إيقاف "الشراكة والإنقاذ" يستعيد ذاكرة "الأحكام العرفية" في الأردن

الثلاثاء 9 مارس 202101:00 م

يواجه الشارع الأردني مخاضًا سياسيًا عسيرًا مع تفعيل قانون الدفاع وفي ظل أحداث سياسية غير مسبوقة، كان آخرها طلب الحكومة من محكمة قضائية حلّ حزب الشراكة والإنقاذ الجديد.

التوجه الحكومي جاء بعد تأخر الحزب عن تلبية بعض الطلبات الإجرائية للجنة شؤون الأحزاب، التابعة لوزارة الشؤون السياسية، وتبعها قرار قضائي صادر عن محكمة استئناف عمّان، الخميس الفائت، يطالب بوقف الحزب عن العمل إلى أن يتم النظر في الدعوى المقامة على الحزب من قبل لجنة شؤون الأحزاب. 

القرار القضائي شكّل "صدمة بالغة" لكوادر الحزب، كما جاء على لسان الناطق الإعلامي للحزب، خالد حسنين، مؤكدًا "امتثالهم لقرار المحكمة، ووقف كافة نشاطات الحزب حتى صدور القرار النهائي"، ومعربًا عن حزن الحزب على "المستوى الذي انحدرت إليه الحياة السياسية في وطننا العزيز".

مخالفات إجرائية

وأحالت لجنة شؤون الأحزاب (حكومية) ملف الحزب إلى القضاء، وفقًا للمادة (34) من قانون الأحزاب الأردني، التي تنص على أن: "في حالة مخالفة الحزب أي حكم من أحكام هذا القانون ولم يقم بتصويب المخالفة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إشعار اللجنة له بذلك"، بحسب ما تحدث به رئيس لجنة شؤون الأحزاب، الأمين العام لوزارة الشؤون السياسية، علي الخوالدة.
جاءت إحالة الحزب للقضاء، بعد وجود ست مخالفات قانونية أبرزها التأخر في تقديم ميزانية الحزب، وعقد إيجار مصدق، واختلاف تواقيع ستة أشخاص منتسبين للحزب في المؤتمر التأسيسي، كما يقول محامي الدفاع عن الحزب محمد المجالي لرصيف22، إلا أن تلك المخالفات "إجرائية وإدارية"، ولا ترقى لمرحلة حلّ الحزب، بحسب الدستور.

جذور الأزمة 

تأسس حزب الشراكة والإنقاذ عام 2017 وضم قيادات من حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة إخوان الأردن، إثر خلافات فكرية بين ما يطلق عليهم تيار الحمائم وقيادة الإخوان آنذاك، إذ طرح المراقب العام الأسبق لجماعة إخوان الأردن، سالم الفلاحات، مبادرة حملت أسم (الشراكة والإنقاذ) في سبتمبر/ أيلول 2015، بهدف حل الأزمات الداخلية التي تعيشها الجماعة، غير أنها فشلت، مما دعاه للتوجه نحو تأسيس الحزب الجديد.
وانطلق الحزب في برنامج وطني دون وجود مرجعية أيديولوجية تضم خليطًا سياسيًا مختلفًا مشكلة شراكة بين جميع مكونات المجتمع الأردني، وقاطع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وكان وحيدًا في قرار بين الأحزاب، إضافة لوقوفه مع مجلس نقابة المعلمين في أزمتهم الطويلة مع الحكومة. يرى بعض أعضاء في الحزب أن الحكومة تعاقبهم على الأداء السياسي الذي قدمه الحزب خلال فترة بسيطة، "الحزب الناشئ قدم سلوكًا سياسيًا مختلفًا عما هو موجود في الساحة الحزبية الأردنية"، يقول الناطق الإعلامي للحزب، خالد حسنين لرصيف22. ويضيف: "قاطعنا الانتخابات النيابية الأخيرة بسبب الهجمة الشرسة على الحريات العامة، وحل نقابة المعلمين الأردنيين واعتقال مجلسها، واستمرار تفعيل قانون الدفاع".
"الحزب الناشئ قدم سلوكًا سياسيًا مختلفًا عما هو موجود في الساحة الحزبية الأردنية، قاطعنا الانتخابات النيابية الأخيرة بسبب الهجمة الشرسة على الحريات العامة، وحل نقابة المعلمين الأردنيين واعتقال مجلسها، واستمرار تفعيل قانون الدفاع"

ويتابع حسنين: "الحزب انخرط في الشأن العام الأردني، فوقفنا مع نقابة المعلمين، بعد حلَها وتوقيف مجلس نقابتهم، كما أننا الأقرب للحراك  الشعبي الموجود في الشارع، ونؤيد بعض أطروحات الحراك السياسي"، ملخصًا الأزمة بأن "ظاهرها قانوني ودافعها سياسي".

"القرار قانوني وليس سياسي، وهناك سوابق لأحزاب أردنية حصل معها نفس الشيء"، هكذا يرد  رئيس لجنة شؤون الأحزاب علي الخوالدة على حديث الحزب عبر رصيف22، خاصة بعد تقديم المهلة القانونية للحزب (30 يومًا)، بيد أن محامي الحزب يشكك في جميع المراسلات التي وردت للحزب واصفًا إياها بـ"غير القانونية"، ولا يترتب عليها أي أثر كونها صدرت إما عن الوزارة وليس عن لجنة شؤون الأحزاب وإما لم يتبلغها الحزب بشكل أصولي حسب متطلبات المادة 31 من قانون الأحزاب.

حملة تضامنية

بالتزامن مع قرار وقف نشاط الحزب، انطلقت عاصفة إلكترونية أردنية عبر منصات التواصل الإجتماعي، للتضامن مع الحزب، وأعلنت بعض الأحزاب المعارضة فتح مقارّها أمام كوادر حزب الشراكة والإنقاذ.
وتصدّر وسم #متضامن_مع_حزب_الشراكة  موقع "تويتر" في الأردن، حيث عبر المغردون عن وقوفهم مع الحزب، جراء الأزمة القضائية والسياسية التي يمرّ بها، مؤكدين أن ما يحدث للحزب يأتي في سياق النهج الرسمي الساعي للتضييق على الحياة الحزبية والنقابية والحريات العامة.
وصنّف نشطاء ما يحصل في المملكة بأنه العودة لمرحلة الأحكام العرفية، التي شهدتها البلاد في عام 1957 واستمرت عدة سنوات، إذ حظرت الأحزاب السياسية وأغلقت الصحف واعتقل العديد من النشطاء الحزبيين.

واعتبر المركز الوطني لحقوق الإنسان، في تصريح صحافي، أن إحالة حزب الشراكة والإنقاذ أو أي حزب من الأحزاب لأسباب أو مخالفات شكلية كعدم تقديم ميزانية الحزب إلى القضاء، وغيرها من الأسباب لغايات حل الحزب استنادًا إلى المادة 34 من قانون الأحزاب، يشكل انتهاكًا للحق في تأسيس الأحزاب والانضمام إليها.

أحكام عرفية

بدوره، يشخص الكاتب والمحلل السياسي، ماجد توبة، الحالة السياسية في الأردن، بأنها تشهد انحدارًا سريعًا في الحريات العامة، والفضاءات السياسية، بعد ثورات الربيع العربي، وتوجت المرحلة العرفية التي نعيشها في قضية نقابة المعلمين ليتبعها قرار حلّ حزب الشراكة والإنقاذ.
ويقول توبة لرصيف22 إن ما يحصل في الأردن هو تهميش لجميع المكونات السياسية في البلاد سواء نقابات مهنية وأحزاب ومؤسسات صحافية وإعلامية، حتى وصل التهميش للمؤسسة الأولى في الدولة (البرلمان)، حيث كان هناك تدخل في العملية الديمقراطية من خلال التضييق على مرشحين ونواب سابقين من قبل الأجهزة الرسمية لمنعهم من الوصول إلى مؤسسة التشريع والرقابة.
وتأتي أزمة الحزب مع حصول الأردن على المركز 118 بين 164 دولة في مؤشر الديمقراطية للعام 2020، حسب مجلة الإيكونومست، وتصنيف المملكة كـ(بلد سلطوي)، إذ حصل الأردن على علامة 3,8 من عشرة في مؤشر الديمقراطية.

حلّ مجالس (الأطباء والمعلمين)

وفي تموز/يونيو من العام الماضي، استقال أعضاء من مجلس نقابة الأطباء، احتجاجًا على حسم الحكومة علاوات الأطباء العاملين في وزارة الصحة، لترد الحكومة السابقة بحلّ مجلس النقابة، وتعيين لجنة حكومية لممارسة صلاحياته ومهامه، استنادًا لأحكام المادة (75) من قانون نقابة الأطباء الأردنية رقم (13) لسنة 1972.
ووصف آنذاك نقيب الأطباء السابق، علي العبوس، قرار الحكومة بالاعتداء على الحقوق الثابتة للأطباء باستخدام مادة في القانون لا تناسب الوضع ولم تستخدم أثناء الأحكام العرفية.
وسبقت أزمة نقابة الأطباء أزمة نقابة المعلمين، التي بدأت قبل عامين حين نفّذ المعلمون أطول إضراب في تاريخ المملكة للمطالبة في علاوة مالية، بعد ذلك عادت النقابة إلى الواجهة عقب إحالة مجلس النقابة إلى القضاء، وحلّ المجلس وتكليف لجنة حكومية إدارة النقابة.
"ما يحصل في الأردن هو تهميش لجميع المكونات السياسية في البلاد سواء نقابات مهنية وأحزاب ومؤسسات صحافية وإعلامية، حتى وصل التهميش للمؤسسة الأولى في الدولة (البرلمان)، حيث كان هناك تدخل في العملية الديمقراطية من خلال التضييق على مرشحين ونواب سابقين"
وصدر قرار قضائي، الأربعاء الماضي، بشأن قبول الدعوى المُقامة لحل مجلس نقابة المعلمين، وفق المحامي بسام فريحات، وكيل النقابة، بسبب تبرع مجلس النقابة بنصف مليون دينار إلى صندوق وزارة الصحة لمجابهة وباء كورونا، وقال إن "هذا القرار مخالف للواقع والقانون".

رسالة ملكية

تتزامن الأحداث السياسية السابقة وغيرها مع رسالة من العاهل الأردني، عبد الله الثاني، إلى مدير المخابرات العامة، يدعوه فيها إلى "تركيز كل طاقاتها في مجالات اختصاصها المهمة والحيوية للأمن الوطني والعمل الاستخباري المحترف بمفهومه العصري الشامل، وتكريس الإمكانيات اللازمة، لتظل عنوانًا شامخًا للكفاءة الاستخبارية في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي للمخاطر الأمنية".

ويرى الشارع الأردني في دعوة الملك رسالة سياسية خاصة أنها جاءت بعد دعوته إلى إجراء حوار وطني، يخرج بقانون انتخاب عصري، علمًا أن العقبات في عملية الإصلاح داخل الدولة لا تزال تعمل على وقف أي خطوة تجاه الإصلاح السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard