"تكميم أفواه" الإخوان في تركيا… هل تخلّى أردوغان عن الجماعة؟

الجمعة 19 مارس 202106:34 م

لطالما عُرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالبراغماتية، بعدما انشق عن حزب الرفاة الذي أسسه أستاذه نجم الدين أربكان، ثم تخليه عن رفقاء دربه في حزب العدالة والتنمية. وها هو الآن يشرع في تكميم حلفائه في جماعة الإخوان المسلمين.

ومنذ عزل الجيش المصري الرئيس الراحل محمد مرسي، عام 2013، تستضيف تركيا مقرّات العديد من القنوات التابعة لجماعة الإخوان، وهي "الشرق"، "مكملين"، "وطن" و"رابعة"، وذلك إلى جانب عدد من المدونين والنشطاء الذين يديرون عدة قنوات على موقع يوتيوب.

في 18 آذار/مارس، غرّد العديد من الصحافيين المصريين المعارضين والمنتمين لجماعة الإخوان، بأن تركيا طلبت من القنوات المصرية الموالية للإخوان المسلمين في أنقرة، التوقف الفوري عن برامجها السياسية والتخفيف من حدّة انتقاد النظام المصري.

تكميم أفواه؟

وغرّد الإعلامي الإخواني المقيم في بريطانيا أسامة جاويش، قائلاً: "الحكومة التركية أبلغت إدارة قنوات المعارضة المصرية في إسطنبول 'مكملين، الشرق، وطن' بإيقاف برامجها السياسية فوراً، وتخفيف لهجة انتقاد النظام المصري على شاشاتها". وتابع: "غير واضح ما هي الخطوة القادمة بعد هذا القرار".

وقال الصحافي المصري المقيم في تركيا، سامي كمال الدين: "إبلاغ إدارة قنوات 'وطن، مكملين والشرق' بالتوقف عن انتقاد السيسي وإيقاف البرامج السياسية وعدم التدخل في الشأن الداخلي لمصر".

واعتذرت قناة الشرق التي يديرها المعارض المصري المقيم في تركيا، أيمن نور، عن إذاعة عدة برامج سياسية مساء الجمعة 18 آذار/مارس، واستبدلتها بالحديث عن فيلم سينمائي.

ومع ذلك، نفى نور إغلاق القنوات المصرية المعارضة في إسطنبول أو تسليم أي من المعارضين السياسيين إلى النظام في مصر، موضحاً أن ما تم كان مجرد اجتماعات فردية مع ملّاك قنوات المعارضة في تركيا، نوقش خلالها تخفيف حدة الهجوم على النظام المصري، الالتزام بالمعايير المهنية ومنع أي تجاوزات، سواء سب أو قذف أو تحريض على العنف. 

ونفى مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، ياسين أقطاي، إغلاق أي قناة من القنوات المعارضة التابعة للإخوان، أو تسليم شخصيات معارضة لمصر أو حتى توقيفها.

فيما لم تتضح الصورة كاملة بعد، أثار توجيه تركيا قنوات ونشطاء المعارضة المصرية على أراضيها، بمراعاة "المعايير المهنية" والتركيز على الترفيه لا السياسة، لغطاً واسعاً. لكن البعض استمر في التبرير لأردوغان ورأى فيه "خيراً لعموم المسلمين"، كيف؟

تتضح الحقيقة أكثر في تقرير نشره الصحافي التركي رجب صويلو، في موقع "ميدل إيست آي"، وهو أحد المواقع المقربة من الخط التحريري لجماعة الإخوان، إذ نقل عن مسؤولين أتراك أن السلطات التركية طلبت من هذه القنوات تخفيف انتقاداتها لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك في ظل مساعي التقارب بين القوتين الإقليميتين.

كما نقل عن مسؤول كبير في الحكومة التركية -على حد وصفه- أنه طُلب من رئيسي قناتي "مكملين والشرق"، "تخفيف انتقاداتهما السياسية للحكومة المصرية والتوقف عن مهاجمة السيسي شخصياً". وأوضح المسؤول: "لا داعي للذعر والمزاعم بأن تركيا ستُغلق القنوات غير صحيحة".

وتأزمت العلاقات المصرية التركية منذ عزل مرسي المحسوب على الإخوان المسلمين، ورفض الرئيس التركي الاعتراف بشرعية السيسي منذ ذاك الحين. ونشبت خلافات إقليمية أخرى بين البلدين حول عدة قضايا في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الحرب في ليبيا، حيث دعمتا أطرافاً متنافسة على السيطرة على العاصمة طرابلس.

وبعدما حظرت السلطات المصرية رسمياً جماعة الإخوان، فرّ الكثير من أعضائها إلى المنفى وأطلقوا قنوات في الخارج، خاصة في تركيا التي أصبحت ملاذاً آمناً لمعارضي السيسي وأنصار مرسي.

مخاوف من تبعات التقارب المصري التركي

وفي الأسابيع الأخيرة، ظهرت بوادر تحسّن العلاقات بين البلدين، حين كشفت تركيا عن جهود جديدة لإصلاح العلاقات مع القاهرة، تضمنت تخفيف حدة الانتقادات الموجهة للحكومة المصرية من قبل وسائل الإعلام المعارضة التي تحتضنها أنقرة.

أثار الإجراء التركي تجاه القنوات المناهضة للحكومة المصرية جدلاً بين العديد من الإسلاميين والمحللين الذين انقسموا بين من اتهم أردوغان بالتخلي عن الإخوان، وآخرين حاولوا التبرير له. وكذلك علّق العديد من الصحافيين والنشطاء على هذه التطورات، مؤكدين أنهم أخطأوا باختيار تركيا مقرّاً لهم، فهي ثانية دول العالم من حيث سجن الصحافيين والتنكيل بهم.

في محاولة لتبرير الإجراء التركي، كتب القيادي الإسلامي المصري علاء الروبي، على فيسبوك: " إذا كان التقارب بين تركيا ومصر أو بين تركيا والسعودية فيه تحجيم لدور الإمارات الإقليمي وعزل للإمارات، فذلك خير لعموم المسلمين".

"لم تدعم تركيا هذه القنوات أبداً انطلاقاً من معتقد أيديولوجي أو دعم لحرية التعبير، فهي تستخدمهم مثل قضية وصول اللاجئين إلى أوروبا، وقد كانوا وسيلة ضغط وبالتالي يمكن إغلاقها لمنفعة سياسية"

وأضاف: "ظني أن ما تسعى إليه تركيا هو تفكيك الجزء العربي من التحالف الإقليمي المضاد لها في شرق المتوسط وليبيا، أو تخفيف عداوته. والمصالح التركية - حسب ظني- متعلقة بليبيا وسوريا وشرق المتوسط وآسيا الوسطى والاقتصاد (الضغط الشديد على الليرة)، وتحييد مصر جزئياً أو كلياً، وفصلها عن التبعية السعودية والإماراتية مصلحة لتركيا وفيه مصالح لمصر أيضاً".

وكتب الناشط المصري المقيم في ألمانيا أحمد سعيد، على فيسبوك: "الإخوان ما اتباعوش (لم يُباعوا) ولا حاجة، وقنواتهم هتفضل كارت مفاوضة وضغط، دا اللي المفروض يتعمل لو إنت (مكان) أردوغان".

من جانبه، غرد الناشط المصري والباحث في منظمة العفو الدولية، حسين باعومي، قائلاً: "لم تدعم تركيا هذه القنوات أبداً انطلاقاً من معتقد أيديولوجي أو دعم لحرية التعبير، فهي تستخدمهم مثل قضية وصول اللاجئين إلى أوروبا، وقد كانوا وسيلة ضغط وبالتالي يمكن إغلاقها لمنفعة سياسية".

في المقابل، كان آخرون أكثر تشاؤماً بشأن الخطوة المرتقبة من أردوغان حيال المعارضين المصريين على أرضه. كتب الأكاديمي والمحلل التونسي حسّان القبي: "أردوغان الذي سلّم المعارضين الإيرانيين لنظام الملالي، قادر كذلك على تسليم قيادات الإخوان التي تتخذ من تركيا مركزاً لها، لبلدانهم، لو وجد السعر المناسب لبيعهم".

وذهب الصحافي التونسي باسم بونني، للقول: "حين تكون هارباً من ثالث بلد في الترتيب العالمي لحبس الصحافيين لا تلجأ إلى البلد الذي حلّ ثانياً".

 ولفتت الناشطة البريطانية من أصول مصرية، حفصة حلاوة، في تغريدة،  إلى أنه يمكن المقارنة بين الإجراء التركي تجاه القنوات الإخوانية، وتدابير بناء الثقة الخليجية لإصلاح الخلافات، ولا سيما عدم وجود أي تنازلات من قطر مقابل المطالب المصرية. 

ويعلّق المحلّل والباحث المصري تيموثي كالداس، في تغريدة، قائلاً: "إنه تطور مهم ويعكس إلى أي مدى تريد تركيا حدوث هذا التقارب. كانت هذه القنوات مصدر إزعاج كبير للقاهرة، حيث فقد الكثير من المصريين الثقة في وسائل الإعلام المحلية التي يسيطر عليها النظام، وسعى للحصول على بدائل تبث من الخارج".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard