لماذا تعتبر مرحلة منتصف العمر الأخطر على الصحة النفسية؟

الثلاثاء 26 يناير 202105:31 م

كثيرة هي الخفايا التي تكتنف مرحلة منتصف العمر بسبب ندرة الأبحاث والدراسات، ولكن إجمالاً، عند بلوغ هذه المرحلة الحساسة، التي تبدأ من سن الأربعين وتمتد إلى خمسين أو ستين سنة، فإن البعض يشعر بالفراغ الوجودي رغم تحقيق العديد من الإنجازات في الحياة.

وبالتالي، من الملاحظ خلال مرحلة منتصف العمر، أن منظور الشخص المعني يختلف للأشياء والوقائع وكيفية تعامله معها، وكأنه يقوم بتكوين شخصيته من جديد.

انعدام معنى الحياة

في إحدى حلقات البودكاست Philosophy Bites، تحدث الفيلسوف كيران سيتيا، عن الفراغ الوجودي، انطلاقاً من تجربته مع أزمة منتصف العمر.

تنبثق نظرية سيتيا من الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، والذي كان يعتقد أنه إذا أراد المرء الحصول على أشياء معيّنة، فهذا يعني بأنه في حالة عدم امتلاك ما يريد، وهذا أمر مؤلم للغاية، أما في حال لم يكن لديه رغبات، فسيكون بلا هدف، لن يكون لديه ما يفعله وسيكون في هذه الحالة غارقاً في الملل الرهيب. إذن هناك صراع: إما أن يشعر بالملل تماماً، أو تكون لديه رغبات ويريد الحصول على أشياء وعليه أن يتحمل معاناة عدم امتلاكها.

إجمالاً، عند بلوغ هذه المرحلة الحساسة، التي تبدأ من سن الأربعين وتمتد إلى خمسين أو ستين سنة، فإن البعض يشعر بالفراغ الوجودي رغم تحقيق العديد من الإنجازات في الحياة

وعليه، أوضح كيران سيتيا أنه في حال تم إسقاط هذه النظرية على أزمة منتصف العمر، سيكون الأمر كارثياً: "لأنه حتى قبل إتمامها، فإن العملية برمتها هي عملية القضاء ببطء، الواحد تلو الآخر، على مصادر المعنى في حياتكم/نّ. ما تفعلونه الآن هو نوع من العداء للرغبة في الحصول على حياة ذات معنى".

زيادة الاضطرابات النفسية

هناك أبحاث عديدة حول الصحة النفسية والتغيرات الجسدية في سن المراهقة والشيخوخة، ولكنه غالباً ما يتم تجاهل الفترة الفاصلة بينهما، والتي تعرف بأزمة منتصف العمر، بالرغم من أنه يمكن أن تكون أولى علامات أزمة الاكتئاب.

في هذا الصدد، كشفت إحدى الدراسات مؤخراً، أن منتصف العمر هي أسوأ مرحلة عمرية بالنسبة للصحة النفسية.

وجدت الأبحاث التي أجرتها جامعة كوليدج لندن، حول ما يسمى بأزمة منتصف العمر، أن واحداً من كل ستة أشخاص، وواحداً من كل خمسة، من مواليد جيل السبعينات وجيل طفرة الإنجاب، أي المواليد بين 1946 و1965 (baby boomers)، يعانون من اضطرابات نفسية عديدة عند الوصول لسن الخمسين.

وبحسب صحيفة التلغراف البريطانية، فقد عزا الباحثون ذلك إلى الضغط الذي يشعر به هؤلاء الأفراد نتيجة الوصول إلى مناصب عليا، بالإضافة للضغوطات الناجمة عن زيادة المسؤوليات الأسرية، لناحية تربية الأولاد، رعاية الأهل المسنين واختبار التجارب الأولية لتدهور الصحة البدنية.

منتصف العمر هي أسوأ مرحلة عمرية بالنسبة للصحة النفسية

ومع ذلك، اتضح وجود اختلافات كبيرة بين كل جيل لجهة مستويات القلق والاكتئاب، بخاصة مع ما يسمى جيل X، أي أولئك الذين ولدوا في العام 1970، بحيث تبيّن أن هؤلاء كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاعتلال النفسي مقارنة بالآخرين، وذلك بحسب البحث الذي أجراه مركز الدراسات التابع لـ UCL.

وقد أسفر البحث عن النتائج التالية: واحد من كل خمسة أفراد من جيل X يعاني من اضطرابات نفسية، بحلول الوقت الذي يبلغ فيه الأربعينات والخمسينات من العمر، بزيادة 16% في عمر الـ 26، 14% عند الـ 30 و16% في الـ 34.

وكان الباحثون قد انكبوا على متابعة حياة مجموعتين من جيل طفرة المواليد: المجموعة الأولى تضم أشخاصاً ولدوا في العام 1946، في حين أن المجموعة الثانية تشمل أفراداً ولدوا في العام 1958، وتبيّن أن مواليد العام 1958 اختبروا أدنى معدلات في المشاكل النفسية في سن الخمسين (15%)، مقارنة بـ 10% فقط عند سن الـ 23 و8% في الـ 33 من العمر و13% فقط في سن الـ 42، في حين أنه ومن بين أولئك الذين ولدوا في العام 1946، تم تصنيف 19% بأنهم يعانون من اضطرابات نفسية في سن الخمسين.

وتعليقاً على هذه النتائج، قال جورج بلوبيديس، الأستاذ في كلية لندن الجامعية والمشارك في الدراسة: "فترة منتصف العمر تميل لأن تكون (ذروة) الحياة المهنية، حيث يكتسب الأفراد مسؤولية متزايدة بصفتهم صنّاع القرار في المجتمع، مع ما يصاحبها من ضيق في وقت الفراغ، وزيادة الضغط المرتبط بالوظيفة"، مضيفاً بأنه غالباً ما يتم ربط منتصف العمر بالتغييرات التي تطرأ على بنية الأسرة، والتي قد تكون مرتبطة بالصحة النفسية، مثل متلازمة العش الفارغ وارتفاع معدلات الطلاق.

علامات تدهور الصحة النفسية

إليكم/نّ أبرز العلامات التي تشير إلى احتمال التعرض لاضطراب نفسي في منتصف العمر.

تدهور المزاج خلال أسبوعين أو أكثر: من الطبيعي أن يشهد المزاج تقلبات خلال الأسبوع أو حتى أثناء النهار نفسه، ولكن إذا بقي المزاج متدهوراً لمدة أسبوعين أو أكثر، من دون أن يكون هناك أي تحسن ملحوظ، فقد تكون هذه إشارة إلى أن شيئاً ما ليس على ما يرام، بحسب ما أكدته أخصائية علم النفس، ليندا بلير: "إذا وجدتم/نّ أنكم/نّ تمرون/ين لأكثر من أسبوعين دون انقطاع، بالشعور بالوحدة الشديدة وعدم الوضوح، فأنتم/نّ تستحقون/ين بعض الاهتمام".

البكاء: لا شك أن البكاء يختلف من شخص لآخر، ولكن حذرت بلير من أن البكاء الذي يكون خارجاً عن سياقه قد يشكل مصدر قلق وعلامة إنذار: "إذا وجدتم/نّ أنفسكم/نّ تبكون/ين مع حالة من اليأس، فهذه ليست علامة رائعة. هذا تحذير".

زيادة التهيج والغضب: يمكن أن يكون لزيادة التهيج أو الغضب أسباب ومظاهر مختلفة بالنسبة للرجال والنساء على حدّ سواء.

في هذا الصدد، أوضح سايمون شاتوك، المعالج النفسي للأسرة، أنه عندما يعاني الرجال في منتصف العمر من اعتلال الصحة النفسية، فإنهم يكونون أكثر ميلاً للتكتم على الأمور في داخلهم وعدم التحدث بها، مضيفاً بأنهم قد "يصبحون أكثر غضباً، يشربون أكثر وينسحبون من الحياة الأسرية".

أما بالنسبة للنساء، فيمكن أن يسبب انقطاع الطمث بزيادة في انفعالاتهنّ ومعاناتهنّ من أعراض أخرى مرتبطة بالصحة النفسية.

تعليقاً على هذه النقطة، أوضحت الدكتورة لويز نيوسون، مؤسسة تطبيق Balance، المصمم لتزويد النساء بالدعم خلال فترة انقطاع الطمث، أن هرمونات الأستروجين والتستوستيرون الأنثوية مهمة جداً لطريقة عمل أدمغة الإناث، مشيرة إلى أنه عندما تنخفض مستويات هذه الهرمونات خلال فترة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث، فإن العديد من النساء يعانين من أعراض نفسية، مثل انخفاض المزاج، القلق، انخفاض الدافع، التعب، فقدان الذاكرة والتهيج.

وجدت الأبحاث أن واحداً من كل ستة أشخاص، وواحداً من كل خمسة، من مواليد جيل السبعينات وجيل طفرة الإنجاب، أي المواليد بين 1946 و1965 (baby boomers)، يعانون من اضطرابات نفسية عديدة عند الوصول لسن الخمسين

الشعور باليأس: "إذا نظرتم/نّ إلى أنفسكم/نّ في المرآة ولم تجدوا/ن أي شيء تمدحوه/نه في أنفسكم/نّ، فهذا مصدر قلق"، بحسب ليندا بلير.

والواقع، إن الأمل هو أول شيء نحتاجه لإعادتنا إلى المسار الصحيح عندما ينخفض مزاجنا، لذلك إذا كان من الصعب العثور على أي شيء قادر على إعادة بثّ الأمل في داخلنا، فقد نرغب في التفكير في السبب الكامن وراء ذلك.

النسيان: من الطبيعي أن نجد أنفسنا ننسى الكثير من الأمور مع تقدمنا في العمر، ولكن في بعض الحالات، يمكن ربط فقدان الذاكرة بالتوتر، القلق أو الاكتئاب.

في العام 2018، وجد العلماء الأميركيون صلة بين أعراض الاكتئاب والتغيرات في الذاكرة، حيث أظهر أولئك الذين يعانون من أعراض أكبر للاكتئاب أيضاً ذاكرة عرضية أسوأ، من خلال عدم القدرة على تذكر أحداث معينة في الماضي.

مشاكل في النوم: يمكن أن يؤدي الإجهاد إلى شعور الأفراد بالقلق في الليل والعجز عن النوم، الذي يؤدي بدوره إلى تفاقم القلق، إذ إن الحرمان من النوم يحفّز دورة سلبية تشمل الأرق واضطرابات القلق.

وقد كشفت كلية الطب في جامعة هارفرد، أن ما بين 65% إلى 90% من البالغين المصابين باكتئاب شديد يعانون من مشاكل في النوم.

واللافت أنه من الممكن أن تكون أنماط نومنا قد تأثرت بتفشي وباء كورونا أيضاً، بخاصة وأنه يمكن للقيود المستمرة ضد هذا الوباءأن تزيد أو تسبب الشعور باليأس، إذ إنه ليس من قبيل الصدفة أن تكون الأشهر العشرة الماضية قد أثرت سلباً على الصحة النفسية لدى جميع الفئات العمرية، لكن بالنسبة لمن هم في منتصف العمر، قد يكون هناك مزيج فريد من الضغوطات التي تغذي المشكلة: قد تكون هذه الفئة تدرّس أطفالها في المنزل، تحاول الحفاظ على وظائفها وتعاني من القلق بشأن أمنها الوظيفي وصحة الوالدين المسنين... وبسبب جميع هذه الضغوطات، فإن هؤلاء الأفراد قد يفقدون حينها الإحساس بأنفسهم وبشخصيتهم.

هذا وقد يكون من الصعب اكتشاف الأسباب الكامنة وراء تدهور الصحة النفسية في مثل هذا الوقت الصعب، الأمر الذي يعني بأن مشاكل الصحة النفسية قد تمر دون أن يلاحظها أحد، بخاصة بين أولئك الأفراد الذين يقضون كل وقتهم في رعاية الآخرين، بحسب ما أكدته ليندا بلير بقولها: "إنهم يعطون ويعطون ولا يتلقون شيئاً"، مشددة على حقّ المرء بالعثور على مساعدة لتجاوز مشاكل الحياة: "أنتم/نّ تستحقون/ين ذلك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard