه الرافضه بشكل قاطع للتدخل الأجنبي في السياسة الداخلية وحرصه الشديد على الحفاظ على سيادة البلاد واستقلالية قرارها.

بعض الآراء تذهب إلى التشكيك في صحة التسريبات التي انتشرت، ومنها رأي المحلل السياسي رياض جراد الذي يتحدث لرصيف22 عن وجود عمليات "فبركة" واستعمال لتقنيات القطع والتركيب، معتبراً أن مَن يقف وراءها هو رجل أعمال نافذ ارتبط اسمه بالدولة العميقة ومتحالف حالياً مع حركة النهضة.

وفي تعليقه على ما رُوّج حول استهداف رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي من خلال التسريبات، على اعتبار أن مايا القصوري معروفة بدعمها لها، استبعد جراد تأثيرها على موسي ووصفها بـ"مجرد زوبعة في فنجان كما سابقاتها، وليس لها أي تأثير على الصعيد السياسي في تونس".

كما لفت إلى أن التسريب يتحدث عن تدخل السفير الفرنسي السابق لفرض خيام التركي خلفاً للفخفاخ والحال أن التركي هو مرشح حركة النهضة وقيس سعيد لم يكلّفه برئاسة الحكومة وبالتالي "يُفهم من ذلك مَن له علاقة بجهات أجنبية".

استشراء "ثقافة التسريبات"

على الرغم من تحوّل التسريبات في تونس إلى مصدر للمعلومات ووسيلة ناجعة لضرب الخصوم السياسيين، فإن التشكيك في مصداقيتها وفي طريقة تناولها يظل موضوعاً مطروحاً للنقاش.

يقول القيادي والنائب عن حركة النهضة سمير ديلو لرصيف22 إن لا قدرة لديه "تقنيّاً" على التمييز بين التسريبات الصحيحة والمفبركة معتبراً أن الأمر سيبقى خلافياً طالما لم يتعهد بها القضاء ولم تُعرض على المختصّين، كما أشار إلى أنّ هذه التسجيلات ليست سوى بداية حجّة ولا يمكن أن يعتمدها القضاء لإدانة أحد طالما لم يتمّ الحصول عليها بالطرق المحدّدة بالقانون.

وفي ما يتعلق باتهام حركة النهضة بالوقوف وراء التسجيلات واعتبارها المستفيد الأول منها، اعتبر ديلو أنه إذا كان هذا الاتهام وليد تحليل أو استنتاج فمَن يتبنّاه حرّ فيه ومسؤول عنه، أمّا إذا كان مستنداً إلى معطيات أو وقائع فمَن يوجّهه مطالب بتقديم أسانيده.

ويلفت القيادي في حركة النهضة إلى أن استشراء "ثقافة التّسريبات" من عوامل الهشاشة والضعف التي تهدد استقرار تونس، في ظل انتقال ديمقراطي صعب، وإلى أن هذه الأساليب لن تساهم في إضفاء المصداقية والشفافية على أداء النخبة السياسية مهما كان مضمون ما تكشفه، كما اعتبر أن "السياسة تنافسٌ بين الأفكار والأطروحات والرؤى والبرامج وليست مكاسبَ تُبنى على التلصص والسرقة والمخاتلة والاستدراج".

كما أشار إلى أن مَن يستعملون هذه لهم دوافع و"ليسوا رسل شفافية ولا حماة فضيلة"، واتهمهم بأنهم "يساهمون في تعقيد الأوضاع وتعميق الشك والريبة وانعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين"، مضيفا أنه "ليس أمام مَن تحصّل على ما يفيد بارتكاب عمل مخالف للقانون سوى التوجّه للقضاء".

"الدولة هي المستهدف"

"المواطن التونسي أصبح يساهم في الترويج للشائعات بطريقة يعتبرها دفاعاً عن الذات وخدمة لمصالحه، نظراً لتدهور وضعه على جميع الأصعدة". هذا ما يقوله لرصيف22 المحلل السياسي والدبلوماسي السابق عبدالله العبيدي، مضيفاً أن "التسريبات المنشورة متأتية من ضعف التواصل بين المسؤولين والرأي العام".

وتابع أن التسريبات قُدّمت في شكل فضيحة لكن في الواقع الشخصيات التي ظهرت في الصورة فاعلة في الشأن العام ولا وجود لأي مانع من حديثهم حتى مع رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان إذا ساهمت مسيرتهم في تعرّفهم بعضهم على بعض وجعلتهم في حاجة للاستئناس برأي بعضهم البعض، كما شدد على أن الدولة هي المستهدَفة من هذه التسريبات وأصبحت الحلقة الضعيفة في المشهد.

وأقرّ العبيدي بوجود تدخل أجنبي في "الأمور الهامة بالبلاد"، معتبراً أن الأجانب بصدد خدمة أجنداتهم في الوقت الذي أضاع فيه التونسيون والمسؤولون مصالحهم. وبرأيه، "تونس فقدت مناعتها وبالتالي لا يمكن الحديث عن الجزئيات إذا كانت الأسس مهتزّة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard