"شباب محمّد"... تنظيم تونسي خدم النازية ودعم ثورة رشيد عالي الكيلاني

الاثنين 19 أبريل 202110:57 ص

صيف ساخن عاشه العراق عام 1941: المشانق في كل مكان ورموز الثورة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني بين قتيل وسجين... لكن زعيم الثورة رشيد عالي الكيلاني نجح في الخروج من جحيم غريمه نوري السعيد المتحالف مع التاج الإنكليزي، ليتوارى بعيداً ويصل إلى برلين، برفقة حليفه مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، في عزّ حكم الرايخ الألماني الثالث.

كان الكيلاني والحسيني يستعدان لإعادة إطلاق الثورة في عموم بلاد العرب ضد المَلَكيات الموالية لبريطانيا.

منذ صباه، حمل الكيلاني ميولاً تحررية قومية ضد الاحتلال العثماني، وانخرط في العمل السرّي في صفوف التنظيمات السرية العربية المناهضة للعثمانين، وأهّلته دراسته للحقوق ليتولى منصب أوّل وزير للعدل في العراق المستقلّ، بداية من عام 1924، فكان واحداً من أهم النخب التي ساهمت في تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

وبالرغم من وجوده داخل الطبقة الحاكمة، إلا أن نزعته الاستقلالية بقيت متوهجة، في مواجهة نزعة التبعية السياسية التي كان يمثلها رئيس الحكومة نوري السعيد، والذي ربط العراق بالحلف البريطاني لعقود طويلة لم تنتهِ إلا بنهاية العهد الملكي عام 1958.

في بداية عام 1941، ومع احتدام الحرب العالمية الثانية، وبروز مؤشرات على هزيمة دول الحلفاء، استغل الكيلاني ورفاقه المعادون للهيمنة البريطانية الظرف ليعلنوا ثورة وطنية سيطروا من خلالها على الحكم، بعد فرار السعيد ومجموعته الحاكمة وإقالة الوصي على العرش عبد الإله، وقاموا بتطويق القوات البريطانية داخل قواعدها، الأمر الذي اعتبره رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إعلان حرب.

تدخلت بريطانيا بحشد عسكري كبير لإنهاء حكم الكيلاني وإعادة حلفائها إلى السلطة، لخشيتها من فقدان الحليف العراقي لصالح ألمانيا النازية. وكان الكيلاني لا يخفي ميله نحو دول المحور والرايخ الألماني، من منطلق عدائه لبريطانيا.

المدد التونسي

رغم أن ثورة الكيلاني لم تدم إلا ثلاثة أشهر، إلا أن أصداءها وصلت إلى أغلب الدول العربية التي كانت جلها ترزح تحت الاحتلالات المختلفة بين فرنسا وبريطانيا، فيما كانت قطاعات واسعة من نخبها قد بدأت تتعلق بالزعيم النازي أدولف هتلر، باعتباره منقذاً ومخلّصاً.

بدا وضاحاً أن هذه النخب تأثرت بالدعاية التي كان راديو برلين العربي يطلقها، ويترجمها الرحالة العراقي يونس بحري بصوت رخيم وشعارات عاطفية. كما شكلت كتابات وخطب مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني والأمير شكيب أرسلان، الداعمة للنازيين ضد الحلفاء، مصدراً مهماً من مصادر تلقي النخب العربية حينذاك للمعلومات، وأحد دوافعها للاقتناع برجاحة التحالف مع الألمان في مواجهة الإنكليز والفرنسيين.

لكن الألمان لم يكتفوا بأجهزة الدعاية والنخب العربية لنشر أفكارهم، بل نزلوا على الأرض وبدأوا بتشكيل منظمات تعمل لصالحهم، بعضها سرّي وبعضها علني، تحت غطاء ثقافي أو خيري أو ديني.

في هذا السياق، أسس شاب عشريني تونسي يُدعى عبد المجيد بن جدو في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي مع رفاق له جمعية أطلقوا عليها اسم "شباب محمد".

عبد المجيد بن جدو

كانت هذه الجمعية مؤيدة لألمانيا بشكل مطلق، لكن الحزب الحر الدستوري، ممثل الحركة الوطنية التونسية، حينذاك، كان يخشى من أي تنظيمات جديدة تخرج على الساحة العامة، فعمد إلى اختراقها، كما كان يفعل مع بقية التنظيمات الناشطة.

تعلّقت قطاعات واسعة من النخب العربية بالزعيم النازي أدولف هتلر، باعتباره منقذاً ومخلّصاً لبلادهم من الاستعماريْن البريطاني والفرنسي، وتأثرت هذه القطاعات بالدعاية التي كان راديو برلين العربي يطلقها...

ويروي أحمد بن صالح، أحد القيادات الشبابية للحزب في ذلك الوقت، والذي سيصبح رئيساً للحكومة بعد الاستقلال، وقائع ذلك الاختراق الذي نفّذه بنفسه: "كلّفني الدكتور الحبيب ثامر (قيادي في الحزب)، بمسؤولية مقاومة جمعية تكوّنت تحت ستار ديني واسمها ‘شباب محمد’ بأن أدخل ضمنها أنا ومجموعة اختارها من الدستوريين، ولما طلبني في هذه المهمة، فسّر لي كيف أن سياسة ‘شباب محمد’ مغايرة تماماً لسياسة الحزب الحر الدستوري الذي ننتمي إليه... فسياسة الحزب آنذاك هي ضد تأييد ألمانيا النازية، وكانت القيادة العليا للجمعية وقتها مؤلفة خصوصاً من عبد المجيد بن جدو والحاج ناصر (الجزائري) وعندما دخلت في صلبهم، تفطنت إلى أكثر من ذلك، فقد كانت الجمعية عبارة عن مجمع للمخابرات".

أحمد بن صالح

لكن اللافت أكثر في نشاط هذه الجمعية أنها كانت تقوم بعمليات تجنيد واسعة للشباب التونسيين من أجل إرسالهم إلى العراق للمشاركة في الثورة الوطنية التي كان يقودها رشيد عالي الكيلاني بين آذار/ مارس وأيار/ مايو 1941. وأدى هذا النشاط إلى كشف الجمعية وحقيقة توجهاتها لقيادة الحزب الدستوري فأصدر الأخير قراراً بتفكيكها.

ويروي بن صالح في مذكراته التي نشرتها جريدة الشروق التونسية على حلقات قصة التفكيك: "تفطّنا أنها جمعية تستقطب الشباب التونسي قصد تدريبه تدريباً عسكرياً، لإرساله إلى العراق... لضرب الحلفاء وإسناد النازيين (ألمانيا)... فأوكل لي د. الحبيب ثامر، ولعدد من زملائي، أن نفجّرها من الداخل، وهم مجموعة من الدستوريين بينهم الطيب السحباني ومحيي الدين الفليكي (أصله من ليبيا) وزين العابدين الحجري، وقد سمّيته أول مدير للبورصة في تونس حين كنت وزيراً للتخطيط والمالية، ود. محمد القصّاب".

في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، أسس شاب عشريني تونسي يُدعى عبد المجيد بن جدو مع رفاق له جمعية أطلقوا عليها اسم "شباب محمد"، وكانت مؤيدة لألمانيا بشكل مطلق وكانت تقوم بعمليات تجنيد واسعة للشباب لإرسالهم إلى العراق...

ويضيف: "عبد المجيد بن جدّو كما قلت، كان هو القائد الأعلى لهذه الجمعية، وكنت أنا وزير خارجيتها والطيب السحباني هو مدير الإدارة، أي أن له مفاتيح النادي الواقع في منطقة باب العسل بالعاصمة. أعطاني الدكتور ثامر كامل الحرية لأتفاهم معهم (أعضائها)... وحدث أن قرَّرَت الجمعية احتفالية بمناسبة المولد النبوي الشريف، في الطابق الأول لمقهى معروف بباب سويقة تشرف على بطحاء باب سويقة، وكانت الفنانة شافية رشدي تغني من هناك وتحيي حفلاتها من تلك الشرفة بالطابق الأول... وكان كلٌّ من سفير ألمانيا (النازية) وقنصل إيطاليا (الفاشية) ورئيس البلدية شيخ المدينة الشاذلي حيدر، على رأس المدعوين إلى هذه الاحتفالية".

وحتى بعد فشل الثورة الوطنية في العراق، واصلت الجمعية العمل على تجنيد الشباب وتدريبهم، وذلك بعد أن استقر رشيد عالي الكيلاني في برلين وبدأ رفقة الشيخ أمين الحسيني في بث رسائل تحريض على الثورة في كل البلاد العربية من خلال الصحف وراديو برلين العربي.

رشيد عالي الكيلاني

ويتابع بن صالح سرد وقائع الاختراق والتفكيك الطريفة قائلاً: "وقع التحضير للحفل، بأن خصصت محاضرات عن السيرة النبوية... ولكن الليلة السابقة للاحتفالية، حدث وأن نشب حريق في مقرّ الجمعية، فأتت ألسنة النيران على محتويات المكاتب، بما فيها الخطب والمداخلات التي كانت مبرمجة. والحقيقة نحن مَن أضرم النيران في الوثائق الموجودة بالمقر... ومن الغد اجتمعنا صباحاً، لإحياء الذكرى، وقررنا أن نتكلّم وحدنا وبلا خطب معدّة مسبقاً وبلا نصوص مهيأة... وفي الحفل تكلّم عبد المجيد بن جدّو. ثم أعطاني الكلمة فقلت كلاماً عادياً في الأول وبعد أن تيقّنت من وجود عدد غفير من الدستوريين في القاعة، قلت حسب الخطة: أيها الدستوريين، إن جمعية شباب محمد هي جمعية غير مرغوب فيها... وإن نشاطاتها مشبوهة... وما هي إلا دقائق، وبعد أن كشفت كل المستور بخصوص هذه الجمعية، حتى عمّت الفوضى كامل القاعة، وشدّدت مواصلاً كلمتي: سياسة هذه الجمعية ليست سياسة الحزب الحر الدستوري."

لكن الظروف التي جاءت لاحقاً خدمت الجمعية. لم تتفكك حينها. وعندما دخلت القوات الألمانية إلى تونس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1942، عادت الحياة إلى منظمة عبد المجيد بن جدو مرة أخرى.

وهنا، يكشف أحمد بن صالح أن السلطات الجديدة "أعطت الجمعية مقرّاً جديداً في نهح التريبونال، وأجهزة جديدة ومكتبة وقد كُلّفت ثانية من قيادة الحزب بأن أذهب إلى المقر الجديد لأعرف كيف يمكن مهاجمتهم مرّة أخرى، وبمجرّد أن شارفت على باب المقر الجديد، طالعني أحد أعضائها من مفتولي العضلات... كان طويل القامة وبنيته قوية جداً، فما كان منّي إلا أن انقضضت عليه بسرعة فائقة وتمكّنت من عضّه من خصره، فهرب مسرعاً يجري، ولكن ما هي إلا برهة من الزمن حتى هاجمتني مجموعة من عناصر هذه الجمعية، في ساحة رمضان باي... وكان أن نال الجماعة منّي وضربوني بشدة."

الأكثر طرافة من قصة "شباب محمد" هي قصة مؤسسها وقائدها عبد المجيد بن جدو (1918-1994)، صاحب الميول الوطنية العنيفة. كان بن جدو إلى جانب مشاعره الوطنية القوية شاعراً وملحناً.

وبعد نهاية تجربة التنظيم النازي الفاشلة، تفرّغ للعمل الإذاعي ولكتابة الشعر الغنائي وبرع في ذلك. فقد كتب للفنانة التونسية عُلية أغنيتها الوطنية الشهيرة "بني وطني".

وكتب لعبد الحليم حافظ أغنيه "يا مولّعين بالسهر'' التي لحنها بليغ حمدي، وغناها العندليب الأسمر فى ذكرى ميلاد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، عام 1968.

وهكذا، تدور قصائد بن جدو دائماً على فكرة الوطنية التونسية، القريبة من الشوفينية، ويبدو أن ذلك ما جعله يقع يوماً في حب النازية.

الفصل الأخير من قصة "شباب محمد" بدأ مع بداية الهزائم التي لحقت بقوات المحور في تونس، في ربيع عام 1943. بدأت الجمعية التونسية بالتفكك، حالها حال عشرات الجمعيات التي وضعت بيضها في سلال الألمان وراهنت على نصر النازية للخلاص من الاستعمار الفرنسي.

وفي بداية أيار/ مايو 1943، دخلت القوات البريطانية والأمريكية شوارع العاصمة تونس، وشرعت السلطات الاستعمارية الفرنسية في ملاحقة فلول الألمان والتونسيين الذين عملوا معهم ولصالحهم، ولم ينجُ من الحملة الانتقامية حتى أمير تونس، محمد المنصف باي (1881 – 1948) الذي أرغم في 15 أيار/ مايو على التنازل عن العرش بتهمة التعامل مع الألمان ليرحل نحو المنفى ويقضي فيه بقية حياته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard