وأخيراً عشت كأجدادي في بيت طيني أسواني… مغامرة مهندس صعيدي هاوٍ

الثلاثاء 13 أبريل 202106:24 م

(نادرين لما نرجع تاني، لبلاد الجمال رباني، جوه البيت هـ نزرع نخلة

تطرح خير وتعمل ضلة، والعصافير تلقط غلة، في الحوش الكبير والرملة، مشتاقين يا ناس)

هكذا عبر الفنان النوبي الراحل أحمد منيب عن حنينه للبيت النوبي في رائعته "مشتاقين"، لأن البيت للمواطن الأسواني والنوبي لا يعتبر مجرد سكن، بل هو أسلوب حياة، كل شيء بالنسبة له مرتبط بالأرض والنهر والزرع، النخيل تحديداً، وعناصر الطبيعة.

لذلك فإن العمارة الأسوانية والنوبية متفردة بعناصرها الطبيعية البيئية، مع إضافة الألوان الخاصة جداً، الأزرق الأرجواني، الأزرق، الأخضر والأحمر.

بيت يشع بهجة، وحياة، ويريح النفس، ويبث الدفء، سر لا يعرفه سوى أهل أسوان والنوبة.

خمسة وعشرون عاماً قضاها محمد السيد يطارد حلمه في بناء بيته الخاص، يقترب منه خطوة ويبتعد خطوات.

مذ كان طالباً في الثانوية العامة في قريته النائية، رأى ذلك البيت المدهش لناظريه، فاتخذ قراراً في أعمق نقطة في عقله وقلبه وكيانه، "يوماً ما سأبني بيتاً مثل هذا".

بيت الخواجة

كان عمره سبعة عشر عاماً، عندما شاهد محمد السيد نور بالمصادفة في برنامج تلفزيوني اسمه "وقائع مصرية" حلقة عن المعماري المصري الراحل حسن فتحي، جذبته تصميمات المنازل التي يبنيها، والتي سبق أن رأى مثلها في قريته، "الشيخ علي" بمركز إدفو في محافظة أسوان، جنوب مصر، بيت الخواجة كلارك.

يكمل نور القصة لرصيف22: "هو المهندس المعماري الإنجليزي سومرز كلارك، الذي اشتهر بترميم الآثار القبطية، وكان عاشقاً لمصر، وأوصى بدفنه بعد موته في منزله هنا".

وعلى نيلنا الأحباب تمشي

Posted by Mohamed Sayed on Wednesday, 24 March 2021

إنها حكاية مثالية ملهمة لمحمد السيد، وكأنه يعيش في مدينة المهندسين، يضيف: "علمت أيضاً أن من صمم المنزل هو المهندس حسن فتحي عام 1905، وتم بناؤه بالطوب اللبن".

ساق الفضول محمد لدخول المنزل، لمعرفة أسرار جماله الداخلية أيضاً، سمح له مدير البعثة البلجيكية بدخول المنزل، وأعطاه كتيباً يحوي نبذة عن البيت، وصاحبه، وتصاميمه الهندسية.

يقول عن ذلك اليوم: "حينها اتخذت قراراً بدخول كلية الهندسة، بسبب غرامي بالمعمار المصري، لكن ضغوط الأسرة جعلتني أتجه لدراسة الصيدلة، وظل حلمي يراودني، ولم أنس الهندسة والبيت الأسواني الذي أحلم به".

عشق محمد الهندسة، وتعلمها كفن، تماماً مثلما يفعل الروائيون الأطباء، والرسامون الممتهنون للتدريس، وبدأ يسبر أغوار ثقافة البناء في بيئته الأسوانية.

يقول: "يعتمد البناء في العمارة الأسوانية القديمة على تقسيمات ونظريات يجهلها مهندسو الجامعات الحديثة، حيث يقسم البيت إلى أجزاء رئيسية، الحجرات والفسحة خارج المنزل، والمقعد وهو البهو الداخلي، وموقع المكان هو الذي يحدد اتجاهات الإضاءة وفتحات التهوية".

ويتابع: "بالنسبة للقباب فهي لكي يدور فيها الهواء الساخن ويتحول لهواء بارد، مثل تكييف طبيعي، بسبب الفتحات الأربع في جوانبها، والأهم من كل ذلك، كيف تتم عملية بناء الأساسات والحوائط والأسقف، دون استخدام الإسمنت والحديد والطوب الأحمر".

سبع سنوات ظل فيها محمد نور يجمع معلومات عن البناء بالطوب اللبن وبطريقة القباب، قرأ العديد من الكتب والمؤلفات، أغلبها لعبقري المعمار حسن فتحي، ووجد ضالته في القراءة باللغة الإنجليزية، والتواصل مع أشخاص من بلدان عدة لديهم تجارب مماثلة، مثل تجربة إيران في بناء مساكن بيئية بعد زلزال راح ضحيته 40 ألف نسمة في التسعينيات من القرن الماضي.

 أبحث عن تصميم مصري خالص.

وجد نور صعوبة في تنفيذ تلك الأفكار في مصر، يقول: "كنت أبحث عن تصميم مصري خالص، لم أجد مهندساً واحداً يوافقني الرأي في بناء البيت بالطين، جميعهم صعّبوا الأمر، ورفضوا البناء من غير الاعتماد على الأعمدة الخرسانية والحديد المسلح، إلا أنني اكتشفت أنهم يجهلون البناء بالطين، فبدأت بالبحث عن عمال محليين من كبار السن، وذوي الخبرة في البناء القديم، لا يزالون موجودين في قرانا حتى وقت قريب، قبل غزو العمارات والبيوت الخرسانية للقرية، وهدم البيوت القديمة".

"الصنايعية" القدامى

لماذا تبدو بيوت أبناء بناة الأهرامات العظام بهذا الشكل؟ حاول السيد نور أن يجيب عن هذا التساؤل، من خلال خطوات عملية لبناء حمله الخاص، ببيت من طين.

حقق محمد أول خطوة في حلمه عندما عثر على ضالته في "معلمي الصنعة القدامى"، وأولهم الحاج حسين أبو عزام، أحد أقدم معلمي البناء منذ ستينيات القرن الماضي، ويعرف أسرار البناء بالطين والحجر والخشب.

بدأ في صنع الطوب الذي سيبني به البيت عاماً كاملاً، اشتغل العمال في صنع مائة وثلاثين ألف طوبة بالطريقة المصرية القديمة، التي كان يستخدمها أجدادهم.

يتم تخمير الطين بالتبن والماء لمدة أسبوع، ويبدأ العمال في تقطيعها بقوالب خشبية لقطع مستطيلة صغيرة، ويتركونها في الشمس لعدة أيام لتجف تماماً.

كما تدخل أجزاء النخلة في الاستخدامات في البناء بكل المراحل، جذوع النخيل بعد شقها، وتهذيبها تستخدم كدعامات رأسية داخلية للمنازل، ودعامات أفقية للأسقف.

والجريد تقطع أوراقه اليابسة وتدخل في المزيج الذي تصنع منه قوالب الطوب، ومادة اللصق بين القوالب.

في الأساسات يضع الحاج أبو عزام حجر الجرانيت بدون أي إضافة لمواد لاصقة، فقط الماء والملح، ويبدأ في رص الطوب اللبن مستخدماً الطين المخلوط بالقش كمادة بديلة للأسمنت.

وبين كل ثلاثة أمتار من الحوائط يضع عروق الخشب من النخيل بعد شطر ساقها لنصفين، لتعمل بديلاً من الأعمدة في الزوايا وربط الحوائط.

كما يتم وضع الخشب أسفل الشبابيك في منتصف الحائط لتقويتها، وبعدها تبنى القباب للغرف.

ويضيف السيد: "كنت أحلم بمنزل من التراث الأسواني، كان لدي حنين جارف لبيت العائلة القديم التقليدي، بيت يحمل لمسات عصرية، لكنه يحتفظ بعناصره التراثية الأصيلة، واستخدام طرق أجدادنا، التي طبقها حسن فتحي في كتبه، مثل العزل الحراري والصوتي للطين وفتحات التهوية والإضاءة الطبيعيين، وبناء القباب والمشربيات. كانت رحلة شاقة، كل خطوة محسوبة، لكن بالنسبة لآخرين، سخروا مما أقوم به واعتبروني مجنوناً".

"لماذا بيوت أبناء بناة الأهرامات بهذا الشكل؟ اكتشفت أن المهندسين المصريين يجهلون البناء بالطين، ووجود عمّال كبار السن يتقنون تنفيذ هذا الفن الهندسي، سخر الناس مني، واعتبروني مجنوناً"

بعد انتهاء الدكتور محمد من بناء منزله، كان أول المذهولين بالنتيجة هم الذين سخروا منه في البداية، وتمنوا لو كان بإمكانهم بناء بيت مثله، ويستكمل حديثه عن حلم حياته قائلاً: "أتمنى أن تكون هذه التجربة نموذجاً للعودة لطرق البناء القديمة، التي أثبتت أنها صحية أكثر، وتناسب البيئة والجو الحار في بلدنا، وأتمنى أن يحدث تطوير أكثر لها، خصوصاً أن معظم العاملين بهذه الطرق القديمة هم عمال وأسطوات كبار في السن، ومن بعدهم ستندثر هذه المهارات، ولولاهم ما استطعت إنجاز هذا الحلم، منهم الحاج حماد الذي وضع الأساس الجرانيتي بمهارة لم أجد لها مثيلاً، كذلك رجب الشلالي، الشاب الوحيد من بين كل العمال الكبار في السن، صاحب المهارة والخبرات رغم أنه لا يتجاوز الثلاثين، وهو ابن أعظم من بنى القباب في أسوان، الراحل الشلالي، والمعلم رجب الدكاوي ابن السبعين سنة وهو من المعدودين الذين يستطيعون بناء القباب من الطين، وأخيراً الحاج جابر وعمره 60 عاماً، وهو ذو مهارة كبيرة في عمل المحارة بروث الحيوانات والطين، ليمنع التشققات في المحارة والدهان".

خلاف المزايا العديدة التي شعر بها محمد السيد فور انتقاله للعيش في بيته الجديد، تاركاً شقته القديمة الضيقة المحاصرة بالرطوبة، للبراح والبيئة النظيفة، شعر بفارق كبير على مستوى صحته، ومستوى الإزعاج والضوضاء، كذلك درجات الحرارة والرطوبة، ويقول: "بالتجربة والقياس وجدت الفارق في درجات الحرارة بين الداخل والخارج يصل في الدور الثاني إلى 11.5 درجة مئوية، والفارق في درجات الحرارة في الدور الأول يصل إلى 14.5 درجة مئوية، والفارق في درجات الحرارة في بيت كلارك يصل إلى 17 درجة، درجة الرطوبة النسبية في البيت تقريباً ثابتة طوال العام مع ميل الجفاف أكثر نظراً لأن الطين يمتص الزيادة من الرطوبة".

"كان لدي حنين جارف لبيت العائلة القديم التقليدي، بيت يحمل لمسات عصرية، لكنه يحتفظ بعناصره التراثية الأصيلة، واستخدام طرق أجدادنا، التي طبقها حسن فتحي في كتبه، يحوي فتحات التهوية والإضاءة الطبيعيين، وبناء القباب والمشربيات"

ويشير إلى أن أوجه التشابه بين منزله ومنزل كلارك كان في استخدام الطوب اللبن في البناء، واستخدام الطين في المحارة الخارجية، والسقف في الدور الثاني، وتصميم القباب ذات الحنيات الركنية في الدور الثاني، والتي استخدمها كلارك في كل بيته، مع إضافة الأقواس لخلق مساحات كبيرة بين القباب، وحافظ على العزل بين القباب والميول، وعمل "مياذيب" لتصريف مياه الأمطار.

كما أن مساحة المنزل صغيرة نسبياً مقارنة ببيت كلارك، 245 متراً لكل دور، بإجمالي 490 متراً لكل المنزل، وقد طعم محمد منزله بأشغال جميلة بالطوب الأحمر، واستخدم الفرش الأسواني بألوانه المبهجة، والخشب المحلي في إنتاج العناصر الخارجية والداخلية، كنظام المشربيات والواجهات والشبابيك والأبواب والأعمدة والمشكاوات الداخلية وغيرها.

وبالنسبة للتكلفة والفارق بينها وبين البيوت الحديثة، يقول: "لو كان البيت من دور واحد فتكلفة البيت الطيني ستكون أقل من النصف تقريباً، ولو كان دورين اثنين ستقل التكلفة أكثر لصالح البيوت الطينية".

ما لم يكن في حسبان محمد هو أن يتحول منزله إلى مزار سياحي لكل العابرين من أهالي قريته، ولمن يأتي من الزوار من القاهرة أو الأجانب، لقد تحول منزله إلى ما يشبه متحفاً صعيدياً صغيراً، فقد جمع فيه أكثر من مائتي قطعة من التراث الإنساني الصعيدي الذي شارف الانقراض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard