مرآتي يا مرآتي... أيهما أجمل الحقيقة أو الخداع

الجمعة 2 أكتوبر 202005:38 م

في قصة بياض الثلج التي وردت لدى الأخوين غريم، تستفسر الساحرة من مرآتها: "من هي أجمل امرأة في الأرض؟" فتجيب المرآة السحرية بأن بياض الثلج هي الأجمل! إن استفسار الساحرة أكثر شهرة من سؤال ماركس: "ما العمل؟"، ونحن من جهتنا سنسأل: ما هذه المرآة التي تكشف الحقيقة؟

يذكر كارلوس فوينتس في كتابه "المرآة الدفينة" (1999)، أن الأزتيك يعتقدون بأن الثعبان المجنّح/ إله الشر، قد أهدى إله الخلق والسلام مرآة. وقد كان الإله قبل ذلك غافلاً عن وجهه! وعندما نظر إلى المرآة، وجد صورته، إلا أنها لم تكن إلا صورة وجه إنسان! ترك الإله عرشه وقال: سأعود في آخر الزمان. هكذا أفقد الثعبان المجنّح الإله ألوهيته، إلا أن الإنسان قد خُلق. تتناص هذه الأسطورة مع المعتقد في الأديان التوحيدية بأن الله خلق الإنسان على صورته.

وليس ببعيد عن ذلك، نجد نرسيس الذي تعلّق بصورته المنعكسة في الماء، وغض بصره عن الوجود، ما أدى إلى موته، كما ذكر أوفيد، شاعر القرن الثامن الميلادي في قصيدته الروائية "مسوخ الكائنات". تؤدي المرآة دورين، الأول يخلق والثاني يميت. تحوّل الميدوسا في الأسطورة الإغريقية من تنظر إليهم وينظرون إليها، إلى حجر، لكن برسيوس استطاع بدرعه الصقيل كالمرآة، أن يبطل مفعول نظرة عينيها بأن نظر إلى صورتها المنعكسة على درعه.

جوهر المرآة هو الانعكاس الذي يمكن الإنسان من النظر إلى ما لايُستطاع النظر إليه، أي "الذات". ولهذا تاق الإنسان للبحث عن مرايا في الطبيعة كالماء والقمر والغيوم

إن الانعكاس، هو جوهر المرآة الذي يمكِّن الإنسان من النظر إلى ما لا يستطاع النظر إليه. ألم يكن مثال أفلاطون عن أن الخارجين من الكهف قادرين على النظر إلى الشمس عبر انعكاسها على سطح الماء. لقد كان الماء الذي خلق منه كل شيء حيّ هو أول مرآة عرفها الإنسان.

وجد علماء الآثار في قبور الأزتيك مرايا، وضِعت كي تساعد الميت في سلوك متاهة دروب الآخرة، فما المانع من أن تساعده على اكتشاف ذاته ووجوده. صنعت المرايا بداية من حجر السبج، البرونز، الرصاص، النحاس، الفضة والذهب ومزيجهما المسمى "الإلكتروم". وفي نهاية هذه السلسلة من الولادات، صنعت المرآة من الرّمل الذي يتبدّل بعد صهره إلى زجاج، وذلك في القرن السادس عشر في البندقية في إيطاليا. يطلى الجانب الخلفي للوح الزجاج بمزيج من الزئبق والفضة، فيصبح لدينا مرآة تختلف عن كل ما سبقها من أنواع المرايا في وضوح انعكاس الصورة، فلأول مرة في التاريخ يرى الإنسان وجهه كما يراه الآخرون، فهل كان الزجّاج هو من صنع المرآة، أم عطش الرمل للانعكاس/ المعنى؟

تعكس المرآة كل ما يتواجد أمامها، فالصورة/ الانعكاس التي ترتسم عليها ليست أصلاً، بل هي تابع لوجود خارجها، فصورتها تنعدم أو توجد تبعاً للأصل، إذن المرآة لا صورة لها، فهل تبحث في الوجود عن وجه لها؟ كل ما يَعكس هو مرآة، أكان ماء أم سراباً، بنياناً، صوتاً وصدى، كتابة، سيرة حياتية، فالمرآة ومجازها بورتريه لهذا الكون.

الطبيعة المرآة الكبرى

تساءل الشاعر الألماني ريلكه في إحدى قصائده عن طبيعة المرآة، وكأنه يضمِّن في استفساره تلك العلاقة الغريبة والجدلية التي عاشها الإنسان مع ما يعكس، أكان مرآة أو شيئاً آخر: "إن أحداً لم يقل أبداً، وعلى وجه اليقين، ما قوام ماهيتكم".

بينما اعتبر المسرحي الإغريقي أريستوفان أن الغيوم مرايا ماسخة تتمثّل فيها الجبال والحيوانات والبشر بأشكال ضخمة ممسوخة، رأى سقراط في الغيوم انعكاساً للطبائع النفسية عند الإنسان

رأى الإنسان في الطبيعة مرايا كثيرة، منها ما يعكس حقاً ومنها توهّم فيها الانعكاس. إن القمر والهواء والماء والغيوم مرايا الزمن القديم. وجد القدماء في القمر مرآة، ولربما أرجعوا ذلك إلى أن أطوار القمر العديدة التي تتماثل مع كثرة الصور المنعكسة في المرآة، فقد قالوا إن وجهاً يرتسم/ ينعكس على سطح القمر، كما ذكر بلوتارخ. كذلك فعلت كتب فارسية وعربية بأن رسمت القمر يتوسّطه وجه. وقد حلّل علماء الفلك هذه الظاهرة التي تعود للغبار المغناطيسي الذي تركته الحمم البركانية القديمة على سطحه، ما يؤدي إلى مناطق بيضاء وأخرى رمادية، فيرى الناس في القمر وجه إنسان، أرنباً، أو امرأة مستلقية.

أوضح أريستوفان بأن الغيوم مرايا ماسخة، تتمثّل فيها الجبال والحيوانات والبشر بأشكال ضخمة ممسوخة، وهذا ما شرحه أفلاطون على لسان سقراط في المحاورات. واعتبر سقراط أن الغيوم تعكس الطبائع النفسية للأشخاص، ولقد أعاد شكسبير ذات الأمر في مسرحيته هاملت، إذ رأى في السحابة محلًّاً لانعكاس نظرة الإنسان وأفكاره.

ذهب أرسطو في كتابه "الآثار العلوية" على أن الهواء يصبح مرآة عندما يكون كثيفاً وصقيلاً، فيعكس الأشياء كما تفعل المياه. واعتبر أبيقور أن الأطياف والأشباح عن طريق قوة الخيال تظهر معلّقة في الهواء وكأن الهواء يعكس خيالات وأفكار الأشخاص. وهذا ما اعتمده بومبوناتزي كتفسير لظهور القديسين ومريم العذراء للمصلين.

يذهب الإنسان إلى محاولة تفسير كلّ ظواهر الكون من حوله، كونه الكائن الواعي الوحيد الذي يهجس بالمعنى، نراه يسقط رؤاه ومعانيه وأحلامه على أي ظاهرة طبيعية. ولأن الانعكاس، سواء كان على سطح الماء أم على الأجرام السماوية، فإنه يحتاج إلى معنى كي يحوزه الإنسان فكرياً، لذلك طفق يخترع معاني لهذه الموجودات، فتصبح الشمس مرآة تعكس نور الإله كما ذهب دانتي، ويصبح درع كالماخوس، وفق ما ذكر المسرحي الإغريقي أرستوفان في مسرحيته "الآرخيين"، مرآة تنبئه بطالع الحرب.

إلا أن أهم مرآة طبيعية غير مصنوعة كانت العين التي رأى فيها أفلاطون مرآة حقيقية، حيث ينعكس وجه المحب في حدقة عين المحبوب، والعكس أيضاً. ومن هذه الرؤية الأفلاطونية جاز القول بأن العين مرآة الروح.

مرآة دينسيوس وكيف هبطت الأرواح من السماء

صنع هيفايستوس، إله الحدادة عند اليونان، مرآة لدينسيوس كما ذكر الفيلسوف برقلس: "فبينما يتأمّل الإله دينسيوس صورته فيها، إذ به يخرج من ذاته وينتشر في جميع المخلوقات المتكثرة المنقسمة". يستخدم أفلوطين مرآة دينسيوس ليشرح كيف كان الهبوط بعد الخطيئة في تاسوعاته: "وما القول في النفوس الإنسانية؟ أنها لترى صورها كما لو كانت منقسمة في مرآة دينسيوس، ومن علٍ تهبط منطلقة إليها". إذن كانت الأرواح في السماء، وبعد الخطيئة انجذبت كلّ نفس إلى صورتها المنعكسة التي تكونت من خطيئتها.

مفهوم المرآة المذكور آنفاً، أخذت به الصوفية العربية لتشرح كيفية الصعود من جديد إلى المحل الأعلى وفق قاعدة المبدأ والمعاد. لكن قبل ذلك لنذكر قول ديوجين عن سقراط الذي كان يدعو الشباب للنظر إلى المرآة، وذلك كي يتبيّنوا ما فيهم من جمال أو نقص، وبالتالي العمل على إصلاح ما في نفوسهم من سوء خلق أو يدعموا ما فيها من حسن أخلاق.

في الصوفية العربية اتخذت المرآة مفاهيم تتعلق بسعي الصوفي لأن يكون هو نفسه مرآة تستحق أن تنعكس فيها أسماء وصفات الخالق

تتأسّس الصوفية العربية على الحديث القدسي "من عرف نفسه، عرف ربه"، وقد حلّل ابن عربي هذا الحديث من حديث قدسي آخر: "كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق". يقول ابن عربي إن الخلق مرآة للخالق ينظر فيها أسماءه وصفاته، لأن رؤية الشي نفسه في نفسه ليست كرؤية الشيء نفسه في شيء آخر كالمرآة له، ونتيجة لذلك يسعى الصوفي لأن يكون مرآة تستحق أن تنعكس فيها أسماء وصفات الخالق.

المرآة: سيرة ذاتية

يذكر لويس ممفورد، بأن اختراع المرآة في البندقية في القرن السادس عشر، سمح للإنسان بأن يرى صورته كما يراها الآخرون. وهذا أدّى وفق تحليله إلى بدء تدوين السّيّر الذاتية من حيث هي صورة للذات الإنسانية، بدواخلها وخوارجها، وصريحها وأسرارها. ولنا أن نتذكّر كتاب مونتاني "المقالات" واعترافات جاك جان رسو، كدليل على بدء تدوين السير الذاتية الذي وضع له روي باسكل جوهراً، يقوم على أن السيرة الذاتية هي خبرة داخلية وخارجية يعيشها صاحب السيرة، وكان كل من مونتاني وروسو قد استخدما المرآة ومجازها في عرض سيرتهما الذاتية. لأن المرآة بما تقدّمه من محاورة بين الشخص وصورته المنعكسة على صفحتها، تكشف من جهة تأثير الزمن على ملامح وجهه، وفي الوقت ذاته تسبر خفايا نفسه العميقة.

كانت الحكمة تصوّر كامرأة تمسك مرآة، تتأمّل فيها ذاتها، وفي الوقت نفسه كانت الخيلاء والغرور تتمثّل بامرأة تحمل مرآة، لكن كانت تشف تحت رأس تلك المرأة جمجمة. كتب شارل بيرو في القرن السابع عشر قصة عن المرآة الفينيسية: كان هناك شخص اسمه أورانت يقوم بصنع البورتريهات، لكن أصابته حوادث مؤسفة أدّت إلى موته. وعندما جاء صديقه إله الحب ووجده قد فقد الحياة، حوّله إلى مرآة. نظر الحبّ إلى وجهه في المرآة، فأعجب جداً بصورته، وهكذا استكمل أورانت عمله عبر عكس وجوه البشر في المرآة، فيتأمّلون فيها ويتمثّلون قول سقراط السابق الذكر.

اعتبر جان جاك روسو أن المرآة بما تقدّمه من محاورة بين الشخص وصورته المنعكسة على صفحتها، تكشف تأثير الزمن على ملامح وجهه، وفي الوقت ذاته تسبر خفايا نفسه العميقة، وبالتالي هي مجاز سيرته الذاتية

عالج أوسكار وايلد المرآة من زاوية أخرى، حيث أن دوريان جراي كان شاباً معجباً جداً بوسامته. وعندما رسم له صديقه لوحة، تمنّى أن تستقبل اللوحة عوامل الزمن بدلاً من وجهه، وحدث أن تحقّقت أمنيته. خبأ دوريان اللوحة وكان كل يوم يطالع وجهه في المرآة حيث يرى نفسه شاباً جميلاً لم تغيّره السنون. إلى أن دخل إلى المخبأ الذي أودع فيه اللوحة التي رسمها صديقه له.

وجد المفاجأة الصادمة بأن رسمه في اللوحة قد نالت منه السنون وعوادي الزمن، فغضب من نفسه وكسر المرآة وطعن اللوحة. في الصباح وجد الخدم رجلاً عجوزاً مطعوناً ملقى على الأرض، تعرفوا فيه على سيدهم ولوحة كأجمل ما يمكن رُسمت له في شبابه. كان دوريان جراي يخدع نفسه، إلا أن لحظة الحقيقة آتية لا ريب فيها.

أدت المرآة دوراً في كشف دواخل الإنسان في عصور النهضة وعملت على تقوية فرادته. وعندما حلّ القرن العشرين كتب المحلّل النفسي جاك لاكان عن مرحلة المرآة في حياة الطفل، وكيف تلعب دوراً كبيراً في نمو شخصيته. وقد سبقه لويس كارول في قصته "أليس في بلاد العجائب" التي تدخل إلى عالم أحلامها من خلال المرآة.

مرآة زوزيما ومرايا العصر الافتراضي

إن هذه المرآة، كما يذكر زوزيما في القرن الثالث ميلادي، مصنوعة من خليط من الذهب والفضة، كانت من صنع الإسكندر ومن خلالها يعرف خفايا البشر. ومن بعده، استخدمت هذه المرآة للتطهير وخاصة في المذاهب الغنوصية، فمن ينظر إليها تكشف عيوبه ويتخلّص منها، ويكاد بعد ذلك أن يصبح روحاً طاهراً.

وكما وجد الإنسان في القمر والغيوم مرايا مجازية، نستطيع أن نجد أن الشاشات التي نعرض حياتنا عليها عبر الميديا من خلال الفيسبوك، التويتر والإنستغرام... تعيد ذات الاستخدامات القديمة للمرآة. كان الفيلسوف أبوليوس من شمال أفريقيا يحمل مرآة صغيرة في جيبه، وقد عيب عليه ذلك لأنه لا يليق بفيلسوف أن يقضي وقته متأملًا في المرآة. هذا الأمر دفع أبوليوس إلى أن يكتب كتاباً يدافع فيه عن نفسه، بأن حمله للمرآة يقوده إلى مساءلة نفسه يومياً عمّا يفعل. وبناء عليه: هل نتأمّل صورتنا الذاتية التي نقدمها للآخرين في تلك الشاشات أم نخادع أنفسنا والآخرين؟

تكشف لنا مرايا شاشات الميديا يومياً كمية كبيرة من الخداع والتنمّر والتحرّش، كانت مخفية في غرف ذواتنا الداخلية المظلمة، وكأن بحث الإنسان عن فرادته الخاصة لا يتأسس إلا بتحطيم فرادة الآخرين

تكشف لنا شاشات الميديا يومياً كمية كبيرة من الخداع والتنمّر والتحرّش، كانت مخفية في غرفة مظلمة كما دوريان جراي في قصة أوسكار وايلد. لذلك نتساءل هل أصبحنا كنرسيس لا نرى غير أنفسنا حتى لو كان الموت ثمناً لذلك؟ لكن هذا النرسيس كما يذكر باسكال كنيار في كتابه "الجنس والفزع" لم يكن يتأمّل حقيقة صورته، بل صدمته الحقيقة التي وجدها في صورته المنعكسة في الماء، فقد اكتشف حقيقة مولده، بأنه كان نتيجة جريمة اغتصاب قام بها النهر بحقّ أمه الساقية.

إن بحث الإنسان عن فرادته الخاصة، لا يجب أن يتأسّس على كسر فرادة الآخرين. لأن الآخر هو الذي نتمرأى ونكتشف ذواتنا به. إن الفلاتر التي نستخدمها لتجميل ذواتنا أمام الآخرين في حين نرتكب في الخفاء التحرّش والتنمّر والخداع لن تصمد عندما ننظر إلى ذواتنا في مرآة المساءلة. وستأتي لحظة الحقيقة عندما نطعن اللوحة ونكسر المرآة كما فعل ريتشارد الثاني في مسرحية شكسبير، صارخاً بالمرآة التي لم تكن تعكس غير نضارة وجهه، وأهملت آلامه وأحزانه الداخلية، بأنها مخادعة كحاشيته أيام الهناء.

سيأتي الزمن الذي سيطالبنا به الخالق/ الكون بأن نظهر مرآتنا كي يتمرأى بها، فهل ستكون صقيلة، واضحة وإنسانية؟ لأن الإله الذي ذكره كارلوس فوينتس سيعود في آخر الزمن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard