عودة الطلاب إلى التظاهر في الجزائر... تصعيد جديد للحراك الشعبي

الأربعاء 24 فبراير 202105:34 م

بدخول الطلاب على خط التظاهرات الشعبية في الجزائر، وتنظيمهم لتظاهرة حاشدة الثلاثاء 23 فبراير/ شباط، في الذكرى الثانية للحراك الشعبي، أصبح جلياً أن الموقف في بلد المليون شهيد يزداد سخونة يوماً بعد يوم، وأن كره الثلج المطالبة بالتغيير تكبر شيئاً فشيئاً.

ورغم التضييق الأمني ومحاولة السلطات منع الطلاب من التحرك وتطويقهم من قبل عناصر مكافحة الشغب، استطاعوا الإفلات من الحصار المفروض عليهم وبلوغ ساحة البريد المركزي، في انتصار رمزي يصفه الطلاب بأنه إعلان لعودة حراكهم.

اتساع الهوة بين السلطة والحراك

نجح الحراك الشعبي عام 2019 في إسقاط مشروع الولاية الخامسة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي تولى رئاسة البلاد عقدين من الزمن، قبل أن يتقدم باستقالته إلى المجلس الدستوري في 20 أبريل/ نيسان 2019، وأعقب ذلك الزج بأبرز رموز عهد بوتفليقة في السجون، وهم من عرفوا شعبيًا باسم "العصابة".

لكن الرياح  لم تأتِ بما تشتهي السفن، إذ نجح الجنرال قايد صالح (رئيس أركان الجيش) في بسط سيطرته المطلقة على المشهد السياسي، وبات الآمر الناهي، بعد أن اجتمعت جميع السلطات في قبضته.

تعارضت فلسفة الجنرال صالح مع مطالبات الحراك الشعبي، ففي حين طالب المتظاهرون بتغيير "النظام" وإسقاط العمل بالدستور والمرور إلى مرحلة انتقالية بوجوه جديدة، رفض الرجل فكرة المجلس التأسيسي  للمراحل الانتقالية، مفضلًا تغييراً سلساً للنظام داخل الدستور، وسرعان ما فرض انتخابات رئاسية في  ديسمبر/ كانون الأول 2019 فاز فيها الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يشغل منصب وزير السكن في حكومة بوتفليقة، وهو ما اعتبره المتظاهرون التفافاً على مطالب الحراك الذي نادى بالقطيعة من النظام القديم.

رفض المتظاهرون المسار الذي سطرته السلطة/ الجيش رغما، عن إرادتهم، وخرجوا في تظاهرات عارمة يوم الانتخابات الرئاسية، لتزداد اتساع الهوة بين الحراك والسلطة الحاكمة، ومع تمسك كل طرف بموقفه.

رغم التضييق الأمني ومحاولة السلطات منع الطلاب من التحرك وتطويقهم من قبل عناصر مكافحة الشغب، استطاعوا الإفلات من الحصار المفروض عليهم وبلوغ ساحة البريد المركزي، في انتصار رمزي يصفه الطلاب بأنه إعلان لعودة حراكهم

الرئيس الجديد عبد المجيد تبون أعلن حزمة  من الإصلاحات، ووعد بمحاربة الفساد ووضع خطة لاسترجاع الأموال التي نهبتها "العصابة"، مؤكداً مراراً وتكراراً أن أغلب مطالب الحراك قد تحققت برحيل بوتفليقة، ومحاكمة رموز نظامه، وتعديل الدستور وحل البرلمان، وإطلاق سراح المعتقلين، وإنشاء سلطة مستقلة للانتخابات، وتغيير قانون الانتخابات الذي يحارب المال السياسي ويمنع وصوله لمراكز صنع القرار والمجالس المنتخبة.

وردّ عليه المتظاهرون بأنهم فقدوا الثقة في سلطة يعتبرونها غير شرعية، فهم لا يعترفون بتبون كرئيس لهم لأنهم - كما يقولون في شعاراتهم - لم ينتخبوه ولم يختاروه رئيساً، فمطلبهم الوحيد ظل ثابتاً لا تغيره الأيام " تتنحاو ڨاع " أو فلترحلوا جميعاً.

الخريطة السياسية في الجزائر

ولإدراك طبيعة المواقف السياسية في الجزائر، يجب علينا مبدئياً فهم طبيعة الكتل السياسية في الساحة وأوزانها النسبية، والتي تتكون من لاعب اساسي خفي وهو الجيش، وعدة تيارات سياسية متناحرة، هي:

التيار الوطني

 تمثله أحزاب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، والتي تعد أكبر الأحزاب وأقواها تأثيراً سياسياً وتمثيلاً في المجالس المنتخبة بنسبة تفوق 90 بالمائة، لكن دورها الشعبي تراجع منذ بداية التظاهرات، إذ طالب الجزائريون بحل هذه الأحزاب التي كانت تمثل أهم أركان التحالف الرئاسي، وهو ائتلاف حزبي دعم الرئيس بوتفليقة، رفقة حزبي تجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الوطنية.

التيار اليساري

 يمثله أكبر الأحزاب المعارضة في الجزائر، جبهة القوى الاشتراكية إلى جانب التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمال، وتملك هذه الأحزاب قاعدة شعبية معتبرة من الناقمين والمعارضين للسلطة، لا سيما في منطقة القبائل، وتتهمهم السلطة  بمحاولة سرقة الحراك، وتوجيهه بشعارات ومطالب تخدمها.

التيار الإسلامي

 له وزنه السياسي والشعبي ، وأكبر الأحزاب الإسلامية هو حركة مجتمع سلم، والتي تعد القوة السياسية الثالثة من حيث التمثيل في المجالس المنتخبة، وكانت لوقت طويل تسيطر على الإسلام السياسي، قبل أن تنبثق عنها حركات أخرى، مثل حزب البناء بقيادة رئيسه عبد القادر بن قرينة، الذي أصبح منافساً شرساً لتمثيل الفكر الإخواني في الجزائر.

التيار  الليبرالي/ العلماني

لا يتملك قوة سياسية كبيرة، ولا تمثيلاً في البرلمان، لكنه لا يضيع فرصة للبروز والتموقع ضمن الخريطة السياسية الجديدة، مثل حزب جيل جديد برئاسة جيلالي سفيان وحزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي الذي ترأسه زبيدة عسول، وقد شاركا سابقاً في تكتلات سياسية مناهضة للولاية الرابعة والخامسة للرئيس بوتفليقة، مثل حركة بركات وحركة مواطنة.

المفاجأة كانت بزوغ نجم حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ كعنصر آخر مؤثر في التظاهرات رغم حل النظام هذا الحزب الذي ارتبط اسمه بالعشرية السوداء، لكن المتابع للتظاهرات يدرك أن الحزب لا يزال يملك أنصاراً في الشارع ساهموا في تصعيد وتيرة الاحتجاجات.

تشرذم الحراك واختراقه

فقدُ الشارع الجزائري للثقة في دور الأحزاب السياسية بمختلف تياراتها، نجم عنه بزوغ حراك شعبي بلا كيان منظم ملموس، شارك فيه الجميع ثم فشلوا في تعيين ممثلين عنهم للتفاوض مع السلطة.

وهذا ما يجعله عرضة للاختراق، وهو ما تؤكده حدة حزام، الكاتبة الصحافية ومديرة جريدة الفجر الجزائرية لرصيف22، قائلة: "الحراك ما زال منقسماً على عدة تيارات وظهر هذا منذ أسابيعه الأولى في فبراير/شباط 2019، لكن حالياً بدأ تأثير "حركة رشاد" والتيار الإسلامي، يظهر أكثر على التظاهرات، على حساب التيار الذي يسمى نفسه بالديمقراطي، وحاول التحالف مع الإسلاميين لإسقاط النظام، لكن هذا الأخير احتواه".

لا يبدو المشهد واضحاً بخصوص مستقبل الحراك، فالسلطة ترى أن صفحة التظاهرات لا بد من طيها للالتفات نحو إصلاحات حقيقية ترمم الحالة الاقتصادية والاجتماعية وتوحد الصف الداخلي المشتت في كل الاتجاهات، وفي الأفق تبدو بوادر تعامل أمني صارم مع التظاهرات الشعبية
لكن على الجانب الآخر يرفض الإسلاميون ذلك الطرح الذي تقدمه حدة حزام تماماً،  ويؤكدون في كل لقاءاتهم أن التيار العلماني يسوّق لمثل هذه الأفكار، حتى تخلو له الساحة بشعاراته التي تدعو لفصل الدين عن الدولة، وما يصاحب ذلك من تهميش للعقيدة الاسلامية الراسخة في قلوب الجزائريين.

لهذا عاد الطلاب للشارع

عبد النور آيت سعيد، أحد أبرز وجوه الحراك الطلابي، والذي اعتقل بعد استئناف تظاهرات الطلبة يوم 23 فبراير/ شباط 2021، وقبل اعتقاله كان لرصيف22 حديث معه عن أسباب عودة الطلاب للتظاهر. يقول: "تعديل الدستور وحل البرلمان ما هما سوى إجراءات شكلية تناور بها السلطات الجزائرية لتضليل الرأي العام، ونحن لا نريد ذلك، بل نريد رحيل السلطة الحاكمة جميعاً".

القيادي الطلابي عبد النور آيت- نقلاً عن صفحة الحراك الطلاب الجزائري

المفارقة أن عبد النور وقبل دقائق من اعتقاله كان يحدثنا عن تضييق السلطة على التظاهرات السلمية قائلاً: "السلطة اغتنمت فرصة تعليق الحراك لاعتقال الناشطين السياسيين، الذين سجنوا لعدة شهور دون وجه حق، والعفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس عبد المجيد تبون على مجموعة من معتقلي الرأي ونشطاء الحراك غير كافٍ، بل من واجب السلطة أن تعتذر لهم وترد الاعتبار إليهم.

"الدولة مجبرة على احترام حرية التظاهر" هكذا يستهل الحقوقي عبد الرحمان صالح، حديثه مع رصيف22 قبل أن يضيف: "يجب أن يدرك الرئيس عبد المجيد تبون أن أسوأ أعدائه هم المحيطون به، وأن الدفع به لمصادمة الحراك، واعتقال الداعين له سيكونان مقدمة للخلاص من رئاسته".

ليت تبون يدرك أن العون الوحيد الذي يمكن أن يتلقاه سيكون من الحراك- والحديث ما زال لصالح -  من صدروا لتبون أساطير الأيادي الخارجية، ليسوا أغبياء ولكنهم يودون القضاء على كل شرعيته السياسية،  وكسر هيبته كمقدمة للخلاص منه.

ماذا يحمل الغد للجزائر؟

لا يبدو المشهد واضحاً بخصوص مستقبل الحراك، فالسلطة ترى أن صفحة التظاهرات لا بد من طيها للالتفات نحو إصلاحات حقيقية ترمم الحالة الاقتصادية والاجتماعية وتوحد الصف الداخلي المشتت في كل الاتجاهات، وفي الأفق تبدو بوادر تعامل أمني صارم مع التظاهرات الشعبية، التي تسبب للسلطة الحاكمة في الجزائر وجع رأس ارتاحت منه قرابة عام كامل، في زمن فيروس كورونا، الذي، وإن أثر على الاقتصاد، منحها فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أكثر من عام من تظاهرات متواصلة كل يوم جمعة وثلاثاء.

لذلك لا يستبعد بعض المراقبين إعادة غلق جزئي، وفرض حظر على التجمعات الشعبية لتكون حجة دامغة لإيقاف المسيرات والاحتجاجات في الشارع، بعيداً عن ضغوط منظمات حقوق الإنسان الدولية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard