شربوا وسكروا ومارسوا الجنس فأوقفوهم... الأمن والحياة في مطار القاهرة الدولي

الخميس 11 مارس 202105:47 م

عاد تامر، وهو في منتصف الثلاثين، إلى مصر بعد غياب أكثر من 10 سنوات، بطريقة شرعية على عكس الطريقة التي غادر بها قريته في المنوفية إلى إيطاليا، بعد أن باع إرثه من الأرض الزراعية، وهجر الفلاحة التي لم تعد تدر له الربح الكافي، ومن ثم انتقل إلى فرنسا.

كانت لحظة ساحرة مصحوبة بحب الحنين والذكريات إلى والدته، وعمه، وأصدقائه، ولكنه فور مغادرته الطائرة، وعلى بعد عدة خطوات، استقبله أشخاص "غريبو الأطوار".

أشخاص لا يعرف بالضبط ما دورهم، هل هم شرطة أم حمالون أم موظفو مطار.

أزعجت تامر تلك الطريقة التي تحمل غطرسة، لأشخاص لا يعرف بالضبط ما دورهم، هل هم شرطة أم حمالون مساعدون للركاب، أم موظفو مطار. بعد مشادات بسيطة، قال له أحدهم "شوف نفسك"، لم يفهم تامر للوهلة الأولى أنه يطلب منه مالاً، شعر أنها إهانة له، لأنه أمي لا يتقن القراءة والكتابة، ومن أسرة ريفية بسيطة، فما كان منه إلا أن استشاط غضباً، فهدّأ الشخص الغريب من روعه، وقال له بنبرة تحمل سخرية: "رش يا باشا إنت نسيت العربي ولا إيه؟".

انزعج تامر من تلك الطريقة، وقال لهم "أنتم تؤدون هنا وظيفة خدمية"، اعتبرها البعض إهانة لهم، وبعد مشاكسات تمكن من مغادرة المطار، مع إحساس بالانزعاج لا يفارقه.


أثرت تلك اللحظات الأولى لدخول تامر إلى مصر بعد غياب، وشرع يحكي لمعظم الأقارب والأصدقاء ما وقع له، يقول لرصيف22 إن أكثر ما استفزه هو رد فعل الناس "البارد" على هذه السلوكيات، وإن الجميع في مصر يتعاملون، وكأنها ممارسات عادية، وإن طول الغربة أثرت على سلامة تفكيره، وتقديره "المعتدل" للأمور.

على عكس تامر، كان أحد أصدقائي الصحافيين ينتظر "الأسوأ" دائماً فور أول رحلة سفر له في حياته إلى بيروت، جلس مع نشطاء وإعلاميين يعلمونه كيف يتعامل مع ضباط الأمن، وكيف يجيب على الأسئلة التي تخص عمله، ووظيفته، وكان يردد كلمة مقتبسة من جيل الهيبيين: "إذا أردتم أن تعرفوا معنى الحرية سافروا، وتعرضوا لإجراءات ضباط المطار".

بحسب رواية "هيبي" لباولو كويلهو، يصف الروائي طرقاً حاول جيل الهيبيين تبنيها، لأنها تجنبهم دفع تكاليف باهظة، وتشعرهم بالحرية من القبضة البوليسية للأنظمة، بالنسبة لهم فإن الإجراءات الروتينية لضباط المطار لا تعكس فقط الحفاظ على سلامة الركاب، ولكنها أقرب إلى "الطقوس"، التي تذكّر الناس أنكم داخل النظام، وأن سجلاتكم، وأمتعتكم، وحياتكم تحت عين "الأخ الأكبر"، وأن الحرية الموهومة هي حرية نقل البضائع والمنتجات من دولة لأخرى، ولكن تنقل الناس، فعلى حسب طبقتك الاجتماعية، ودولتك، وحسابك البنكي، و"نظافة" سجلك الأمني والجنائي والسياسي.

فزع في الجو

ما لاحظه صديقي الصحافي هو مدى انضباط الناس والتزامهم التعاليم، وانشغالهم اللحظي بكل مراحل إجراءات السفر، لا أحد ينظر حوله، يستكشف البشر والشرطة، يتأمل في معنى ذلك كله، ولا سيما موظفو المطار أنفسهم.

كان هذا حال آية منير، التي ركبت الطائرة بمفردها بعدما سارت في صف طويل من الراكبين للتأكيد على التذكرة والمرور من أمام ضباط التفتيش، وانتظار دورها في الصعود إلى الطائرة، وبعد تعريف قائد الطائرة للرحلة، وفي منتصف الطريق تماماً صارح الطيار الركاب أن هناك عطلاً ما فيها.

تقول منير عن ذلك اليوم، الذي علق بذاكرتها، وهي شابة مصرية عشرينية مقيمة بالبحرين: "ظللنا معلَّقين في الجو لمدة ساعة، وكان الناس حولي في حالة فزع، هناك من أخرج مصحفاً، وكان يقرأ منه ويدعو الله، أما أنا فأخرجت الموبايل، والتقطت لنفسي فيديو، قلت إذا وجده أحد بعد وفاتي، ورآه أهلي، علهم يعرفوا كم كنت أحبهم وألا يغضبوا مني".

كانت بمفردها تبحث عن يد تطمئنها أو تخبرها أن الأمور ستكون بخير وإن كان ذلك كذباً.

بعد ذلك اليوم أصبح الطيران يمثل لها حالة توتر كبير، خاصة إذا كانت بمفردها.

قال له أحدهم "شوف نفسك"، لم يفهم تامر للوهلة الأولى، شعر أنها إهانة له، لأنه أمي لا يتقن القراءة والكتابة، هدّأ الشخص الغريب من روعه، وقال له بنبرة تحمل سخرية: "رش يا باشا"

وصلت الطائرة بسلام، لكن لم يكن هناك سلام داخل آية، التي تعمل مهندسة ديكور، فحالة الهلع ظلت تصاحبها في كل مرة تستقل بها الطائرة بمفردها.

في لقاء نادر للموسيقار محمد عبد الوهاب مع الإعلامية ليلى رستم عام 1966، صرح عن خوفه من الطيران قائلاً: "أنا أخاف من الطيارة، أموت منها، لو شوفتها ما أنامش طول الليل".

سفر بلا عودة

"فلتصحبكم السلامة"، إذا سألت أي شاب مصري حالياً عن أقصى أمنياته فجوابه هو أن يغادر مصر أو يرى جملة التوديع بمطار القاهرة، أو أن يستقل الطائرة في رحلة ذهاب بلا عودة، حلم باب الطائرة يحفز البعض على الخوف لكن يحفز البعض الآخر على الأمنيات.

هناك من يجد نصفه الآخر على متن رحلات طيران مثلما نشرت "سي إن إن" الأمريكية في أحد تقاريرها، ومفاده أن واحداً من كل 50 مسافراً على متن الطائرات كان يكتشف حب حياته في الطائرة، لكن نهال زين لم تكن محظوظة بقدر كافٍ حينما كانت بعمر الـ19 عاماً، واضطرت لاستقلال الطائرة في ليلة 31 كانون الثاني/ يناير من عام 2011، أي بعد قيام الثورة بستة أيام، لم تكن هناك أجواء حب على الإطلاق بل حالة التخوف والهرج والمرج في صالات المطار، فكل جالية كانت تسعى لتخليص مواطنيها من مصر بأي ثمن.


تقول زين لـرصيف22: "كانت المرة الأولى التي أغادر بها مصر، في منتصف الثورة، كنا ذاهبين إلى الكويت، حجزنا تذاكرنا قبل السفر بفترة طويلة، ولم نكن نعرف أنّ الظروف كانت ستتغير، وأن ثورة ستقوم ويتغير الحال، اضطررنا أن نذهب قبل موعد الطائرة بيوم إلى المطار لخوفنا ألَّا نتمكن من اللحاق بطائرتنا بسبب حظر التجول، ونمنا ذلك اليوم في المطار".

خائفة، تمسك بيد أمها كما لو كانت طفلة.

"كان يوماً عجيباً وغريباً"، كما تصفه الشابة الثلاثينية القادمة من محافظة بني سويف الصعيدية، كانت خائفة، تمسك بيد أمها كما لو كانت طفلة، تقول: "كل أفراد الجاليات الأجنبية كانوا موجودين في المطار لأن بلادهم أرسلت لهم طائرات لتعيدهم، هم أناس ذوو أشكال وألوان مختلفة ولهجات عديدة وكثيرة وملابس غريبة".

تلك الحالة من الاستكشاف كان يقطعها من آن لآخر صراخ وتهليل من أفراد إحدى الجاليات، تعمّهم الفرحة حينما تصل طائرتهم لتعيدهم للوطن دون مقابل، أما نهال ووالدتها فاضطرتا للمبيت في ظروف قاسية البرودة في مطار مفتوح، ومعهما طعام ينتهي بمرور الوقت، وساعات انتظار طويلة لتحصلا على الطعام.

تقول زين، التي تعمل معالجة نفسية: "المرة الأولى التي أتفاجئ بها بكل هؤلاء الناس يعيشون معنا على نفس الكوكب ولم أكن أتخيل أن كل هؤلاء يعيشون في مصر، كنت طفلة منبهرة".

"أطير منذ 20 عاماً"

يبلغ عدد المصريين المقيمين في الخارج حوالى تسعة ملايين و470 ألفاً، ينتشر 65% في الدول العربية نحو 6.2 مليون منهم، وفقاً لإحصاء الجهاز المركزي نهاية عام 2016.

بشر أشكال وألون مختلفون في اللغة واللهجات يمرون بمواقف كثيرة يشاهدها حامد عمدة، وهو مضيف جوي يعمل في هذه المهنة منذ 20 عاماً، يعيش حالات متنوعة في كل مرة يصعد بها إلى الطائرة، هو دوماً على موعد مع حكايات جديدة، باستثناء أنه عمل يصفه بالروتيني، لكن لا يخلو من المواقف واللحظات المميزة.

كإحدى المرات التي تلقى فيها خبر وفاة والده حينما كان في السعودية، وكان على وشك النوم بعد وصوله، واضطر إلى المغادرة سريعاً، وحُجزت له أول طائرة مغادرة إلى القاهرة، يقول عن هذا اليوم: "لا أزال أذكر كل التفاصيل ومشاعر الحزن المرتبطة به في ذاكرتي".

ومن الحزن إلى الابتهاج ثمة مواقف مضحكة عديدة يتذكرها المضيف الجوي حامد عمدة المُقيم بالقاهرة، ففي إحدى المرات التي لا ينساها، والتي وصفها أنها متكررة: "كان هناك راكبان، رجل وامرأة لا يعرف أحدهما الآخر، وبعدما شربا وسكرا، مارسا علاقة جنسية بشكل علني على متن الطائرة، وبالطبع أوقفوهما".

العمل مع شعوب مختلفة وأناس مختلفة أعطى مهنة حامد تنوعاً أزاح الملل عنه، لكن هناك أحد المواقف الجديرة بالذكر حينما كان يُطمئن راكبة لديها حالة هلع من الطيران أثناء وجود هزات جوية، فجلس بجوارها، وأمسكت يديه بقوة لدرجة أن أظافرها انغرست في يده، يقول: "لم تكن هي الوحيدة، فهناك ركاب كثر لديهم هلع، ونحاول طمأنتهم أن الطيران أكثر وسائل السفر أماناً".

"طيران آمن"

لا يمثل المطار فقط المرحلة الأولى لعملية الطيران، والإقلاع، والقدوم، وتوديع الأحبة، بل أيضاً ساعات الانتظار الطويلة والمملة والتسوق وإنفاق الكثير من المال وأخذ الهدايا وغيرها، لذلك ينبغي أن يكون تصميم المطار أنيقاً بشكل يمنح الراحة والاسترخاء، ولا يثير الذعر والهلع، خاصة لهؤلاء الذين يخافون من الطيران.

وبنظرة علمية، هناك عناصر ضرورية لا بد أن تتوافر في المطارات، مثل الألوان الواضحة والساطعة كالأبيض والأزرق، والمساحات المفتوحة، والتي تسمح بسهولة التحرك، بفضل الإشارات، التي تسهل حركة الركاب والمسافرين، وتمنع حالة الهلع، والبساطة في التصميم، تقول المهندسة المعمارية شيماء جلال مدرس مساعد بقسم العمارة جامعة العلوم الحديثة والآداب MSA لـرصيف22.

العديد من المسافرين قد تثيرهم أقل العناصر المعمارية، خاصة إذا كانوا في حالة توتر مسبق، كالتأخر على موعد الطائرة أو ربما ممن لا يفضلون الطيران كحل للسفر بين الدول، لذلك، بحسب المعمارية شيماء جلال، ينبغي أن تكون عملية التحرك داخل الفراغات في المطار سهلة، ولا تحتاج العديد من الأسئلة ولا "توهان"، حتى لا تزيد حالة الهلع لدى المسافر، وأن تكون الإشارات في أماكن واضحة، وعلى ارتفاع مناسب للعين، ويسهل قراءتها، وأن تكون الأصوات الإرشادية داخل المطار بصوت قوي، وواضح، ويساعد على الاسترخاء والتنبيه في الوقت نفسه، ولا تثير الذعر.

الألوان الأكثر استخداماً في المطارات، وأحياناً داخل الطائرات نفسها هما الأبيض والأزرق.

قد تكون الألوان الأكثر استخداماً في المطارات، وأحياناً داخل الطائرات نفسها هما الأبيض والأزرق، تقول جلال: "استخدام الألوان الهادئة في التصميم يساعد على الاسترخاء، وتهدئة ضربات القلب، وكل تلك العناصر تساعد المسافر على حالة الاسترخاء، سواءً كان ممن لديهم فوبيا الطيران أو قلق داخل المطار واضطراب من كثرة العناصر المعمارية".

كل تلك الإشارات، بحسب جلال، هي توصيات عامة لكن ليس بالضرورة أن تنفيذها يضمن أن يلغي حالة الهلع والقلق لدى بعض الركاب، لكن قد يضمن للكثيرين حالة سفر أكثر طمأنة واسترخاءً.

ولكن هل يشعر المصريون بالطمأنينة حقاً في هكذا تصميمات، وضخامة، داخل ميناء القاهرة الجوي (وهو مطار دولي يبعد عن وسط العاصمة 22 كيلومتراً شمال شرق، على مساحة 40 مليون متر مربع، وهو بحسب التقديرات ثاني أكبر مطار في إفريقيا من حيث طاقته الاستيعابية، ويعتبر بوابة مصر الجوية)

في إحدى المرات التي لا ينساها، والتي وصفها أنها متكررة: "كان هناك راكبان، رجل وامرأة لا يعرف أحدهما الآخر، وبعدما شربا وسكرا مارسا علاقة جنسية بشكل علني على متن الطائرة، وبالطبع أوقفوهما"

القلق والتوتر، والتيه، هي مشاعر ساورت سامر، (اسم مستعار) وهو إعلامي ثلاثيني يسكن في حي إمبابة بالقاهرة، يقول: "هالني الاتساع، والارتفاعات للمطار، شعرت بالتوتر والتيه، أين علي أن أذهب، وكنت مثل الدمية أتوق إلى أن يسعفني أحدهم بالاتجاه الصحيح".

ويتساءل: "لماذا لا يكون الأمر ببساطة أن تقطع تذكرة باص مثلاً".

فور وصول سامر إلى مطار رفيق الحريري في بيروت، شعر بدفء وحميمية، يقول: "المكان هنا أقل اتساعاً، وأكثر دفئاً، خفتت الرهبة شيئاً فشيئاً".

التوتر، والرهبة، والمهابة شعر بها بطل رواية "قدر الغرف المقبضة" للكاتب عبد الحكيم قاسم، وهو في مبنى محكمة الإسكندرية المهيب.

بحسب الرواية، تعمد حكام مصر منذ العصور السحيقة إلى الآن، بناء محاكم وسجون ومعابد ضخمة الحجم، على النقيض من الغرف المقبضة، والضيقة، التي يسكنون فيها، لإحكام إحساسهم بالسيطرة عليهم.

وجاء في الرواية: "إنها رحلة سكان الأكواخ في كل زمان إلى الحواضر للتملّي من المشاهد الشامخة، بهو الأعمدة في الأقصر، الأهرامات، المعابد، أضرحة الأولياء، قصور الحكام، وقاعات المحاكم، مسَخ انشداهم أمام رسوم القوة الحس بالجمال".

المطار حضر كرمز للحالة الأمنية التي تعيشها مصر في مقال للباحث في الشؤون الأمنية علي الرجال، الذي يعرف المطار بأنه "استيعاب الفكرة الأمنية بالكامل في الإجراءات واللوائح وتقنيات الممارسة، وما يتعلق بها من تكنولوجيا قديمة، وأيضاً حديثة مع الثورة التقنية والرقمية والبيولوجية. المطار يحرر الأمن من أعباء السياسة المباشِرة، ويحرر السياسة من القانون ومن الحاجة إلى شرعية ما لتبرير الإجراءات الأمنية، بينما المدن، عكس المطارات، هي تجسيد للصراع الاجتماعي، للحريات والقمع، لصراع الشرعيات والحق في الوجود".

يتساءل الرجال في مقاله: "هل تحولت مدن مصر إلى مطارات بهذا المفهوم؟".

لم يشعر صديقي بفارق كبير في المطار، عندما غادر مصر للمرة الأولى، وكانت الإجابة: "عادي، زي ما بيحصل في شوارع القاهرة بعد منتصف الليل، كمائن وتفتيشات وسؤال عن سبب مشوارك، وكما يحدث عندما تذهب لسيناء في كمائن الطريق، ينزلك الأمن، ويفتش سيارتك، وأغراضك، ويسألك عن سبب ذهابك إلى دهب أو شرم الشيخ، وفحص بطاقتك في بعض الأحيان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard