يوم تساويت أنا والعاملة الأثيوبية جانيكا

الاثنين 26 أبريل 202111:38 ص

لم يكن يوماً محدداً عندما تساويت أنا وجانيكا، بل حقبة بأكملها. انتظرت ذلك اليوم منذ زمن، لكن ليس بهذا الشكل الذي جاء به. جانيكا هي عاملة أثيوبية في لبنان؛ تمثّل بنات جلدتها العاملات في الدول النامية لا سيما لبنان. أما أنا فلا أمثل كل مواطن لبناني على الإطلاق، إنما فئة صغيرة ترفض الكفالة وتسعى للحق والعدالة.

حدث الأمر كصفعة جماعية نزلت على وجوه اللبنانيين. انخفاض سعر الليرة اللبنانية أو انهيارها بشكل تام، مقابل ارتفاع جنوني للدولار الأميركي؛ بلغ أحياناً سبعة عشر ألف ليرة في السوق السوداء. أي أن المئة دولار باتت تساوي مليون وسبعمائة ألف ليرة أو مليون ليرة في أسوأ الأحوال.

كل لبناني يتقاضى أجره بالعملة الوطنية بات ينظر بعين الحسد أو الغبطة لقرينه الذي يتقاضى راتباً بالدولار من أي جهة كانت. وباتت جانيكا ومعاشها سيدة حفلات نميمتهم بعد أن كانت الأحاديث التي تُذكر فيها تدور حول نظافتها ونشاطها أو معاملتها للأطفال أو قدرتها على العمل في منزل المدام ووالدتها وشقيقتها بالمرتّب الواحد نفسه، أو تأديب أصحاب العمل لها عندما تنتفض في وجههم. بالمناسبة، أغلب أصحاب التأديب المشين للعاملات هم من أعداء الانتفاضة اللبنانية، أي ممّن يمارس عليهم الزعيم سلطته المطلقة فيُكبت فائض القوة بداخلهم حتى يفرّغوه على كائن جعله نظام الكفالة أقل منهم، بنظرهم.

أما أنا فلا أمثل كل مواطن لبناني على الإطلاق، إنما فئة صغيرة ترفض الكفالة وتسعى للحق والعدالة

جانيكا المسكينة لم يتغير حالها من الناحية المادية؛ فهذه المئة أو المئتي دولار لا تزال تذهب لأسرتها أو لزوجها في بلدها. لكن تغير حال بعض زميلاتها اللواتي حرمن من مرتبهن المعتاد ورمين في الشارع أمام السفارات بلا أي حق أو تأمين لعودتهن لبلادهن. أما رب وربة العمل اللبنانيين، "ماما" و"بابا" كما يفرض على العاملات القول- ورغم افتقار هذا البابا والماما في بعض الحالات لأي صفات الحنوّ والعطف الأبويين- فانقلب حالهما تماماً. صار مدخول الواحد منهما يساوي أو يقل عن مدخول العاملة عندهما. يا غيرة الدين، لن نبقي هذه "الخادمة" بعد اليوم، وستضطر الماما للقيام بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال لأن الرجل حكماً لن يقوم بذلك في تركيبة المجتمع المعقدة هذه.

بالمناسبة، أغلب أصحاب التأديب المشين للعاملات هم من أعداء الانتفاضة اللبنانية

قبل لعبة الدولار هذه، كان مرتب العاملات الأجنبيات في لبنان يبدأ بمئة دولار، ويتغير بحسب جنسيتها ومؤهلاتها. أي أنها كانت تتقاضى مئة وخمسون إلى خمسمئة ألف ليرة، وهو رقم كانت فئة كبيرة من الطبقة الوسطى قادرة على تغطيته. لكن فئة كبيرة من هذه الفئة لم تفكر يوماً بغربة جانيكا وشقائها، تترك حياةً مليئة بالمعاناة ظناً منها أن الخلاص هنا؛ تترك أهلها وأطفالها وتأتي لتخدم عائلة ومسنّين وأطفال آخرين لا تربطها بهم أي صلة، بدوام كامل ومعاملة فوقية تترافق مع التعنيف اللفظي والجسدي أحياناً. تتحمل جانيكا ما لا يتحمّله الأهل من أولادهم المشاغبين. تقوم بكل أعمال التنظيف والضيافة والطبخ أحياناً، تتم "إعارتها" للأقارب دون سؤالها عن رأيها، يعيشون في القرن الواحد والعشرين ويتعاملون بمبدأ الرق الذي ساد منذ آلاف السنين، مع فوارق في ادعاء التحضر فقط.

اليوم أمام موجة هجرة اللبنانيين نحو كل القارات بحثاً عن الخلاص، ليرسلوا من هناك بضع دولارات لعائلاتهم. أو أمام بقاء من لا حيلة لهم هنا ومعاناتهم من تدنّي أجورهم مقابل الارتفاع السافر في أسعار المواد الغذائية ومستلزمات الحياة، اليوم فقط عاشوا ظروف جانيكا ومعاناتها. ورغم ذلك، لا تزال تتردد على مسامعنا عبارات عنصرية مقيتة مثل "صارت الخادمة غنية وبتقبض أكتر منا".

يعيشون في القرن الواحد والعشرين ويتعاملون بمبدأ الرق الذي ساد منذ آلاف السنين، مع فوارق في ادعاء التحضر فقط

ما حصل هو أمر لا أتمناه لأحد، لأنها مساواة سلبية أرفضها. أما ما أطالب به فهي مساواة إيجابية تحفظ حقوق كل إنسان وكرامته. لكنه وقع وتمنّيت على إثره أن تكون نتيجته صحوة إنسانية لدى كل من كانوا يحتقرون عاملاً أجنبياً في بلادهم.

الطبقة الميسورة أو البرجوازية أو التي لا تتغير أحوالها ولو انقلب البلد "فوقاني تحتاني" لا تزال تحتفظ بعاملاتها، فيما ظهرت بعض العائلات التي انتفعت من فرق الدولار وصار بإمكانها استقدام عاملة أجنبية. الحكم هنا ليس على الموضوع ككل، وليس على الكل أصلاً. إنما فقط على بعض أصحاب المنشورات العنصرية على فيسبوك من قبيل "مين عنده عاملة بده يبيعها".

جدلية المال لا يصنع السعادة أو يشتريها هي جدلية طويلة لن أخوضها الآن. لكن المؤكد في كل ظرف وزمان ومكان أن المال لا يصنع منك شخصاً أفضل من غيرك إذا لم تستثمره في التخلص من عنصريتك وكل آفاتك التي ربانا هذا المجتمع عليها. أما نحن شركاء الشقاء مع جانيكا فنشعر بها منذ زمن ومن المؤكد أنها تشعر بمعاناتنا اليوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard