موت الأحزاب ثمناً لكسر الاحتكار… البرلمان الجزائري يبدأ رحلة التحول

الاثنين 12 أبريل 202107:21 م

اكتمل عدد المُشاركين في الانتخابات التشريعية المُقررة في 12 يُونيو/ حزيران القادم كما اكتمل نصاب المُقاطعين، بما يُوضحُ معالم البرلمان المُنتظر الذي يعتبر الأول من نوعه في حقبة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ووفق ما يظهرُ للعيان، سيشهد مبنى المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان الجزائري)، انضمام قوى غير تقليدية من مُكونات المجتمع المدني، مع تراجع أحزاب النظام السابق أو ما يُعرف بالقوى التقليدية التي كانت تحتكرُ المشهد السياسي طيلة العقدين الماضيين من الزمن، بعد مُقاطعة الأحزاب المحسوبة على التيار الديمقراطي في البلاد للموعد الانتخابي المقبل ودُخول الإسلاميين بصفوف مُتفرقة بعد فشل تجاربهم السابقة في العمل المُشترك.

سُقوط ثقافة الاحتكار

معالم سُقوط ثقافة الاحتكار السياسي التي لازمت البرلمان الجزائري طوال العُشريتين الماضيتين من الزمن وتغير الخارطة السياسة في التشريعيات القادمة، برزت بشكل كبير في مُقاطعة الأحزاب الديمقراطية العملية الانتخابية بمُبرر "عدم توفر المناخ السياسي والظروف الاجتماعي"، ومن بين التشكيلات السياسية التي تبنت هذا الموقف التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المُعارض والذي يعرفُ اختصارًا بـ"الأرسيدي" وحزب العمال اليساري وحزب الاتحاد الديمقراطي (قيد التأسيس) الذي يقوده المُعارض البارز كريم طابو، إضافة إلى الحركة الديمقراطية الاجتماعية وحزب الاتحاد من أجل الرقي والتغيير بقيادة الحُقوقية زُبيدة عسول.


بينما قررت الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي في البلاد خوض معركة التشريعيات، على أمل الحفاظ على موقعها الوسطي في مبنى البرلمان، والواضح أن قوى هذا التيار ستخوض المغامرة الانتخابية مُشتتة على خلاف المواعيد الانتخابية السابقة حيث خاضت السباق الانتخابي بقوائم مُشتركة، ومن الأحزاب التي أعلنت مُشاركتها حركة مجتمع السلم (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد) وحركة البناء الوطني برئاسة عبد القادر بن قرينة أحد المُرشحين للانتخابات الرئاسية التي جرى تنظيمها في ديسمبر/كانون الأول 2019 وجبهة العدالة والتنمية بقيادة عبد الله جاب الله (واحدًا من الوُجوه الإسلامية البارزة في الساحة السياسية).
سيشهد مبنى المجلس الشعبي الوطني انضمام قوى غير تقليدية من مُكونات المجتمع المدني، مع تراجع أحزاب النظام السابق أو ما يُعرف بالقوى التقليدية التي كانت تحتكرُ المشهد السياسي طيلة العقدين الماضيين من الزمن
ومُقابل انسحاب "الديمقراطيين" ودخول الإسلاميين متفرقين، تشهدُ الانتخابات البرلمانية في الجزائر، حُضورًا قويًا للقوائم المُستقلة (الحُرة)، وذلك للمرة الأولى مُنذُ إقرار الانفتاح السياسي في البلاد سنة 1989، إذ تصدر المُستقلون قوائم المرشحين في الولايات (المُحافظات) الـ 58، إضافة إلى المناطق الأربع للجالية الجزائرية المُقيمة بالخارج مُقارنة بالأحزاب التقليدية، إذ تكشفُ أحدث الإحصائيات التي كشفتها السُلطة الوطنية المُستقلة للانتخابات أن 3270 قائمة مُرشحة أعلنت نيتها المُشاركة في السابق الانتخابي، وسحبت استمارات الترشح، بينها 1420 قائمة حزبية تمثل 50 تشكيلة سياسية و1863 قائمة مُستقلة، بينما بلغ عدد المُترشحين 10702.
سياسيًا تذهب بعض القراءات الأولية إلى تراجع واختفاء الوُجوه والأحزاب المحسوبة على المنظومة السياسية التي كانت تحتكرُ المشهد في زمن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، إذ يقول الباحث في الشؤون السياسية مبروك كاهي لرصيف22: "إن المجلس الشعبي الوطني سيشهدُ تغيرًا في الشكل من خلال تراجع الأحزاب التي عرفت لفترة طويلة بأحزاب المُوالاة أو السلطة".

إغراق متعمد

اعتماد السلطة السياسية في البلاد للقوائم الحرة هُو لكسر احتكار بعض الأحزاب لبعض المحافظات (الولايات) في البلاد التي تعرفُ مُشاركة سياسية شبه معدومة يُسيطر عليها حزبين إثنين وهما حزبا جبهة القوى الاشتراكية وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية معروفان باحتكار منطقة القبائل، وهو ما يمنع أي حزب آخر من النشاط فيها، لكن ومع إقرار القوائم الحُرة سيكون كل مواطن له الحق في الترشح، في إشارة منه إلى منطقة القبائل الجزائرية التي تُشكلُ الهاجس الأكبر للسلطة مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، بسبب القطيعة السياسية التي تتشبث بها المنطقة منذُ عقود طويلة بحيث لا تتجاوز نسبة المُشاركة فيها 20 بالمائة.
وبرأي الناشط السياسي محمد حديبي، فإن إغراق المشهد السياسي بقوائم المُستقلين هو إغراق مُتعمد لسببين إثنين يتعلق الأول بإعادة المواطن إلى الحياة السياسية بعد ظاهرة العزوف عن مُمارسة السياسية بسبب الفساد السياسي للأحزاب، أما السبب الثاني فيتمثل في توجيه ضربة قاضية للأحزاب خُصوصًا التقليدية ودفعها للخروج من العمل السياسي من الباب الضيق في إطار تهيئة الأجواء لإعادة ترتيب البيت السياسي في البلاد.
"ما تحاول السُلطة فرضه الآن "شاذ" ولا مثيل له في العالم لأن المُهمة المسنودة للمجتمع المدني في الأصل هي لعب دور الوسيط بين السلطة والشعب باعتباره رافد له أدوار قانونية ومجتمعية والأصل أن التمثيل في المجالس المنتخبة يكون للأحزاب السياسية التي أسست للمشاركة السياسية والتمثيل في المجالس المنتخبة"
ورغم حسنات التغيير في المشهد السياسي وهو ما دعا إليه الجزائريين منذ بدء الحراك الشعبي في البلاد في 22 فبراير/ شباط الماضي، غير أن القوائم المستقلة ستثير جدلية التكوين والمُمارسة الانتخابية، إذ يقول النائب السابق في البرلمان الجزائري محمد حديبي لرصيف22: "سنكون أمام أغلبية برلمانية مُشتتة ودون وحدة تغييرية أو خطاب سياسي مُتجانس أو رؤية سياسية لها قُوة اقتراح وتغيير ومواجهات تحديات الجهاز التنفيذي (الحكومة الجزائرية)، إضافة إلى ضعف تكوينها السياسي نظرًا لحداثة التجربة، وهو ما يُؤهل الجهة الوصية في برمجتها وفق منظور المرحلة التي تُريدها، بينما سيحظى التقليديون بعقاب سياسي نظراً لارتباطهم بمنظومة الحكم السابقة في المشهد السياسية وعدم مسارعتهم في إحداث تغييرات داخلية سواء في الأولويات أو في تجديد معالم الخطاب".


ويبدو أن الباب مفتوح على مصراعيه أمام الشباب والمجتمع المدني، إذ تعهد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بتوفير كل الدعم المادي لتمويلات حملات الشباب المُرشحين في القوائم المُستقلة حتى أنه أمر بتوفير القاعات التي تُنظم فيها التجمعات الانتخابية لصالح القوائم المستقلة للشباب مجانًا، وكذلك التكفل بطبع المُلصقات والإعلانات الدعائية مجانًا لصالحهم، بخلاف القوائم التي ستترشح باسم الأحزاب السياسية.
وفي مُقابل ذلك عزلت المادة 102 من القانون العُضوي للانتخابات الجديد النواب المعمرون وحالت دون ترشحهم مُجددًا، مثل لويزة حنون النائب عن حزب العمال اليساري (تيار يساري) و صديق شهاب النائب عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي (تيار وطني) وناصر حمدادوش النائب عن حركة مجتمع السلم (تيار إسلامي) حيث تنص هذه المادة الخاصة بشروط الترشح، على ألا يكون المترشح قد مارس عهدتين برلمانيتين متتاليتين أو منفصلتين.
يبقى قطاع عريض من الجزائريين غير مهتمين بهذا الجدل، بسبب اتساع الهُوة بينهم والأحزاب التي ظلت تسيطر على المشهد خلال عقدين من الزمن، فهم يحملونها مسؤولية التراجع الاجتماعي والاقتصادي وحتى ملفات الفساد المطروحة على العدالة الجزائرية اليوم
وتندرج هذه الخطوات حسب المُحلل السياسي والإعلامي الجزائري أحسن خلاص، في سياق عزل شخصيات فرضت نفسها في البرلمان طوال سنوات، وتعويضها بالحركة الجمعوية التي تنظر إليها السلطة السياسية في البلاد على أنها قوتها الضاربة، ولهذا يُرجحُ خلاص إمكانية تكرار سيناريو حزب التجمع الوطني الديمقراطي (الحليف الأساسي السابق للحزب الرئاسي)، والذي تأسس على أنقاض تكتل جمعيات من المجتمع المدني بهدف مرافقة الرئيس الجزائري السابق اليمين زروال.
ولم يهضم النائب السابق في البرلمان الجزائري عن حركة مجتمع السلم أحمد صادوق هذه الخُطوات، إذ يقول لرصيف22 إن ما تحاول السُلطة فرضه الآن "شاذ" ولا مثيل له في العالم لأن المُهمة المسنودة للمجتمع المدني في الأصل هي لعب دور الوسيط بين السلطة والشعب باعتباره رافد له أدوار قانونية ومجتمعية والأصل أن التمثيل في المجالس المنتخبة يكون للأحزاب السياسية التي أسست للمشاركة السياسية والتمثيل في المجالس المنتخبة.
وبعيدًا عن القراءات السياسية لتكتيكات الجديدة التي تبنتها السلطة السياسية في البلاد، يبقى قطاع عريض من الجزائريين غير مهتمين بهذا الجدل، بسبب اتساع الهُوة بينهم والأحزاب التي ظلت تسيطر على المشهد خلال عقدين من الزمن، فهم يحملونها مسؤولية التراجع الاجتماعي والاقتصادي وحتى ملفات الفساد المطروحة على العدالة الجزائرية اليوم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard