تاريخ الأزمات العائلية وصراع العروش في الأردن

الثلاثاء 6 أبريل 202103:32 م
Read in English:

Jordan’s Game of Thrones – A History of Familial Crises

انتهت أزمة أولاد الملك حسين بسرعة، بعد إعلان الأمير حمزة انصياعه التام لشقيقه الأكبر، الملك عبد الله الثاني. من يقرأ تاريخ الأسرة الهاشمية يعرف أن أي خلاف بين أفرادها يتم معالجته دوماً بهذه الطريقة الخاطفة، لكي يبقى محصوراً داخل غرف العائلة المغلقة، حتى لو خرج إلى العلن في بداياته، كما حصل مع الملك الحالي وشقيقه.

سوف نتوقف عند بعض هذه المحطات من تاريخ الأردن الحديث، لنجد قاسماً مشتركاً في الطريقة التي تمّت معالجتها، باستثناء حالة واحدة فقط جرت مع الأميرة عزة بنت فيصل، قبل ثمانية عقود ونيّف.

الملك فيصل

الخلاف الأول: بين أبناء الشريف حسين

أولى تلك الخلافات وأشهرها كانت بين أولاد الشريف حسين بن علي، الجد الأكبر للملك عبد الله الثاني، وباني مجد الأسرة الحديث. المعروف أنه، وخلال مراسلات الشريف حسين مع هنري ماكماهون، المندوب السامي البريطاني في مصر، تمّ الاتفاق على تولّي أبنائه الحكم في البلدان العربية التي سيتمّ تحريرها من الحكم العثماني، عند انتصار الثورة العربية الكبرى وتحرير العرب من الحكم العثماني.

انتهت أزمة أولاد الملك حسين بسرعة، بعد إعلان الأمير حمزة انصياعه التام لشقيقه الأكبر، الملك عبد الله الثاني. من يقرأ تاريخ الأسرة الهاشمية يعرف أن أي خلاف بين أفرادها يتم معالجته دوماً بهذه الطريقة الخاطفة

اتفق الطرفان على أن يصبح الشريف حسين ملكاً على العرب ليحكم من مكة، وأن يكون نجله الأكبر، الأمير علي، ولياً للعهد، وأن يصبح الأمير عبد الله ملكاً على العراق، وأن يكون الأمير فيصل ملكاً على سورية.

الإخوة الهاشميون: (من اليسار إلى اليمين)  الملك علي، الملك عبدالله، الملك فيصل

تحقق هذا المشروع بجزئيته عند تولّى الشريف حسين عرش الحجاز ومبايعة فيصل ملكاً على سورية في 8 آذار 1920. ولكنه توقف على أبواب العراق بسبب ثورة مسلّحة ضد الإنكليز (عُرفت بثورة العشرين)، ما أجبر الأمير عبد الله على قبول منصب وزير خارجية في مملكة أبيه، وهو أقل بكثير من طموحه اللا محدود.

ومن ثمّ اصطدم المشروع الهاشمي بطموحات الجمهورية الفرنسية، التي كانت قد أرسلت قواتها العسكرية إلى الساحل السوري تمهيداً لاحتلال البلاد بموجب اتفاقية سايكس بيكو، الموقعة خلال الحرب العالمية الأولى بين الحكومة البريطانية ونظيرتها الفرنسية.

عارض الملك فيصل نظام الانتداب الفرنسي واعتبره تعدياً على مُلكه، فحصلت مواجهة عسكرية بينه وبين الفرنسيين يوم 24 تموز 1920، أدت إلى خلعه عن العرش وفرض الانتداب بقوة السلاح على كامل الأراضي السورية.

ثار الأمير عبد الله غضباً عند سماع تلك الأخبار، وشكل جيشاً من أعوانه لتحرير دمشق واستعادة عرشها المسلوب بالقوة. ولكنّ الهدف كان تنصيب نفسه ملكاً على سورية، بدلاً من شقيقه. وقد أدى هذه الموقف إلى نشوب خلاف بين فيصل وعبد الله، بسبب سعيهم الحصول على نفس العرش وفي ذات المدينة.

أولى الخلافات على العرش وأشهرها كانت بين أولاد الشريف حسين بن علي، الجد الأكبر للملك عبد الله الثاني، وباني مجد الأسرة الحديث. وقع الخلاف بين ولديه فيصل وعبد الله، بسبب سعيهما للحصول على نفس العرش

اتصلت الحكومة البريطانية بالأمير عبد الله وطلبت منه المكوث في مدينة عمّان، وأن يؤسس حكماً في ربوعها لنفسه وأولاده من بعده، وأن ينسى عرش سورية. قَبِل عبد الله العرض، ولكن على مضض، وظلّ يحلم بعرش أكبر، إما في سورية أو في العراق.

وبينما كان عبد الله يرتب بيته الداخلي في عمّان، كان فيصل يجول عواصم أوروبا مطالباً العودة إلى عرشه في سورية. في 9 كانون الأول 1920، عرض عليه البريطانيون فكرة تولّيه عرش العراق ولكنه رفض الفكرة بداية، خوفاً من غضب عبد الله، قائلاً للإنكليز إن شقيقه الأكبر أحق بعرش بغداد.

اتصلت الحكومة البريطانية بالأمير عبد الله وطلبت منه أن يمكث في مدينة عمّان، وأن يؤسس فيها حكماً  لنفسه وأولاده من بعده، وأن ينسى عرش سورية

لم يكن عبد الله راضياً عن إمارته الفقيرة من حيث الموارد، الصغيرة من حيث الحجم. وقد وصفه أحد الضباط البريطانيين بأنه "صقر في قفص كنار، يحلم بدمشق ولكنه يحكم مدينة صغيرة اسمها عمّان". طلب البريطانيون من فيصل التوسط مع أخيه للبقاء في شرق الأردن، ولكن فيصل رد قائلاً إن في الأسرة الهاشمية كبير ولا يمكنه تجاوز مشورته، وهو والدهم الشريف حسين.

أبرق فيصل لأبيه ثلاث مرات خلال الفترة ما بين 7- 16 كانون الثاني 1921، طالباً منه التوسط مع عبد الله لقبول عرش الأدرن والتخلي عن عرش سورية والعراق. وأصرّ فيصل على أنه لن يقبل بعرش العراق إلّا في حال تنازل عبد الله عنه.

الخلاف الثاني: بين عبد الله وطلال

بعد استقراره بالأردن وتحويل الإمارة إلى مملكة سنة 1946، قام الملك عبد الله بتعيين نجله الأمير طلال ولياً للعهد. كُتب الكثير عن هذا الرجل، وقيل إنه كان يُعاني من ضعف في عقله، أو بالأصح مرض السيكتزوفرينيا (فصام). الحقيقة أن عبد الله كان هو سبب تراجع صحة ابنه، لأنه كان أباً جباراً ومتسلطاً ومتطلباً للغاية.

الملك طلال وابنه الملك حسين

الملك المؤسس كان شخصية عسكرية فذّة، ربي في مدن الصحراء وذاق طعم خشونتها. أحب الصيد ولعب الشطرنج واللعب على حافة الهاوية، كما قضى سنوات طويلة في معارك الثورة العربية، التي حولته إلى رجل متين وصلب، لا يهاب المخاطر أو التحديات.

أما طلال فقد عاش طفولته مع الحريم، بعيداً عن أبيه وجميع رجال الأسرة، ما أثر كثيراً على شخصيته. كبُر وصار شاباً هادئاً ولطيفاً، يحب العزلة ويقضى معظم أوقاته في القراءة. كان فتى مسالماً خلوقاً، يبتعد عمداً عن المشاكل ويتهرب من المواجهات.

بعد الاستقرار بالأردن وتحويل الإمارة إلى مملكة سنة 1946، قام الملك عبد الله بتعيين نجله الأمير طلال ولياً للعهد. كُتب الكثير عن هذا الرجل، وقيل إنه كان يُعاني من ضعف في عقله، أو بالأصح مرض السيكتزوفرينيا (فصام)

لم يُطرب الملك عبد الله ما رآه في شخصية ابنه وولي عهده، فقرر تربيته من جديد لكي يصلح لحكم الأردن. أراد طلال الدراسة في جامعة بيروت الأميركية مثلاً، مع نخبة مثقفي الوطن العربي، ولكن عبد الله أرسه بالغضب إلى كلية ساندهيرست العسكرية، جنوب غرب لبنان، ليصنع منه ضابطاً مقاتلاً ومحارباً شرساً.

الملك طلال

ولكن طلال لم يتقبل حياة المدرسة الحربية، ولا خشونة طلابها ومزحهم السمج. ترك الكليّة وعاد إلى عمّان، وكان يريد الزواج من فتاة بسيطة كان يحبها، ولكن والده المتسلّط تدخل مجدداً وأصرّ على زواجه من الشريفة زين بنت جميل بن ناصر، أحد حلفائه في الثورة العربية الكبرى.

الملك عبد الله الأول

وصل حدّ الخلاف بين الأب والابن إلى خروج طلال من قصر العائلة، واستئجاره شقة بسيطة في مدينة عمّان، هرباً من الملك. وقد تدخل عدة أشخاص لطيّ الخلاف سريعاً، قبل أن يخرج إلى الصحف العربية. وما كان من طلال إلا أنه رضخ للأمر الواقع، وعاد للعيش تحت جناح أبيه، محاولاً المستحيل لكسب رضاه، دون نجاح.  

في مذكّراته المنشورة في مصر سنة 1962، يقول الملك طلال إن مؤامرة حيكت ضده لإجباره على التنحّي، وقفت خلفها زوجته الشريفة زين لكي تضمن العرش لابنها

عند مقتل الملك عبد الله في القدس، اعتلى طلال عرش المملكة الأردنية في 20 تموز 1951، ولكنه أُجبر على التنحّي لصالح نجله، الأمير حسين (والد الملك عبد الله الثاني)، في 11 آب 1952. في مذكّراته المنشورة في مصر سنة 1962، يقول الملك طلال إن مؤامرة حيكت ضده لإجباره على التنحّي، وقفت خلفها زوجته الشريفة زين لكي تضمن العرش لابنها.

وقد غادر طلال القصر دون أي مقاومة، وفضّل العيش في فيلا صغيرة في إسطنبول، بدلاً من قصور أسرته في عمّان. ولكنه لم يُدل بتصريح واحد ضد العهد الجديد، ورفض أن ينتقد الملك حسين في مجلسه، وحافظ على ولائه للملك حتى وفاته عام 1972.

الخلاف الثالث: ثورة الأميرة وعزة

 الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة كان في قصة الأمير عزة، كبرى بنات الملك فيصل الأول. جريمتها لم تكن انقلاباً عسكرياً أو تمرداً سياسياً بل عائلياً، حيث هربت من قصر عائلتها في بغداد للاتحاق بحبيبها اليوناني في أوروبا، في أكبر فضيحة عرفتها الأسرة الهاشمية.

الملك حسين

كان الحبيب "أنستاس" يعمل نادلاً في إحدى مطاعم جزيرة رودس، وبعد وصول عزة إليه وزواجه منها، أقنعها باعتناق الأرثوذوكسية المسيحية، وتغير اسمها إلى "أنستاسيا" تيمّناً ببنت قيصر روسيا نقولا الثاني، التي كانت الإشاعات في أوروبا تقول إنها ما زالت على قيد الحياة، ولم تقتل مع أفراد أسرتها سنة 1917.

جريمة الأمير عزة، كبرى بنات الملك فيصل الأول، لم تكن انقلاباً عسكرياً أو تمرداً سياسياً بل عائليًّا، حيث هربت من قصر عائلتها في بغداد للاتحاق بحبيبها اليوناني في أوروبا، في أكبر فضيحة عرفتها الأسرة الهاشمية

وافقت عزة على كل هذا وتركت رسالة لعائلتها تبلغهم بثورتها عليهم وعلى دينهم، ما أدى إلى تبرؤ جميع أفراد الأسرة منها، ومنعها من العودة إلى بغداد بعد تجريدها من لقبها الملكي. ولكن الزواج الثوري لم يدوّن وانفصل أنستاس عن أنستاسيا بعد أخذ كل أموالها ومصاغها، فعاشت فقيرة ومُعدمة في أوروبا، حتى صفح عنها عمّها الملك عبد الله الأول، وأعادها إلى العيش في القدس ثم عمّان، حتى وفاتها سنة 1960.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard