ليبيا... مكافحة السِّحر وقِتال طواحين الهواء

الأحد 18 أبريل 202105:44 م

في النَّص التاريخي المعروف بـ"دفاع صبراته"؛ يَـمُثل الفيلسوف النوميدي "لوكيوس أبوليوس المداوري" أمام المحكمة في صبراته الليبية، دفاعًا عن نفسه، ورَدًّا لتهمة السحر الأسود. بعد ألفي عام من هذه الواقعة ما تزال سلطات نفس المدينة تواظب – رسميا - على الإمساك بخناق من تسميهم سَحَرة.

ترسيخ الخرافة

منذ التاريخ الذي انتقلت فيه عائشة (52 عاما) إلى صبراته، وهي منغمسة في أحاديث شبه يومية محورها "السحر". هي الآن تُصرّ على أن الحريق الذي اشتعل في مقبرة "الخطاطبة" (11. نيسان/أبريل. 2021)، هو من عمل المشعوذين. وتستبعد أن يكون الحريق طقس سحر كما يشاع، لكنها تفترض أن "الشَّلْوَاشَه"/(السحرة) هم من عمد إلى إتلاف أعمالهم، بعد شروع السلطات الرسمية في حملة تنظيف المقبرة من أعمال السحر.

أما أغرب ما تداوله المتطوعون في حملة مقبرة "البقارة"، فهو اختفاء جثة طفل بعد فتح القبر للتفتيش عن السحر. وهي قصة تقودني إلى ما كانت تحكيه جدتي عن كهوف مدينة شَحَّات الـمُشاع أنها مملوءة بالكنوز، وكيف أن السحرة وحدهم هم من يفتحون "المطالب" حينما يقدمون عيون الأطفال المسروقة قربانا لملك الجن.

في طرابلس، كان موضوع السحر يقع في نطاق اهتمامها من زاوية أنها كانت معلمة "تربية إسلامية"، وكان لا بد لها بين الحين والآخر أن تشرح للأطفال معاني المعوذتين أو آيات مرتبطة بموضوع السحر. تصمت عائشة بعد سؤالها عرَضًا "هل قصدتِ ساحرا من قبل؟". بعد لحظات تستأنف "احني ما نمشوش للشلواش.. لكن بنتي تعالج عند شيخ. يعالج بالقرآن والرقية الشرعية".

يتابع (العَوّامي، 34 عاما) عبر وسائل التواصل، الحملةَ التي ينظمها مكتب مكافحة السحر والشعوذة والتسلل، في تنظيف مقبرة "الغريقة" بمدينة البيضاء، بدءًا من آذار/ مارس 2021. نتساءل ما الذي يدفع فني تحاليل طبية يقيم على بعد 200 كلم غرب مدينة البيضاء، إلى أن يكون مواظبا على جمع أخبار حملات مكافحة السحر. يخبرنا العَوّامي - الضليع بمعرفة الأجهزة الأمنية أيضا - أن مكتب مكافحة السحر تابع للإدارة العامة لمكافحة التسلل والتهريب وهي بدورها تابعة إلى هيئة السيطرة.

يشير العَوّامي إلى بيانات "مثيرة" منشورة في وسائل التواصل، تُظهر حجم تفشي ظاهرة السحر في المقابر، ويتابع كأنّه شاهد عيان – والواقع أنه ليس شاهد عيان - "فيما يخص حصيلة اليوم الأول تم العثور في القبر رقم (5006) في مقبرة الغريقة، على مفتاح سيارة – يبدو أنه للتعطيل. أما القبر رقم (5411) فتم الكشف عن صَدَفة سلحفاة وعادة ما تستعمل أيضا للتعطيل". ثم يحدثنا عن أغرب ما كشفت عنه الحملة في الأول من نيسان/أبريل "قبر مختفٍ بين الأشجار وجد مدفونا بجانبه "غالون" كبير به ما يقارب 800 "سرنجة" طبية (محقنة)، وعلب تحاليل دم بالأسماء، وهذا سحر جملة هدفه الأوبئة والهلاك".

أما عن أغرب ما تداوله المتطوعون في حملة مقبرة "البقارة"، في مدينة شَحَّات (قورينا). فهو اختفاء جثة طفل بعد فتح القبر للتفتيش عن السحر. وهي قصة تقودني إلى ما كانت تحكيه جدتي عن كهوف مدينة شَحَّات الـمُشاع أنها مملوءة بالكنوز، وكيف أن السحرة وحدهم هم من يفتحون "المطالب" حينما يقدمون عيون الأطفال المسروقة قربانا لملك الجن، وأن الطقس الأسطوريّ يشترط أن تحمل عيون الأطفال المسروقة "العلامةَ".

ما يزال الناس في شحّات منذ مطلع القرن الفائت يتداولون قصة الطفلة التي سحرها الحاج المغربي على باب "مَطْلَب"، وأرغمها بسِحرِه على أن تحطم رأسها بنفسها على مدخل الكهف، يصدقون أيضا قصة "القريد" وهو مغامر من شَحّات أفقده الجنُّ إحدى عينيه بسبب خطأ إجرائي في طقس السحر مع رفيقه الذي كان أيضا حاجّا من "الغرب الجَوَّاني". خيال الليبيين مشبع بكثير من حَكايا الجن والسحر التي تجعلهم يميلون إلى البحث عن أسمائهم – أو متعلقاتهم - بهلع في قوائم المسحورين، وهي قوائم منشورة على وسائل التواصل لمن وجدت أسماؤهم، صورهم، أو متعلقاتهم الشخصية ملحقةً بأحجبة مدفونة مع الموتى.

بين فوضى التمائم والبخور والدمى البلاستيكية الموشومة بالطلاسم، بين الدمى الصوفية المنغوزة بالإبر، أو المقفول على ما بين فخذيها بقفل معدني، بين الصور الفوتوغرافية الملطخة بالخرابيش واللعنات وفكوك الحيوانات، ينتظر المواطن المتزن من السلطات الرسمية مكافحة ظاهرة استغلال البسطاء من قبل المشعوذين

بين فوضى التمائم والبخور والدمى البلاستيكية الموشومة بالطلاسم، بين الدمى الصوفية المنغوزة بالإبر، أو المقفول على ما بين فخذيها بقفل معدني، بين الصور الفوتوغرافية الملطخة بالخرابيش واللعنات وفكوك الحيوانات، ينتظر المواطن المتزن من السلطات الرسمية مكافحة ظاهرة استغلال البسطاء من قبل المشعوذين الذين يدّعون أن لهم مقدرة على تقديم خدمات روحية، وينتظر أيضا حملات توعية ومكافحة للفكر الخرافي. لكن السلطات الرسمية - عوضا عن هذا - تُسَخّر مواردها ووقتها وجهدا كبيرا في حملات فتح القبور و"فَكّ السِّحر" وهدم المزارات الصوفية وتحطيم نقوش "تيفيناغ" وملاحقة الساحرات على النمط الذي كان سائدا في العصور الوسطى. بالقَدر الذي يزيد ترسيخ إيمان البسطاء بالخوارق والتصورات البدائية التي تجاوزها الفكر الإنساني منذ قرون، وهو الأمر الذي يخدم ظاهرة النصب ويحقق الاستفادة القصوى لأولئك الذين يعيشون هستيريا جماعية تجعلهم يعتقدون بأنهم يملكون قوى خارقة. حملات مكافحة الشعوذة هي في الواقع حملات إشهار للشعوذة.

محاربة طواحين الهواء

ما يزال المسؤول الليبي - شخصيا - يؤمن بالخوارق من تشابك واتصال ومحاكاة رمزية، وبإمكان "تهكير" قوانين الطبيعة على طريقة طلاسم حكايات الجنيات وعوالم "هاري بوتر"، والتأثير العجائبي الذي يسمح بانتقال قوة غامضة من جسم ما إلى جسم آخر مفصول عنه بعناية أو مصمم لمحاكاته. يمكن الوقوف على هذا الواقع المحزن بمتابعة حملة "ولا يفلح الساحر حيث أتى"، التي ينظمها مكتب الأوقاف والشؤون الإسلامية في بنغازي، بالتعاون مع الغرفة الأمنية المشتركة والمجلس البلدي بنغازي.

يمكن الوقوف عليه أيضا من هروب بعض الأجهزة الأمنية في مختلف مدن ليبيا من مهامها الحقيقية - في حفظ الأمن وتأدية واجباتها التي ينتظرها المواطن – وتوجيه اهتمامها بحماس في مكافحة الوهم ومطاردة العفاريت واصطياد المشتبه بهم في ممارسة الشعوذة، وسط تشجيع البسطاء في مشاهد احتفاليّة منقولة على الهواء مباشرة في مواقع التواصل.

تشير ريحانة (28 عاما، بنغازي)، وهي مرشدة نفسانية، إلى ضرورة فهم الظروف العامة التي يشكّل فيها الناس وعيهم وقناعاتهم الشخصية، "رجل الأمن هو في الواقع عضو في المجتمع، يعكس نمط تفكير المجتمع، وهو بهذا عرضة للتشويش السائد وللضغط الدوغمائي، فما قد تراه أنت وهمًا أو"طواحين هواء" قد يراه هو حقيقة مثبتة بنصوص دينية لا يمكن الطعن فيها". والحل؟ "من الصعب القول بحل جذري لأن الأمر مرتبط بنمط التفكير وليس بقدر المعلومات المتراكمة، لكن يمكن الحديث عن دور مؤسسات المجتمع المدني في الضغط باتجاه تبني الدولة سياسات تربوية مسؤولة، كإدخال دروس التفكير الناقد في المناهج الدراسية مثلا، وتعميم مادة الفلسفة عوضا عن حصرها في التخصصات الأدبية. ربما يمكن بهذه الطريقة التأثير التدريجي على نمط تفكير الجيل الجديد، الذي يبدو لي أكثر انفتاحا واستعدادا للتغير".

لا يزال المسؤول الليبي - شخصيا - يؤمن بالخوارق من تشابك واتصال ومحاكاة رمزية، وبإمكان "تهكير" قوانين الطبيعة على طريقة طلاسم حكايات الجنيات وعوالم "هاري بوتر"

تجريم السحر في أرضه

تعترض الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة للحكومة الليبية المؤقتة، على افتقار القانون الليبي لمادة خاصة بتجريم السحر، وترى أن معاملة متهمي السحر تحت جريمة النصب وفق المادة 461 من قانون العقوبات الليبي؛ هو اعتراف ضمني بأن الـمُشَرِّع الليبي يرى السحر مجرد عملية نصب وليست ممارسة واقعية. وهذا يتنافى مع العقيدة السلفية التي ما تزال ترى أسطورة "هاروت وماروت" حقيقةً تاريخية. دفع هذا الإشكال "هيئة الأوقاف" في آب/أغسطس. 2020، للتقدم إلى مجلس النواب بمشروع قانون "حدّ السّحر". اشتمل - في ثمان مواد - على تعريف السحر على أنه "عقد ورقي ونفث وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور"، ونصّ على حد الساحر "بالقتل حدا وفقا لما ثبت في الشريعة الإسلامية"، وعلى عقوبة من يأتي ساحرا بهدف الإضرار بالآخرين "بالحبس وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن عشرة آلاف دينار".

يرى العَوّامي (34 عاما، بنغازي) أن هذه العقوبة عادلة ورادعة، "ستسهم في الحد من ممارسة السحر، شرط ألّا يتم التهاون فيها، وشرط تأمين المقابر وتركيب كاميرات وإضاءة". لكن صاغة مشروع قانون حد السحر لا يخبروننا عن المعايير الدقيقة لإثبات وقائع السحر بأدلة ملموسة (تفرّق ما يرونه سحرا "حقيقيا" عمّا يمكن النظر إليه على أنه طقس زائف)، وعن ما هي الضمانات التي تحمي مواد هذا القانون من سوء تأويل يجعلها وسيلة تصفية حسابات.

يخلط كثير من المدافعين عن سَن قانون حد السحر؛ بين التجربة الشخصية – القابلة للاختراق والانحياز الإدراكي وسوء التأويل – وبين التجربة العلمية التي تشترط قابليتها للتعميم. يبتسم (إسماعيل، 40 عاما) ابتسامةَ العالم بالمصائب، ويشاركنا تجربة درامية بتشويق ممزوج بحس أمني (باعتبار أنه عضو في مديرية الأمن). كان إسماعيل شاهدا على جلسات علاج مسحورين، وينقل لنا كيف انتفض أحدهم في نوبات متتالية "كأنه يتقيأ روحا من بين أضلعه". يخبرنا عن تغير أصوات المسحورين، وعن حديث الجن على ألسنتهم. وعن تجربة شخصية له كان قد تقيأ فيها لفافة شَعر. لا يميل إسماعيل إلى رأي مختصي علم الأعصاب الذين يشرحون بعناية ظاهرة نوبات التخبط ويصنفونها "نوبات صرع ذات منشأ نفساني"؛ فهو يقول - بابتسامة العالم بالمصائب - "اللي شاف بعينه مش زي اللي سمع".

في دفاع "لوكيوس" العتيد عن نفسه في "صبراته" منذ ألفي عام، كان قد أشار إلى (الفهم الخاطئ) بوصفه سببا في بناء تصورات خرافية، وسببا في ابتكار (تهم) باطلة. بعد كل هذي القرون نحن أمام حالة قد تنتهي بصوغ تشريع مبني أساسا على فهم أبعد ما يكون عن الصحة، فهم يتعارض مع ما تقدمه التجربة والمنطق المبني على ترابط الأدلة. إنه المنطق الذي انطلق منه "لوكيوس" في دفاعه التاريخي حين قال: "لكن هنا يوجد من يقدم ساحرا - كما يقولون عنه - للمحاكمة بتهمة قد تؤدي بحياته".. "غير أنه من العادة أن توجد هذه التهم، بسبب ضرب من الخطأ السائد بين الجُهَّال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard