نوستالجيا يونانية إلى التاريخ القديم... مقارعة العثمانية التركية بالهيلينية

الخميس 29 أبريل 202111:58 ص


مع احتدام المشاكل في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بين تركيا واليونان، توجهت أثينا إلى عقد تحالفات مع دول عربية تشاركها العداء أو التخاصم مع أنقرة، وبرزت مع هذا التوجّه نوستالجيا يونانية إلى فترة العصر الذهبي للحضارة اليونانية.

كتاب يونانيون عدّة يرون أن ماضي الهلنستية الثري في منطقة المتوسط، في مرحلة توسع الحضارة اليونانية خارج حدود اليونان، بين أوائل القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الثاني بعد الميلاد، قد يكون بمثابة الأداة الأكثر فاعلية لبلدهم في سياسته الخارجية وفي تفاعله مع جيرانه القريبين.

تدغدغ هذه النوستالجيا الهلنستية مشاعر القوميين اليونانيين بشدّة. ففي الأيام الماضية، أشعل الرئيس الأمريكي جو بايدن في بيان اعترافه بالإبادة الجماعية للأرمن، لهيب الحماس لدى القوميين اليونانيين، باستخدام كلمة "القسطنطينية" بدلاً من إسطنبول، ليتصدر هاشتاغ #Constantinople تويتر.

صعود القومية في اليونان

في العقد الأخير، صعد التيار القومي في اليونان، خصوصاً في العامين الماضيين، بعد تولي حزب يميني يتبنى سياسات متشددة في قضايا الهجرة والعلاقة مع تركيا.

يشير الأكاديمي والصحافي المختص في الشأن اليوناني سامح اللبودي إلى أن القومية اليونانية كانت موجودة دائماً ومتجذرة في هذا البلد، وغير مرتبطة بالأوضاع السياسية، بل بتاريخ احتلال تركيا لليونان، ومع حدوث أي مناوشات مع أنقرة تلتهب وتشهد صعوداً ملحوظاً.

ويضيف لرصيف22: "في المرحلة الأخيرة، صعدت القومية لأن التيار اليميني المحافظ الحاكم حالياً يغذّي فكرة القومية ضد الاحتلال التركي القديم والانتهاك التركي لحدود اليونان، ومع ذلك فإن القومية متواجدة أيضاً في ظل حكم اليسار، لكنه لا يغذّيها بل يدعو للسلام مع أنقرة".

عام 2019، فاز حزب الديمقراطية الجديدة، وهو حزب محافظ ينتمي إلى اليمين الوسط، ويتزعمه رئيس الوزراء الحالي كيرياكوس ميتسوتاكيس، بالانتخابات التشريعية، بأغلبية لم تتحقق منذ عام 1981.

ولفتت صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن إحياء حزب الديمقراطية الجديدة جاء بجهود ميتسوتاكيس، وبإغراء الوسطيين وبقدرة المحافظين على انتزاع الأصوات من حزب "الفجر الذهبي" اليميني المتطرف -الذي انهار مؤخراً بسبب إجراءات قانونية- من خلال اتخاذ موقف متشدد بشأن عدد من القضايا، منها الهجرة غير الشرعية.

ويقول اللبودي إن اليونان أبرمت اتفاق شراء أسلحة مع فرنسا وهو ما يمثل دعماً كبيراً لأثينا، وأعطى لها شعوراً بالقدرة على المواجهة، لذلك شكّل دفعة لها في سياستها الخارجية، إذ تشعر أنها مدعومة من باريس ومن الاتحاد الأوروبي، وكل ذلك دعم الفكرة الداخلية بأن اليونانيين أصبحوا قادرين على استفزاز تركيا وأصبحوا أقوياء وقادرين على التحرك والرد.

ولعبت تركيا دوراً في تغذية السلوك القومي داخل اليونان خلال الفترة الأخيرة، حسبما يرى الأكاديمي والباحث في قسم الفلسفة والكلاسيكيات وتاريخ الفن والأفكار في جامعة أوسلو باناغيوتيس جي بافلوس، وذلك من خلال دعم جماعات تروّج لأيديولوجية قومية تركية معادية لليونان.

عام 2019، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، إن الأمة التركية باقية في إسطنبول، ولن يتمكن أحد من تحويل هذه المدينة إلى "قسطنطينية" مجدداً.

"في حين أن أيام المغامرات الهلنستية في الشرق الأوسط قد مرّت عليها قرون، لا يزال الإرث الثقافي الدائم لليونان بمثابة نعمة دبلوماسية - لا سيما مع استمرار التوترات مع تركيا في التصاعد"

يقول بافلوس لرصيف22: "هذا بالطبع بعيد عن الواقع لأن اليونان لم تطالب ولو تلميحاً باستعادة الأراضي المفقودة"، لكن هذه الاستراتيجية مثمرة برأيه "لأنها تغذّي الجماعات اليونانية التي، على الرغم من انتمائها إلى الإطار الوطني، تسقط في فخ توفير حجج لتركيا، ويمكن تصنيفها بأنها يمينية متطرفة إلى حد ما، وأحياناً متطرفة".

ويشير إلى مساعي تركيا لتحويل الأقلية المسلمة في تراقيا إلى أقلية موالية لتركيا، في محاولة للالتفاف على معاهدة لوزان التي لا تعترف بالأقلية العرقية في تراقيا، ويعلّق: "هناك بالطبع مجموعات من الحمقى في اليونان يؤسسون موقفهم القومي وأجندتهم على استراتيجية اختراق تركيا للأقلية المسلمة".

القومية والسياسة الخارجية

في مقال نشره في صحيفة كاثمريني اليونانية، كتب الكاتب نيكوس ستيلغياس أن أثينا ونيقوسيا وظفتا أيضاً القومية التركية، خصوصاً فكرة "الوطن الأزرق"، كأداة مهمة تختبئان وراءها في السياسة الخارجية.

و"الوطن الأزرق" هو مقترح قومي طرحه جنرال سابق في الجيش التركي، يرسم حدود أنقرة البحرية بشكل يضمّ مساحة شاسعة من مياه البحر الأسود، وبحر إيجة والبحر المتوسط، بما في ذلك جزر تابعة لليونان.

ويشير ستيلغياس إلى أن القومية التركية تمنح القومية اليونانية المنافِسة فرصة مثالية لتطوير خطاب منافس في المنطقة الأوسع.

ويتابع أن هذا "سيخدم مصالح الأحزاب السياسية ويقدّم الذرائع للصقور في الدبلوماسية اليونانية وكذلك في وزارة الدفاع اليونانية، وهؤلاء هم على رأس المسؤولين عن العلاقات اليونانية-التركية والقضية القبرصية"، ضارباً مثل المقالات الكثيرة التي تنشرها صحف يونانية وقبرصية للإشادة "بالإجراءات الهامة التي اتخذتها أثينا ونيقوسيا لمواجهة استفزازات أنقرة".

مع احتدام المشاكل في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بين تركيا واليونان، توجهت أثينا إلى عقد تحالفات مع دول عربية تشاركها العداء أو التخاصم مع أنقرة، وبرزت مع هذا التوجّه نوستالجيا يونانية إلى فترة العصر الذهبي للحضارة اليونانية

في ظل هذه الظروف الصراعية، تظهر دعوات ومقالات في صحف يونانية تدعو إلى تفعيل الهلنستية في السياسة اليونانية الخارجية، كما في مقال نشره الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط بول غادالا في صحيفة كاثمريني اليونانية عام 2020.

يعتبر غادالا أن ماضي الهيلينية الثري في منطقة المتوسط يمكن أن يكون بمثابة الأداة الأكثر فعالية وإيجابية لليونان في السياسة الخارجية.

ويلفت الباحث المقيم في مدينة نيويورك الأمريكية إلى أن اليونان تتمتع بعلاقات حميمة مع كل من الدول العربية وإسرائيل، حتى قبل سلسلة اتفاقيات السلام الأخيرة، كما طورت علاقات عسكرية مع الإمارات ومصر والأردن وإسرائيل.

ويرى أن تحديد مصر واليونان حدودهما البحرية خطوة تاريخية للحد من المزيد من الطموحات التركية في شرق البحر المتوسط.

ويتحدث عن أمثلة يضعها في سياق الهيلينية مثل شراكة اليونان التجارية مع لبنان ودول المشرق العربي الأخرى، وإرسالها مساعدات إلى بيروت بعد انفجار المرفأ، وإقامة مدينة جبيل اللبنانية عام 2019 مهرجاناً ثقافياً يونانياً، وافتتاح أول قنصلية يونانية في أربيل في كردستان العراق.

ويذكّر بوجود عدد من المواقع الأثرية والأضرحة الدينية المرتبطة بتاريخ الحقبة الهلنستية وبوجود وطوائف أرثوذكسية تابعة للكنيسة اليونانية في منطقة الشرق الأوسط.

ويشير إلى أمثلة عن التعاون مع دول المتوسط في هذا السياق، كما في حالة قيام فريق من الجامعة التقنية الوطنية في أثينا بتدعيم كنيسة القيامة القديمة في القدس.

وتعقد مصر واليونان مناقشات بشأن السياحة الدينية، ومن المقرر تجديد دير سانت كاترين البارز في سيناء، بينما جددت الحكومة المصرية المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية.

وعام 2018، أطلقت مصر واليونان وقبرص مبادرة العودة إلى الجذور التي تهدف إلى إقامة فعاليات تتضمن احتفالية تشارك فيها الجاليات اليونانية والقبرصية التي كانت تعيش في مصر.

وعملت اليونان على إقرار ميثاق "سالونيكي" للحفاظ على التراث البيزنطي في منطقة المتوسط، بمشاركة 21 دولة من دول البحر المتوسط والبحر الأحمر.

ومؤخراً، في لقاء مع الجالية اليونانية، أثناء زيارته بنغازي الليبية، قال وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس إن بلاده ستفتتح قنصلية في هذه المدينة وإن "بلاده تحضر مرة أخرى في ليبيا وستظل كذلك".

وتظهر القيادات الدينية من أصول يونانية في الدول العربية دعماً قوياً لليونان. ففي العام الماضي، أرسل البابا ثيودورس الثاني، بابا الإسكندرية وسائر إفريقيا للروم الأرثوذكس، خطاباً رسمياً موقعاً بخط يده إلى وزير الخارجية المصري سامح شكري، يبارك فيه الاتفاق البحري بين أثينا والقاهرة.

وقال غادالا: "في حين أن أيام المغامرات الهلنستية في الشرق الأوسط قد مرّت عليها قرون، لا يزال الإرث الثقافي الدائم لليونان بمثابة نعمة دبلوماسية - لا سيما مع استمرار التوترات مع تركيا في التصاعد".

ويميّز المؤرخون بين المرحلة الهلنستية، وهي تلك التي أعقبت غزوات الإسكندر المقدوني، وبين المرحلة الهيلينية حين كانت الحضارة اليونانية قائمة فقط في المدن اليونانية وشهدت تطور الفكر والفلسفة.

وبرأي غادالا، "لا ينبغي لحكومة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس أن تكون مهملة في ذلك، ويجب أن تستمر في التوسع في هذه التطورات الإيجابية من خلال الاستمرار في تعزيز وتوسيع العلاقات الدفاعية والتجارية والثقافية مع شركائها في الشرق الأوسط".

معارضة أجندة تركيا

يرى الأكاديمي اليوناني بافلوس أن تقارب اليونان المتزايد مع الدول العربية يرجع إلى أن هذه الدول تشترك جميعاً في معارضة عميقة لأجندة تركيا الهادفة إلى إحياء الإمبراطورية العثمانية في منطقة الشرق البحر الأبيض المتوسط ​​وجنوب البلقان والشرق الأوسط وصولاً إلى الخليج.

ويضيف لرصيف22: "ما يهم أكثر الناس العاديين هو أن اليونان تبني علاقات جوهرية مع العالم العربي"، ولا يهتمون بطبيعة الأنظمة العربية الحليفة وما إذا كانت ديمقراطية أو تسلّطية.

ويعتبر أن هذه العلاقات "ضرورية لتأمين السيادة اليونانية عبر بناء تحالفات أمام عدو مشترك، وهي بالأحرى مسألة ذات أهمية حيوية للبلد والشعب، وليس كأداة ومحتوى أيديولوجي".

ووقّعت اليونان مع الإمارات اتفاقية شراكة استراتيجية في العام الماضي، كما وقعت اتفاقاً لإرسال منظومات باتريوت وجنود إلى السعودية، واستضافت مؤخراً مناورة جوية مع السعودية في جزيرة كريت في وقت تتعرض الرياض فيه لضغوط بسبب الحرب على اليمن.

لكن الكاتب المختص بالشؤون العسكرية بول إيدون يحذّر من تورّط اليونان في صراعات المنطقة، على خلفية هذه الاتفاقيات.

ينقل عن الباحث في المركز الدولي للتكوين الأوروبي جورج تزوغوبولوس أن أثينا اتّخذت بعض المبادرات التي لا يمكن أن ترضي جميع دول الشرق الأوسط في إشارة إلى إيران، ويشير إلى شكوى شفهية قدّمتها إيران بسبب إرسال صواريخ باتريوت إلى السعودية.

ولكن هنالك ما لا يلعب لصالح صورة اليونان في أعين العرب وهو تنامي كراهية المهاجرين، وجزء كبير منهم من العرب والمسلمين، وخاصة من السوريين، وهي مسألة تحسن تركيا استغلالها.

اليونان دولة مسيحية ذات أغلبية أرثوذكسية، ومع دخول أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين إلى البلاد، يصف القوميون اليونانيون الإسلام بأنه "تهديد خطير".

وتغذي بعض تصريحات رجال الدين أيضاً القومية في اليونان وتحسس العرب والمسلمين منها، إذ قال رئيس الكنيسة الأرثوذكسيّة اليونانيّة ورئيس أساقفة أثينا البطريرك إيرونيموس في حديثٍ له عن حرب الاستقلال اليونانية في كانون الثاني/ يناير الماضي،"إن الإسلام ليس ديناً، والمسلمون يقفون دائماً مع الحرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard