"لقد خدعت الجميع"... عن متلازمة المحتال التي تصيب المشاهير وثلث الشباب

الخميس 15 أبريل 202106:22 م

كتب الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل: "مشكلة العالم أن الحمقى والمتعصبين هم واثقون من أنفسهم دائماً في حين أن الحكماء تملؤهم الشكوك".

ففي حال كنتم تشعرون كأفراد دوماً بأنكم لا تستحقون وظيفتكم وأن إنجازاتكم كلها حدثت بالصدفة وليس بسبب مؤهلاتكم، وفي حال كنتم تعتقدون بأنكم تخدعون الناس بنجاحاتكم وتطاردكم فكرة أن محيطكم سرعان ما سيكتشف احتيالكم، فهذا قد يكون مؤشراً على إصابتكم بمتلازمة المحتال (Imposter Syndrome).

ظاهرة المحتال... حكر على النساء؟

"لقد خدعت الجميع، وسوف يكتشفون ما فعلته"، الشاعرة والكاتبة مايا أنجيلو.

بالرغم من أنها ليست اضطراباً نفسياً معترفاً به بشكل رسمي، إلا أنه تم تقديم متلازمة المحتال ووصفها لأول مرة في العام 1978 من قبل الأخصائيتين في علم النفس، بولين روز كلانس وسوزان إيمز، وذلك في دراسة أُجريت في جامعة ولاية جورجيا الأميركية في العام 1978، بعنوان: "ظاهرة المحتال لدى النساء المتفوقات... الديناميكيات والتدخّل العلاجي".

via GIPHY

وقد اعتبرت كل من كلانس وإيمز، أن هذه المتلازمة التي تنطوي على الاعتقاد الدائم بخداع الآخرين، تصيب النساء الناجحات بشكل خاص، بحيث أنهنّ يقبلن أجوراً أقل ولا يطالبن بحقوقهنّ، بسبب اعتقادهنّ بأنهنّ غير مؤهلات، وقد جاء في الدراسة: "على الرغم من الإنجازات الأكاديمية والمهنية المتميزة، فإن النساء اللواتي يعانين من ظاهرة المحتال يصررن على الاعتقاد بأنهنّ في الحقيقة لسن ذكيات، وقد خدعن أي شخص يعتقد خلاف ذلك".

في حال كنتم تشعرون كأفراد دوماً بأنكم لا تستحقون وظيفتكم وأن إنجازاتكم كلها حدثت بالصدفة وليس بسبب مؤهلاتكم، وفي حال كنتم تعتقدون بأنكم تخدعون الناس بنجاحاتكم وتطاردكم فكرة أن محيطكم سرعان ما سيكتشف احتيالكم، فهذا قد يكون مؤشراً على إصابتكم بمتلازمة المحتال

ولكن في وقت لاحق، أظهرت الأبحاث أن متلازمة المحتال لا تقتصر على النساء، بل يمكن أن تنطبق على أي شخص غير قادر على استيعاب وامتلاك نجاحاته، بحيث ينتابه الشك الدائم بكفاءاته ويفسر نجاحه على أنه مجرد "ضربة حظ".

واللافت أن هذه الظاهرة النفسية شائعة بشكل كبير، إذ تشير التقديرات إلى أن 70% من الأشخاص يعانون من أعراض متلازمة المحتال في مرحلة ما من مراحل حياتهم، فيستيقظون كل يوم ويواجهون الخوف والقلق من أن يتم اكتشافهم كأشخاص مزيّفين وأغبياء.

via GIPHY

هذا وقد اعترف عدد كبير من المشاهير والسياسيين البارزين، على غرار ميشيل أوباما، ميريل ستريب، إيما واتسون والبرت آينشتاين، بأنهم عانوا من متلازمة المحتال، كما كشف استطلاع أجري في العام 2017 أن ثلث جيل الألفية يعاني من هذه المشكلة بسبب الشعور بالخوف في مكان العمل، فيعتقد هؤلاء الشباب بأنهم ليسوا جيدين بما يكفي للقيام بالوظيفة التي تم تعيينهم بها، وأن رئيسهم قد يكتشف ذلك في أي لحظة.

وعليه، يعاني الشخص المصاب بمتلازمة المحتال ببعض الأعراض التي تشمل القلق، الخوف والإحباط، بالإضافة إلى شكّه الدائم في نفسه وتقليل احترام الذات.

لماذا يعاني البعض من هذه المتلازمة؟

لا توجد إجابة واحدة عن الأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بمتلازمة المحتال، بحيث يعتقد بعض الخبراء في الصحة النفسية أن الأمر يتعلق ببعض سمات الشخصية، مثل القلق أو العصابية، بينما يركّز آخرون على الأسرة أو العوامل السلوكية.

هذا وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون لذكريات الطفولة، مثل شعور المرء بأن درجاته لم تكن جيدة بما يكفي لوالديه أو أن أشقاءه تفوقوا عليه، تأثير دائم عليه ووقوعه في وقت لاحق ضحية هذه المتلازمة.

في سياق الحديث عن متلازمة المحتال، اعتبر الأخصائي في علم النفس هاني رستم أن المسألة معقدة ولها علاقة بالشكّ الدائم بالذات وبمدى تقييم الشخص لنفسه ولنجاحاته وقدراته: "يعتبر الشخص المصاب بهذه المتلازمة أن كل ما يحدث معه من أمور إيجابية هو نتيجة التدخل الخارجي، وبالتالي يعتقد دائماً أنه إنسان غير ناجح وأن الإنجازات التي حققها هي بفعل الحظ ونتيجة عوامل خارجية أخرى لا علاقة لها بمؤهلاته الشخصية".

وأوضح رستم أن الشك الدائم بقدراته وبكيانه، يجعل الشخص المصاب بمتلازمة المحتال يعاني وبشكل مرضي من القلق والخوف من أن يتم فضحه من قبل الآخرين ونعته بأنه فاسد وفاشل، ما يلحق الأذى بسمعته: "كل هالخوف والقلق والشغل يلي عم بيعملوا لحتى يخبي ويحمي حالوا من صورتو عند الآخر والحكم عليه إنو شخص فاسد".

هذا وكشف هاني لرصيف22 أن هذه المشكلة قد تعود جذورها لمرحلة الطفولة لناحية تربية الأهل وكيفية تعامل محيطه معه: "منذ صغره، يعتقد الشخص الذي يعاني من متلازمة المحتال أن الآخرين ينظرون إليه على أنه إنسان ناقص ولا يتقبلونه بما يكفي، فيحاول في وقت لاحق تعويض هذا النقص الذي رآه في عيون أهله ومحيطه، من خلال السعي الدائم وراء المثالية لحماية نفسه من نظرة المجتمع له".

في هذا الصدد، وجدت فاليري يونغ، صاحبة كتابThe Secret Thoughts of Successful Women، أنماطاً معيّنة لدى الأشخاص الذين يعانون من متلازمة المحتال:

-الأشخاص المثاليون: لديهم توقعات عالية للغاية عن أنفسهم ويشعرون دوماً بالفشل حتى إن حققوا 99% من أهدافهم، كما أن أي خطأ صغير يجعلهم يتساءلون عن كفاءتهم.

-الخبراء: هم بحاجة إلى معرفة كل معلومة قبل بدء المشروع والبحث باستمرار عن شهادات أو تدريبات جديدة لتحسين مهاراتهم. هؤلاء الأفراد لن يتقدموا مثلاً للحصول على وظيفة إذا وجدوا أنفسهم بأنهم لا يستوفون جميع المعايير، وقد يترددون في التحدث في اجتماعات العمل وطرح أي سؤال لأنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أغبياء لمجرد أنهم لا يعرفون الجواب.

- الشخص العبقري بالفطرة: عندما يضطر العبقري إلى النضال أو العمل الجاد لتحقيق شيء ما، فإنه يعتقد أن هذا يعني أنه ليس جيداً بما يكفي. فهذا الشخص معتاد على الحصول على المهارات بسهولة، وعندما يضطر إلى بذل جهد أكبر، يخبره دماغه حينها أن هذا دليل على أنه محتال.

-الشخص المنفرد: يعتقد هذا الشخص بأنه يتعيّن عليه إنجاز المهام بنفسه، ويعتبر أن طلب المساعدة يعني أنه فاشل أو محتال.

-"سوبرمان" أو "سوبروومن": يعمل هذا النوع من الأشخاص بجدية أكبر من المحيطين به لإثبات أنه ليس محتالاً، فهو يشعر بالحاجة إلى النجاح في جميع جوانب الحياة ويصيبه التوتر عندما لا ينجز شيئاً ما.

كيفية التعامل مع متلازمة المحتال

من أولى الخطوات للتغلب على المشاعر التي ترافق متلازمة المحتال، هي الاعتراف بالأفكار ووضعها في نصابها، إذ إن مجرد ملاحظة هذا الفكر بدلاً من الانخراط فيه يمكن أن يكون مفيداً.

اعترف عدد كبير من المشاهير والسياسيين البارزين، على غرار ميشيل أوباما، ميريل ستريب، إيما واتسون والبرت آينشتاين، بأنهم عانوا من متلازمة المحتال

وفي هذا الصدد، يمكن للأخصائي/ة في علم النفس مساعدة هؤلاء الأفراد على إعادة صياغة التصورات السلبية والتخلي عن هذه الأفكار السيئة عن أنفسهم من خلال تشجيعهم على طرح الأسئلة التالية: "هل طريقة التفكير هذه بنفسي تساعدني أم تؤذيني؟"، "هل أعتقد أنني أستحق الحب كما أنا؟"، "هل يجب أن أكون مثالياً لكي أحظى بإعجاب الآخرين؟"، بالإضافة إلى حثّهم على النظر إلى الإخفاقات على أنها فرص للتعلم.

وعليه، إن كنتم من الأشخاص الذين يعانون من متلازمة المحتال ووجدتم أنفسكم في موقف خارج منطقة راحتكم تماماً، لا تركزوا على الإخفاقات، بل تعاملوا معها على أساس أنها فرص متاحة للتعلم من أخطائكم ولإبراز منظور جديد قد لا يكون موجوداً لدى الآخرين.

ففي نهاية المطاف كل شخص منّا لديه نقاط قوة وسلبيات، والأهم يبقى في كيفية تقدير الذات وعدم جلد أنفسنا لتعويض نقص موجود فقط في تصوراتنا الخاطئة عن ذواتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard