فاتورة إفطار المصريين... هل تعبّر أرقام الاستهلاك عن الوضع الاقتصادي؟

الأربعاء 14 أبريل 202104:48 م

وجدت سعاد محمد* نفسها في أزمة مالية مع دخول شهر رمضان، وما يتطلبه من كلفة وأعباء مالية لشراء مواد غذائية أساسية تكفي عائلتها المكونة من أربعة أفراد، وسط ارتفاع حاد في الأسعار عادة ما يتزامن مع رمضان، فضلاً عن قفزات الأسعار التي حدثت جراء التضخم الناجم عن أزمة فيروس كورونا المستجد.

اعتمدت سعاد على إعداد صنفين من الطعام هما " نصف كيلو لحمة أو دجاجتين – ومعكرونة"، بالإضافة إلى "بواقي" طعام. وبالرغم من سعيها لتقليل كلفة مائدة الإفطار هذا العام، فإن هذه الوجبة المتوسطة كلّفتها 200 جنيه، ما جعلها تصرف النظر عن إعداد طبق حلوى أو شرائها من الخارج.

تقول سعاد لرصيف22: "اضطررت لشراء سلع رمضان قبله بأسبوع أو أكثر، لأن الأسعار ترتفع مع بداية الشهر، وقمت بشراء السلع على دفعات. ليس في قدرتي المالية شراء كل السلع دفعة واحدة لأن هذا سيمنعني من تدبير باقي احتياجات المنزل".

اضطرت سعاد إلى شراء بعض السلع التي تحتاج إلى تخزين كالثوم على سبيل المثال بالتقسيط، باتفاق ودي مع البائع فيما يشبه القرض الحسن: "لو دفعت كل الفلوس مش هعرف آكل تاني يوم"، تقول.

سعاد ينطبق عليها الدراسة التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العام والإحصاء – وكالة الإحصاء الرسمية في البلاد- في أكتوبر/تشرين الأول 2020، لقياس أثر فيروس كورونا على حياة الأسر المصرية، والتي أفادت بأن نصف الأسر التي شملتها الدراسة قامت بالاقتراض من الغير للوفاء باحتياجاتها الأساسية من الغذاء.

وقالت الدراسة إن "أهم تصرفين قامت بهما الأسرة المصرية منذ [بداية أزمة] فيروس كورونا لمحاولة تغطية احتياجاتها، هما الاعتماد على أنواع أرخص من الغذاء، وتخفيض نسب الاستهلاك الأسبوعي من اللحوم/ الطيور/ الأسماك".

وهو ما سارت عليه سعاد في تدبير إفطار أول يوم من شهر رمضان، إذ اعتمدت على إعداد صنفين من الطعام هما " نصف كيلو لحمة – دجاجتين – معكرونة"، بالإضافة إلى "بواقي" طعام حسب ما تقول سعاد، وبالرغم من سعيها لتقليل مائدة الإفطار في هذا العام، فإن كلفة هذه الوجبة المتوسطة 200 جنيه، ما جعلها تصرف النظر عن إعداد طبق حلوى أو شرائها من الخارج.

وعزت تقارير حكومية ارتفاع أسعار السلع الغذائية في شهري رمضان الجاري والماضي، إلى التبعات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد. وتوقع مركز التخطيط (وكالة دراسات حكومية تابعة لوزارة الدولة للتخطيط) في دراسة نشرها في مايو/ آيار الماضي زيادة أسعار السلع الغذائية على المستوى المحلي من مايو/أيار 2020 إلى بداية 2021.

دراسة رسمية: "أهم تصرفين قامت بهما الأسرة المصرية منذ [بداية أزمة] فيروس كورونا لمحاولة تغطية احتياجاتها، هما الاعتماد على أنواع أرخص من الغذاء، وتخفيض نسب الاستهلاك الأسبوعي من اللحوم/ الطيور/ الأسماك".

ومع هذا الارتفاع، فإن استهلاك المواطنين في تزايد، حسبما يشير إبراهيم عشماوي، مساعد أول وزير التموين. وفسر عشماوي ذلك بسبب بقاء المواطنين في المنازل، ما أدى إلى زيادة في استهلاك الطعام، إضافة إلى خوف الناس من نقص السلع فعمدوا إلى التخزين.

هل استهلاك المصريين يعبّر عن مستواهم الاقتصادي؟

دائماً ما تشغل فاتورة شهر رمضان تحليلات المحللين الاقتصاديين، وفي تصريح لصحيفة "المصري اليوم" المحلية قال الباحث الاقتصادي علاء حسب الله عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية للصناعات الغذائية، إن المصريين ينفقون قرابة 35 مليار جنيه على الغذاء في شهر رمضان، بمعدل استهلاك ٣٠ مليار رغيف عيش (...) مشيراً إلى أن 35% من إنفاقهم على الغذاء في العام، أي ثلث الفاتورة السنوية.

بالعودة إلى هذه التصريحات، نجد أن استهلاك 30 مليار رغيف خبز في شهر رمضان يعني أن المواطنين يستهلكون مليار رغيف في اليوم، وبالقسمة على 100 مليون هم تعداد الشعب المصري، نجد أن حصة الموطن الواحد 10 أرغفة، وهو ما يتعارض مع إحصائية رسمية نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس/ آب 2019، قال فيها إن متوسط نصيب "الأسرة" يومياً من استهلاك الخبز البلدى المدعم 11.4 رغيف على مستوى الجمهورية، ويبلغ هذا المتوسط 9.6 رغيف فى الحضر مقابل 12.9 رغيف في الريف – أي بمعدل رغيفين للمواطن الواحد طوال اليوم، أي ما يصل نحو ثلثي رغيف على الأكثر في الوجبة الواحدة. ويستهلك المصريون الخبز كعماد لوجباتهم التي تفتقر إلى العناصر الغذائية المشبعة وخاصة في رمضان.

عن هذا، تقول أمنية الحمامي، محللة القطاع الاستهلاكي في بنك نعيم للاستثمار، إن الأرقام الضخمة لمعدلات استهلاك المواطنين لا تعبّر عن قوة الاقتصاد أو تعافيه من تبعات كورونا، وإنما هو "نمط استهلاكي" للمصريين يعبّر عن طبيعة استهلاك المصريين في شهر رمضان بخلاف باقي شهور السنة.

يستهلك المصريون الخبز كعماد لوجباتهم التي تفتقر إلى العناصر الغذائية المشبعة وخاصة في رمضان.

وقالت  الحمامي لرصيف22 إن زيادة الاستهلاك تكون في منتجات معينة مثل الدواجن والألبان والجبن، وهي السلع الأساسية التي يفضل المواطن توافرها على مائدتي الإفطار والسحور، مؤكدة أن ارتفاع الاستهلاك لا يُعد مؤشراً على أي شيء.

وأضافت أن تأقلم المواطنين مع ظروف جائحة كورونا ساعد في زيادة الاستهلاك بشكل أكبر من العام الماضي الذي شهد إغلاقات وفرض حظرًا على المواطنين، متوقعة زيادة سقف الإيرادات لدى شركات التغذية في شهر رمضان الجاري.

ويعزز تصريحات الحمامي تقارير بحوث الإنقاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تشير إلى أن "85% من الأسر المصرية تغيّر عاداتها الغذائية ونمطها الاستهلاكي في شهر رمضان".

وفي كل الأحوال، فإن نمط استهلاك المواطنين ليس في تصاعد مستمر، حسبما يشير ثروت الزيني نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، إذ يبدأ انخفاض استهلاك بعض السلع الأساسية بداية من النصف الثاني من رمضان.

ويشير الزيني إلى أمر آخر، هو أن من أسباب الارتفاع في الاستهلاك: "عادات إخراج الزكاة وموائد الرحمن وشنط رمضان وغيرها من العادات المصرية المرتبطة بالشهر الكريم"، والتي تعتمد فيها الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل التي تريد المشاركة في "التراحم" على توفير سلع غذائية رخيصة متنوعة وأساسية لأسر أقل منها دخلاً في شكل "شنط وكراتين رمضان".

وبين توقعات المحللين وارتفاع الأسعار، لا تجد سعاد سبيلاً سوى الاقتصاد والاكتفاء بتوفير حاجاتها الأساسية، بعدما دمرت تبعات الفيروس خططها في دخول جمعية شهرية -  وهي اتفاق بين مجموعة من الأشخاص على أن يدفع كل منهم مبلغًا معينًا كل شهر، ويحوز واحد منهم إجمالي المبالغ شهرياً – لشراء كسوة المدارس أو العيد، وتعيش على ما تدخره من مصروف البيت، في حال تبقى منه شيء في نهاية الشهر.


(*) – تم تغيير الاسم بناء على طلب المصدر.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard