"نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان"... وزارة لا يريدها أحد

الخميس 6 مايو 202110:09 ص

ضمن مبادرة من مجموعة العمل على السياسات الثقافية في لبنان، صدرت مؤخراً دراسة بعنوان "نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان" من إعداد وتحرير الباحثتين والناشطتين الثقافيتين حنان الحاج علي، وهي فنانة وناشطة وباحثة ومستشارة ومدربة إلى جانب نشاطها المعروف كممثلة وكاتبة ومخرجة منذ العام 1978، وتعمل كأستاذة في قسم الدراسات المسرحية في جامعة القديس يوسف.

وناديا فون مالتسان، وهي باحثة في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، وحاصلة على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق الأوسط الحديثة من كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، بدعم من مؤسسة المورد الثقافية والمعهد الألماني للأبحاث الشرقية.

ضمت الدراسة مقدمة من إعداد الباحثتين، بالإضافة إلى ثلاثة بحوث.

البحث الأول يتعلّق بالتشريعات الناظمة لقطاع الثقافة في لبنان، من إعداد نايلة جعجع، محامية ومستشارة قانونية في قضايا حقوق الإنسان وحماية المجموعات المعرضة والسياسات الثقافية والصحة النفسية والعدالة الجنائية الدولية.

ضمن مبادرة من مجموعة العمل على السياسات الثقافية في لبنان، صدرت مؤخراً دراسة بعنوان "نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان" من إعداد وتحرير الباحثتين حنان الحاج علي وناديا فون مالتسان،بدعم من مؤسسة المورد الثقافية والمعهد الألماني للأبحاث الشرقية

تحدثت الدراسة عن القوانين اللبنانية الخاصة بهيكلية وزارة الثقافة والوضعية القانونية للفنانين، كما ركزت على الوضعيات القانونية للفضاءات الثقافية المعمول بها في لبنان، فأظهرت قصور بعض التشريعات عن مواكبة العمل الثقافي بالرغم من التحديثات التي طالتها، خصوصاً فيما يتعلّق بالجانب الضريبي واعتبار الثقافة "عملاً ترفيهياً".

ووضعت مجموعة من التوصيات المتعلقة بالعمل الثقافي ومنها، تفعيل مختلف الأجهزة والديريات التابعة لوزارة الثقافة وتضمين الموازنة العامة للدولة البنود المالية اللازمة للقيام بمهامها، وإعادة النظر بالقوانين الضريبية المالية التي تساوي بين العاملين بالقطاع الثقافي والعاملين بالملاهي الليلية وحماية الممتلكات الثقافية المعرضة للخطر وتوصيات أخرى.

البحث الثاني حول "التمويل العام للثقافة في لبنان"، إعداد سيليا حساني، وهي طالبة دكتوراه في جامعة مرسيليا الملحقة بمعهد البحوث والدراسات حول العوالم العربية والمسلمة، تعرض فيها كيفية توزيع الموازنات ضمن وزارة الثقافة وضمن البلديات والتي يستحوذ قسم كبير منها على المصاريف التشغيلية.

البحث الثالث يتعلّق بـ"التراث وصناعة السياسات في لبنان" من إعداد كتارزينا بوزون، وهي عالمة أنثروبولوجيا وباحثة في مركز البحث الأنثروبولوجي فالمتعلق بالمتاحف والتراث في جامعة هومبولت في برلين.

تبدأ الباحثة بتعريف التراث الذي هو "عملية صنع المعنى وتنظيم القيم" وكيفية تحول التراث من إرث فردي عائلي إلى عمل جماعي منظم، من خلال ظهور منظمات تعنى بالتراث، وأن هذا الاهتمام يعنى بالماضي كما يعنى بالمستقبل أيضاً لإنقاذ المباني والصور والأصوات والقطع الأثرية، أي ما يمثّل الأرشيف الوطني للبنان، وتخلص إلى ضرورة المشاركة والاستخدام والتواصل وضرورة فتح هذا الأرشيف أمام جميع الباحثين والمهتمين لتعزيز التعددية والتنوع في تفسير التراث والتعبير عنه.

فيما يلي حوار مع الباحثتين حول الدراسة وقضايا أخرى:

يبدو أن فكرة وجود وزارة للثقافة في دولة مثل لبنان فكرة حديثة، خصوصاً لامتلاك لبنان هيكلية سياسية مختلفة عن بقية الدول العربية، هل تظنين أنها ساهمت في خدمة الثقافة أو العكس؟

حنان الحاج علي: "وزارة الثقافة في لبنان هي أقرب لشبح منها لتواجد حقيقي، حيث تنقصها أبسط الأشياء، كالداتا الشاملة لفناني البلد مثلاً، كانت المرة الأولى التي تفاءلنا بقيام وزارة الثقافة بدورها في عهد الوزير غسان سلامة، والذي حاول أن يصدر قوانين ناظمة للقطاع الثقافي وهي ما يعرف بـ'سلة قوانين 2008'، كقانون الممتلكات الثقافية لحفظ الفضاءات العامة، وهذه القوانين مفصلة في دراستنا حول الشق القانوني.

للأسف، وزارة الثقافة اللبنانية عبارة موجودة فقط بالاسم، حتى أنها لا تدخل ضمن بازار المحاصصات الطائفية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني، حيث لا يرغب بها أحد من الأطراف السياسية المتنازعة، ومعظم النشاطات الثقافية في البلد تقوم بجهود فردية بحتة، أو بجهود منظمات أهلية وجمعيات".

حنان الحاج علي: "وزارة الثقافة في لبنان هي أقرب لشبح منها لتواجد حقيقي، حتى أنها لا تدخل ضمن بازار المحاصصات الطائفية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني، حيث لا يرغب بها أحد من الأطراف السياسية

ناديا فون مالتسان: "تأسست وزارة الثقافة اللبنانية في أوائل التسعينيات فقط كتكملة عدد، كما كتب الروائي الياس الخوري في مقال 'فاتحة الثقافة في وزارة الثقافة'، وزارة للمناسبات وليس لخدمة الثقافة اللبنانية".

ذكرت في المقدمة "الإرث الاستعماري" والسياسات للغوية، كيف يمكن إيجاد "سياسة ثقافية" في ظل "الولاءات" المتباينة للأطراف السياسية المشكلة للطيف السياسي في الحكومة اللبنانية؟

حنان الحاج علي: "في ظل التدهور والنزاعات القائمة وتفتت الولاءات حالياً، لا يمكن إيجاد سياسة ثقافية جامعة، لكن هذا ليس مستحيلاً، ففي الفترة الشهابية كان التنوع الطائفي مصدر إثراء وتنوع ضمن مشروع بناء دولة مواطنة حقيقي وفي ظل بناء مؤسسات جادة تساهم في تحقيق هذا المشروع.

يمكن إيجاد حلول تجمع أكثر مما تفرّق، مثلاً إذا تمت الموافقة على توقيع معاهدة التنوع الثقافي/اليونسكو 2005، عندها يتم الاعتراف بكل مقومات التنوع الثقافي اللغوي وغيره بحيث يكون رافعة لنمو اجتماعي واقتصادي وثقافي متوازن ومستدام. في ظل رؤيا كهذه يتفكك الصراع "اللغوي" ويتحول إلى أرضية ثقافية غنية ويصبح من المحبذ استخدام الجميع للغتهم الأصلية والتعلّم بها والإبداع بواسطتها ومن خلالها، كمثال ما يحصل لدى الأرمن في لبنان.

عندما يتم الاتفاق على مساواة جميع الأشخاص الموجودين على الأرض اللبنانية بالحقوق والواجبات، وأهمها حق العمل والجنسية، ستكون الحقوق اللغوية بمثابة تحصيل حاصل. فاللبنانيون حتى الآن لم يتفقوا على تاريخ واحد لما مضى، وكل طرف يقوم بتدريس التاريخ من وجهة نظر طائفته. من المفروض أن يتم الاتفاق على النقاط الجامعة والتقاطعات الثقافية المشتركة، لإيجاد أرضية ننطلق منها".

عندما يتم الاتفاق على مساواة جميع الأشخاص الموجودين على الأرض اللبنانية بالحقوق والواجبات، وأهمها حق العمل والجنسية، ستكون الحقوق اللغوية بمثابة تحصيل حاصل

ناديا فون مالتسان: "أرى ضرورة وجود سياسة ثقافية مشتركة تعترف بالمختلف وتقبل وجود جميع الأطراف في قضاء الثقافة العام.

من المهم تدريس تاريخ موحد للبنان في المدارس يتم الاتفاق عليه، والمؤسسات الثقافية اللبنانية كـ'المكتبة الوطنية' و'الأرشيف الوطني' يجب أن تلعب دوراً مهماً في بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وهذه خطوة مهمة يجب البدء بها".

ألا تخشين على "الثقافة" نفسها في ظل دور أكبر للدولة كما في باقي البلدان العربية؟ ألن تتحول الوزارة إلى "حصّة" سياسية يختلف على أدائها الأطراف دون خدمة الثقافة بمعناها العميق؟

حنان الحاج علي: "نعم، السياسات الثقافية في الأنظمة الشمولية والقومية ذات لون واحد لا يناسب مناخ الحرية الذي كنا نمتلكه في لبنان والذي بات مطوقا أكثر فأكثر من قبل السلطة الأوليغارشية الحاكمة ومن قبل الرقابات الدينية والاجتماعية.

حنان الحاج علي: عندما يتم الاعتراف بكل مقومات التنوع الثقافي اللغوي وغيره. في ظل رؤيا كهذه يتفكك الصراع "اللغوي" ويتحول إلى أرضية ثقافية غنية ويصبح من المحبّذ استخدام الجميع للغتهم الأصلية والتعلّم بها والإبداع بواسطتها ومن خلالها

ما نطمح إليه في نظام ديموقراطي تشاركي حقيقي هو أن تكون هذه السياسات موضوعة بالتشاور مع منظمات المجتمع المدني والفعاليات الثقافية المختلفة، والتي يجب عندها أن يتم مراجعتها باستمرار نظراً للتغيرات العديدة التي تحصل على المستوى الحقوقي والثقافي، خصوصاً مع تطبيق النظام العلماني الذي نطالب به.

ناديا فون مالتسان: "كان هناك خوف من سيطرة الوزارة في البداية على النشاطات الثقافية كما يحصل في البلدان العربية المجاورة، لكن هذا لم يحصل، لأن الوزارة لم تقم بأي نشاط يذكر ولم تخلق أي إطار عام لخدمة الثقافة اللبنانية".

لكل طرف في لبنان "أرشيف" عن التراث اللبناني بل عن التاريخ اللبناني أيضاً وفكرة عن طريقة الحفاظ عليه واستثماره، كيف يمكن صنع سردية واحدة عبر مؤسسة حكومية تجمع التراث وتضمّه للإرث الثقافي؟

حنان الحاج علي: "برأيي الشخصي، أنا أقف مع وجود سردية جامعة للتاريخ اللبناني، نصل إليها عبر إيجاد ورشة عمل تراكمية على فترة طويلة، تشترك بها كل الأطراف لغربلة السرديات المختلفة والوصول لسردية علمية، تحظى بموافقة الجميع، واستبعاد العناصر التي تنشئ التفرقة، لا على قاعدة 'غالب ومغلوب'، إنما على قاعدة علمية رصينة، للابتعاد عن التطرف والغلوّ، ولإنشاء سردية موثقة يستطيع الباحث في التاريخ اللبناني الركون إليها.

نحن نعلم أن من يموّل المشاريع الثقافية يفرض -إلى حد ما- رؤيته لها، ألا يخشى من فقدان عنصر الحرية الملازم للإبداع في المشاريع الممولة من جهات أجنبية ومجموعات العمل المدني؟

حنان الحاج علي: "هذا موضوع يأخذ الكثير من الجدل عامة، وهي بالرغم من أنها وجهة نظر مشروعة إلا أنها تحمل الكثير من الاتهامات للمشاريع الثقافية، لكن الأمر يعود للمثقف نفسه ولصاحب المشروع الثقافي بحيث يستطيع أن يبتعد بمشروعه عن أهداف المموّل المشبوهة أو التي تفرض قيوداً على حرية العمل الثقافي. مثال على ذلك، عندما اشترطت الجهات المانحة سابقاً على أصحاب المشاريع الثقافية توقيع وثيقة 'عدم التعاون مع الإرهاب'، رفضت المنظمات الثقافية المستقلة هذا الأمر وفي طليعتها المنظمات الثقافية الفلسطينية، خصوصاً مع وجود معايير غير عادلة للوصم بالإرهاب.

ناديا فون مالتسان: "القطاع الثقافي اللبناني يعاني بشكل عام من تشتت القوى، إضافة إلى أن أكثر ما تصطدم به  البحوث هو الحصول على معلومات واضحة وموثقة خاصة فيما يتعلق بالميزانيات مما يتطلب جهداً مضاعفاً وبحثاً مضنياً للحصول على الحد الأدنى من المعلومات المفيدة

الدراسة، كما قرأنا فيها، استغرقت وقتاً طويلاً لإعدادها، ما هي المعوقات التي طالت البحوث وكم استغرقت من الوقت؟

ناديا فون مالتسان: " أعتقد أن أحد أهم أسباب استغراقنا وقتاً طويلاً لإنجاز الدراسة هو أنه مجال جديد للبحث، ولم يكن سهلاً العثور على باحثين مؤهلين للقيام بذلك، وسبب آخر هو أن القطاع الثقافي يعاني بشكل عام من تشتت القوى، وعندما نجد باحثاً مؤهلاً يكون لديه العديد من الالتزامات والمشاريع التي تجعل التنسيق صعباً، إضافة إلى أن أكثر ما تصطدم به هذه البحوث هو الحصول على معلومات واضحة وموثقة خاصة فيما يتعلق بالميزانيات مما يتطلب جهداً مضاعفاً وبحثاً مضنياً للحصول على الحد الأدنى من المعلومات المفيدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard