انشقاق أم يأس؟... الأزمة الاقتصادية تُفقِد الأسد ولاء الطائفة العلوية

الخميس 15 أبريل 202104:18 م

تداول نشطاء سوريون فيديو لثلاثة طلاب جامعيين من الطائفة العلوية، دعا بعضهم فيه إلى إنهاء سيطرة النظام السوري وإسقاطه، وذلك بعدما فروا إلى مناطق المعارضة أملاً في الهروب خارج سوريا.


الفيديو نشر على يوتيوب في 12 نيسان/ أبريل الجاري، قبل يوم واحد من ظهورتقرير على فاينانشال تايمز البريطانية يتحدث عن أن الرئيس السوري بشار الأسد يفقد بشكل متزايد الدعم الذي كانت توفره له طائفته "العلوية"، بعدما يئس العلويون من الوضع في البلاد في ظل التدهور الاقتصادي، مع غياب طرح أية حلول ناجعة للمستقبل.

ويشير باحثون سوريون إلى أن العلويين لم يعودوا قابلين المشروع الإيراني، الذي يضحي بأبنائهم في الصفوف الأولى، في المواجهات، خصوصاً في ظل احتدام التوتر مع الولايات المتحدة.

تعود أهمية الفيديو إلى أن الشباب الثلاثة ينتمون إلى الطائفة العلوية، وهي طائفة مهمشة تاريخياً ويشكل أفرادها 15% من سكان سوريا البالغ عددهم 17 مليونًا، إلا أنهم كانوا يعدون حجر أساس الموالاة للنظام في الدولة ذات الأغلبية السنية.

هروب يائس

في الفيديو المتداول وردت عبارة: "العناصر المنشقون الذين تم انشقاقهم عن طريق المركز السوري للسلامة والانشقاق"، في شريط أسفل شاشة الفيديو.  ودعا خلاله الطلاب السوريين الثلاثة، أولئك الذين يحيون في مناطق سيطرة النظام إلى التخلص منه، حتى لا يبقوا "مذلولين" تحت حكم الأسد، مؤكدين أنهم تلقوا معاملة جيدة في مناطق المعارضة.

وقال الطلاب إن الوضع في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام تشهد "فقرًا جديدًا" يضاف إلى ما يعانيه المواطنون منذ اندلاع الثورة في عام 2011، وأشاروا إلى تكدس الناس في طوابير للحصول على الخبز والوقود، وقال أحدهم أنه جرى حرمانه وأسرته من نصيبهم في الخبز في بعض الأحيان.

تعود أهمية الفيديو إلى أن الشباب الثلاثة ينتمون إلى الطائفة العلوية، وهي طائفة مهمشة تاريخياً ويشكل أفرادها 15% من سكان سوريا البالغ عددهم 17 مليونًا، إلا أنهم كانوا يعدون حجر أساس الموالاة للنظام في الدولة ذات الأغلبية السنية.

ومنذ تولى الرئيس الراحل حافظ الأسد والد بشار السلطة في انقلاب "الحركة التصحيحية" عام 1971* بدعم من زملائه من ضباط الجيش العلويين، ملأت عائلة الأسد أجهزة الأمن والاستخبارات السورية بشكل لا يتناسب مع الوزن النسبي للعلويين بين السكان.

ولم تثر المناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية في اللاذقية وطرطوس ضد الأسد في عام 2011 ، لأسباب كثيرة عدها المحللون مراراً، منها انتماء الرئيس السوري لهذه الطائفة، كذلك كانوا قلقين كأقلية دينية، من الثورة التي سيطر عليها الإسلاميون، الذين يعتبرون العلويين زنادقة.

 فاينانشال تايمز: العلويون يئسوا من الوضع في البلاد تحت وطأة التدهور الاقتصادي، مع عدم وجود حلول في الأفق.

أوضاع اقتصادية 

في 13 نيسان/أبريل الجاري، نشرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية تقريراً للصحافية كلوي كورنيش، قالت فيه إن الأزمة الاقتصادية بدأت في كسر حجر الأساس في دعم الأسد، وهم العلويون الذين يئسوا وفقدوا إيمانهم في استمرار دعمه.

 وأشارت إلى أن الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة تهدد بتدمير ما تبقى من سوريا، بما في ذلك العلويون، الذين يعتمد النظام على رجالهم في الشرطة السرية القوية والقتال في الجيش.

 وقالت الصحيفة إن العلويين، مثل جميع السوريين، يعانون الفقر وانقطاع التيار الكهربائي ونقص العملة وتراجعها والبطالة، ثم تفاقم الانهيار الاقتصادي الناجم عن الحرب بسبب فيروس كورونا والعقوبات الأمريكية والأزمة المالية في لبنان المجاور، والتي تعد شريان الحياة المصرفي لسوريا.

ونقلت عن أحد الطلاب، يبلغ من العمر 22 عاماً، من مدينة اللاذقية الساحلية ذات الأغلبية العلوية، ويكسب حوالي 10 دولارات في الأسبوع من الدروس الخصوصية ويعيش على التحويلات المالية من شقيقه في ألمانيا: "لا أعرف كيف أشرح الوضع المروع الآن". وتابع "أعان الله من ليس عنده من يرسل له مالاً من الخارج".

أليكس سيمون، مدير قسم أبحاث سوريا في شركة سينابس للأبحاث، ومقرها بيروت، يقول إن الاقتصاد، وليس الولاء الطائفي، كان يقف وراء اصطفاف المجتمع العلوي مع عائلة الأسد. تنقل عنه الصحيفة: "هذه العلاقات تتوتر الآن. في المدن ذات الأغلبية العلوية، يشتكون من مظالم محلية، كالكهرباء التي تعمل فقط بضع ساعات في اليوم والنقص الحاد في الوقود، وفشل المسؤولين غير الخاضعين للمساءلة في معالجة نقص الخدمات".

مع ارتفاع التضخم، انخفضت العملة السورية من حوالي 50 ليرة سورية للدولار قبل عام 2011، كي تحوم الآن حول 3500 ليرة بعد التخفيض الحاد الأخير في قيمة العملة، وأصبحت رواتب الجنود والموظفين الحكوميين تساوي جزءاً بسيطًا مما كانت عليه في السابق.

وتشير الصحيفة إلى أن قمع الدولة يجعل العلويين يوافقون على النظام، لافتة إلى أن الخوف يسيطر عليهم بسبب جثث المعتقلين التي تصل إلى ذويهم حاملة آثار تعذيب.

وزادت أسعار المواد الغذائية أكثر من الضعفين في العام الماضي، فيما حذر برنامج الغذاء العالمي أن 60 % من السوريين أي نحو 12.4 مليون شخص، معرضون لخطر الجوع.

غضب من إيران

 في رأي الصحافي السوري مصطفى النعيمي، الباحث المشارك في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، إن الفيديو المنتشر هو انعكاس "لموجة نزوح كبيرة من مناطق النظام تجاه المعارضة، بسبب ارتفاع حالة الرفض للمشروع الايراني، بين أبناء الطائفة العلوية".

 وذكر النعيمي لرصيف22 أن النظام الإيراني كثّف من عملية الدفع بالشباب العلوي في الخطوط الأولى في المواجهات المشتعلة، ما تسبب في مقتل عدد كبير من هذه الطائفة، حتى أصبح عدد الذكور، وهم أقلية أصلاً، في تناقص واضح.

 وقال النعيمي إن العقوبات المفروضة ضمن قانون قيصر الأمريكي، الذي فرض حصاراً شاملاً على النظام السوري، ساعد في خلق هذا الانشقاق من قبل العلويين غير المهتمين بالصراع مع واشنطن. 

 يأتي هذا في الوقت الذي أفادت فيه وسائل الإعلام السورية المعارضة بأن حزب الله اللبناني وضباطًا ايرانيين اعتقلوا ضباطًا علويين، بعد توجيه العديد من التّهم لهم، من بينها العمالةُ والخيانة وتسريب معلومات تتصل بالقوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من قبل إيران إلى جهات معادية.

ظاهرة محدودة

في المقابل، يرى الباحث السوري مالك حافظ أن ظاهرة النزوح نحو مناطق المعارضة لا تزال محدودة، وهي "تمتد لأفراد في الجيش النظامي، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية، وليست جديدة، لكن انتماء الشباب للطائفة العلوية هو ما سلط الضوء عليها".

وأضاف حافظ لرصيف22: "سر الاهتمام بها مفهوم، فهو يندرج ضمن إطار إظهار أن الحاضنة الشعبية للنظام السوري تنكمش، وأن الموالين ضاقوا ذرعاً بالنظام".

وتابع: "أسباب هذه الظاهرة المحدودة هي الأوضاع الاقتصادية السيئة، وفقدان الأمل بأي انفراجة سياسية في سوريا، فلم يعد أمام بعض الشباب إلا الهجرة والهروب والانشقاق".

ولفت إلى أن موقف العلويين لم يتغير بشكل كبير أو ضمن شريحة واسعة منهم، وأن السخط الشعبي على الأحوال المعاشية والتأزم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي موجود لدى السوريين في مختلف مناطق السيطرة والنفوذ، ولدى الموالين والعلويين على السواء بسبب انعدام أي حل ينقذهم من الوضع الحالي، وهم في الوقت ذاته قد لا يعتبرون أن الخروج عن النظام هو الحل الممكن أو الخيار الأنسب.

 باحثون: الاقتصاد، وليس الولاء الطائفي، كان يقف وراء اصطفاف المجتمع العلوي وراء عائلة الأسد.

ورأت الباحثة المختصة في الشأن السوري إليزابيث تسوركوف أن الشباب الثلاثة حاولوا العبور إلى إدلب أملاً في الوصول لاحقًا إلى تركيا، وأنهم لم يلجأوا للسفر مباشرة من مناطق النظام إلى تركيا عبر منطقة كساب، لأن من تم ترحيلهم عبر هذا المعبر اعتقلهم النظام وقضوا سنوات في السجن.

وأشارت في سلسلة تغريدات إلى أنهم تمكنوا من الوصول إلى تركيا عبر إدلب، لكن قبض عليهم حرس الحدود التركي على الحدود وتم ترحيلهم عبر معبر باب الهوى، لأنهم قدموا من أدلب المعارضة.

 وأضافت: "تسيطر هيئة تحرير الشام على معبر باب الهوى. تُظهر بطاقات هوية الشبان أنهم من محافظة طرطوس التي تضم عدداً كبيراً من السكان العلويين. انتهى بهم الأمر في أيدي الهيئة". وترجح الباحثة أن الشبان الثلاثة سجلوا الفيديو تحت الإكراه، "لأنهم لا يعرضون أهلهم هكذا للخطر في طرطوس".

 ونشر فيديو الشباب الثلاثة مركز "السلامة للانشقاق" الذي أسسه شباب معارضون على صلة بهيئة تحرير الشام السلفية المتشددة. وبيّن الفيديو أن هذا المركز يعمل على تأمين هروب الموجودين حاليًا في تشكيلات أو مؤسسات  النظام السوري، أو المناطق الخاضعة لروسيا أو إيران.

 وختمت تسوركوف قائلةً إن هؤلاء الشباب جزء من عدد متزايد من الأشخاص في مناطق النظام الذين يحاولون الفرار من البلاد بسبب انهيار الاقتصاد. مشيرةً إلى أنه يسهل الوصول إلى لبنان، إلا أن الوضع الاقتصادي والأمني غير المستقر هناك يدفع أكثرهم إلى محاولة الوصول إلى تركيا أو حكومة إقليم كردستان.

(*) - ورد في نسخة مبكرة من التقرير أن الرئيس السايق حافظ الأسد تولى السلطة رسمياً 1963، والصحيح أنه صار رئيساً للبلاد رسمياً في 1971.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard