معارك النسويّات السودانيّات التي لا ندري عنها شيئاً

الجمعة 9 أبريل 202102:29 م

تعرف النسويات السودانيات أن مسيرتهن في الحصول على حقوقهن، أمر أصعب بكثير من مشاركتهن في اقتلاع نظام الجنرال عمر البشير. وما أدّل على ذلك من تعرض الموكب النسوي، الذي نظمنه للمناداة بهذه الحقوق في قلب العاصمة الخرطوم، لحوادث عديدة تبدأ بالتحرش ولا تنتهي عند محاولات الدهس احتجاجاً على ما يراه البعض "انحلالاً مجتمعياً".

وسيّرت مئات النسوة السودانيات، الخميس، موكباً لحمل  الجهات الرسمية ومتخذي القرار في بلادهن على تمثيلهن في هياكل السلطة المختلفة، ولضمان إزالة التمييز الواقع بحقهن في القوانين المحلية، علاوة على ضمان خلق بيئة آمنة للفتيات من جميع أشكال الاعتداءات والانتهاكات.

يأتي الموكب على بعد أيام من حملة لجلد الفتيات المتبرجات بالسياط بتهمة السفور، ومقتل تلميذة على يد والدها ومن ثم محاولة تصوير الحادثة على أنها انتحار، علاوة على تنامي الخطاب الديني الرافض لاتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد النساء (سيداو)، أو إجراء أية تعديلات على قانون الأحوال الشخصية والإبقاء على قيودٍ من شاكلة رفض تزويج المرأة لنفسها، مع إعطاء ذلك الحق لوليها، فضلاً عن السكوت على السن القانونية للزواج.

قالت الصحافية المشاركة في الموكب، مناهل راضي، لرصيف22 إن تحركات النساء وضغوطهن لأجل اكتساب الحقوق في ثورة كنّ قوامها الرئيس، تجد ممانعةً كبيرةً متوائمة مع المجتمع المحافظ، وأصحاب الفكر الذكوري، والشيوخ التقليديين، والكيانات السياسية التي تعمل على شرعنة القوانين التمييزية.

وأشارت مناهل إلى أن خروجهن في موكب الخميس جاء للمطالبة بأهمية الالتزام بنصوص الوثيقة الدستورية، أي الوثيقة الحاكمة للفترة الانتقالية، القائلة إن السودان دولة قائمة على المواطنة من دون تمييز، ولحمل متخذ القرار على الانضمام للمعاهدات الدولية، ولضمان أمن وسلامة الفتيات في الفضاء العام، ولإصلاح المنظومة العدلية، ولمحاربة الفكر الظلامي الذي يحط من قدر النساء، وفق تعبيرها. وسلّمن مذكرات تحتوي على مطالباتهن، إلى مجلس الوزراء.

نساء يرفضن التحرر

المفارقة أن كثيراً من الاعتراضات على مطالب المساواة تأتي من نساء يعتبرن أن سلوك النسويات الليبراليات المنادي بحقوق المرأة، ينطوي على مصادمة مع الدين وتقاليد المجتمع المحلي.

تقول خديجة عمر  القيادية بالحركة الإسلامية السودانية لرصيف22: "إن الناشطات النسويات يقفن موقف معاداة من الدين الإسلامي الذي يسم المجتمع، ويعشن في غربة عنّا، ويسعين إلى تطبيق نماذج غربية متطرفة تصل إلى حدود إقرار (اللزبنة) بالدعوة إلى إقرار اتفاقية (سيداو). هذا هو سبب رفضهن من قبل المجتمع المحلي".

"تحركات النساء وضغوطهن لأجل اكتساب الحقوق في ثورة كنّ قوامها الرئيس، تجد ممانعةً كبيرةً متوائمة مع المجتمع المحافظ، وأصحاب الفكر الذكوري، والشيوخ التقليديين، والكيانات السياسية التي تعمل على شرعنة القوانين التمييزية"

وتتساءل خديجة عن أسباب بثَّ الناشطات ومشايعيهن لشائعات هدفها هدم الدين بتصوير النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- بأنه مزواج، وله رغبات في الصغيرات، والقول بحثّه على ضرب المرأة، وإرغامها على الاغتصاب الزوجي.

وختمت: "تتبع الدعوات الغربية التي تتلقاها الناشطات النسويات، كافٍ لتفسير سلوكهن العدائي للمجتمع، ولأزيائهن الغريبة، ولقصات شعورهن الشبيهة بقصات شعور الرجال، ولتعاطيهن المنكرات علانية باسم التحرر، ولخطابهن الحاد حتى مع شيوخ الدين الذين هم محل توقير مجتمعي".

استمرار الشيطنة والتشهير

"هناك محاولة لشيطنة النسويات في السودان، تجري منذ عهد المخلوع البشير، وتستمر إلى يومنا هذا بدفع من نفس الآليات والشخوص، حفاظاً على امتيازات موروثة"، هكذا استهلت الناشطة النسوية والمدافعة عن حقوق المرأة، رنا الفاروق حديثها مع رصيف22، مستطردة: "المدرجات التي تضج بالتصفيق لدعاوى قهر النساء وشيطنتهن، إنما تريد استمرار نفس لعبة نظام البشير في تدعيم الفكر الذكوري القائم على الانتقاص من مكانة المرأة، وحشرها في قضايا الزي والسلوك ثم حجبها عن مكاتفة الرجال في الفضاء العام والوظيفة، والأهم المناصب السياسية حيث سن التشريعات والقوانين".

"هناك محاولة لشيطنة النسويات في السودان، تجري منذ عهد المخلوع البشير، وتستمر إلى يومنا هذا بدفع من نفس الآليات والشخوص، حفاظاً على امتيازات موروثة"

أضواء آخر النفق

تقول المحامية وئام نصار لرصيف22، إنه بموازاة الجهود لاقتلاع الحقوق، يجب على النساء الاعتراف بالمكاسب المتحققة في حقبة الثورة.

وتشمل هذه المكاسب –طبقاً لوئام- الإقرار بالظلم الواقع على النساء في حقبة البشير، وإلغاء قانون النظام العام وهو نظام أخلاقي جرى استخدامه لمطاردة النساء، وإلغاء بند لا يسمح لهن بالسفر مع أولادهن لخارج البلاد دون إذن مباشر من الزوج، بالإضافة إلى قيام بطولة نسوية لكرة القدم تجد متابعة كبيرة حتى من الرجال.

وتضيف نصار أن التمثيل السياسي للنساء بات أكثر تأثيراً إذ تشغل المرأة مناصب من شاكلة رئاسة القضاء، ووزارة الخارجية، ووزارة العمل.

وتنوّه بالسند الدائم الذي تجده النساء من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إذ سبق أن رفض قائمة ترشيحات للحكومة، لعدم تمثيل النساء فيها بشكل يليق بمكانتهن في مشهد التغيير الثوري.

وتملك المرأة مقعدين فقط ضمن مقاعد مجلس السيادة الانتقالي الـ14، فيما تحظى بخمس وزارات من ضمن 26 حقيبة، وهو ما يعكس ضعفاً بائناً في تمثيل النساء في مواقع اتخاذ القرار.

في هذا السياق، تُعلق نصار قائلةً إن ذلك ينطوي على ظلم للنساء، ولكن لا يمكن نكران التقدم المحرز في المستوى السياسي بالتمثيل على المستوى الرأسي، عوضاً عن الوجود في مستويات أفقية غير ذات جدوى في اتخاذ القرار.

خطوة صوب العلمانية

يؤسس إعلان المبادئ الموقع أخيراً بين الحكومة الانتقالية، والحركة الشعبية شمال بقيادة الجنرال عبد العزيز الحلو، لوضعٍ جديد. تقول وئام نصار إن إعلان المبادئ يقر العلمانية والمواطنة كأساس للحقوق والواجبات؛ وبالتالي فإن اعتراضات رجال الدين لن تكون ذات أثر حين يتجه السودان للمصادقة على الاتفاقية.

وسبق أن تعهد وزير العدل نصر الدين عبد البارئ مصادقة السودان على جميع المعاهدات والمواثيق الدولية التي تضمن الحريات وتحقق المساواة بين الجنسين.

يمكن القول إن جماعات الضغط النسوية أقوى بكثير من الحركات والأحزاب السياسية. فهذه الجماعات بمثابة أحزاب نسوية قائمة بذاتها، إذ تضم حتى أولئك النسوة الملتزمات بحزب وفكر سياسي معين، ما يعني بداهة أن هذه الجماعات تمارس ضغوطاً على جميع مستويات السلطة لضمان حقوق النساء، بما في ذلك الأحزاب نفسها

الخارطة النسوية

لا يوجد رسم واضح للخارطة النسوية في السودان، ولكن لا يخفى على أحدٍ أن مجموعات الضغط النسوية تلعب دوراً مهماً في إسماع صوت المرأة.

لا يحدث هذا فحسب في سنيّ الثورة، إذ أرغمت تحركات النساء نظام البشير صاحب الشعارات الإسلامية على ابتلاع عدد من قراراته التعسفية ضد النساء، كمنعهن من العمل في بعض المهن، أو رفض عملهن بعد العاشرة مساء بالعاصمة الخرطوم، بموجب قرار قضائي.

وتعد جامعة الأحفاد للبنات أحد أكبر معاقل الحركة النسوية، وتلزم طالباتها في جميع المساقات على تلقي العلوم الإنسانية والجندر، ليتسنى لهن الخروج إلى الواقع.

وللجامعة بحوث معمقة في النسوية تُعنى بالمرأة الريفية، وعمل المرأة، وصك قوانين مناصرة للنساء، ومحاربة عادات زواج القاصرات، ومحاربة الختان ومناهضة الإعلانات والأمثال الشعبية المتحيزة ضد المرأة.

حالياً، تبرز مبادرة "لا لقهر النساء" كأكبر جماعة ضغط تعمل على تنظيم الصف النسوي، وتتبنى قضايا المعنفات، وتناهض عسف السلطة ضدهن، وتقوم بإشاعة الوعي.

ويمكن القول إن جماعات الضغط النسوية أقوى بكثير من الحركات والأحزاب السياسية. فهذه الجماعات بمثابة أحزاب نسوية قائمة بذاتها، إذ تضم حتى أولئك النسوة الملتزمات بحزب وفكر سياسي معين، ما يعني بداهة أن هذه الجماعات تمارس ضغوطاً على جميع مستويات السلطة لضمان حقوق النساء، بما في ذلك الأحزاب نفسها.

برغم كل هذه المشاهد والأحوال، لن ترى في فسيفساء الموكب النسوي سوى توحد النساء حيال قضيتهن، وفي هتافهن الذي ملأ نهارات الخرطوم: "حوش الرجال... يسقط بس/ عنف الرجال.. يسقط بس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard