مصطفى البشتيلي... ثار ضد الحملة الفرنسية وقُتل بأيدي مصريين

الجمعة 2 أبريل 202110:44 ص

بعد أن اضطربت الأمور في فرنسا، اضطرّ نابليون بونابرت للعودة إلى بلاده، بعدما قاد بنفسه الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام (1798 - 1801)، وتسلم الجنرال جان باتيست كليبر القيادة مكانه. وفي تلك الأثناء، وتحديداً في 20 آذار/ مارس من عام 1800، اندلعت ثورة القاهرة الثانية، ضد الاحتلال الفرنسي، وانطلقت من حي بولاق أبو العلا، وقادها تاجر من أبناء الحي يُدعى الحاج مصطفى البشتيلي.

مَن هو مصطفى البشتيلي؟

يقول عباس الطرابيلي، في كتابه "أحياء القاهرة المحروسة"، إن الحاج مصطفى البشتيلي كان وطنياً رائعاً، يمتلك وكالة ضخمة في بولاق، واعتقله الفرنسيون في الرابع من آب/ أغسطس 1799، بعد أن ضبطوا في وكالته أوعية ضخمة مملوءة بالبارود.

ويوضح عبد الرحمن الرافعي، في الجزء الأول من مؤلفه "تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر"، أن البشتيلي "من أعيان بولاق، وسُمّي البشتيلي نسبة إلى ‘بشتيل’، من أعمال الجيزة".

ويبدو أن "الحاج مصطفى" كان ناشطاً في مقاومة الفرنسيين قبل قصة قيادته لثورة القاهرة الثانية. يروي المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، في الجزء الرابع من مؤلفه الشهير "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، أنه في يوم السبت، أول أيام شهر ربيع الأول من عام 1214 هـ (1799 مـ)، قبض الفرنسيون على البشتيلي، "وحبسوه ببيت قايمقام، والسبب في ذلك أن جماعة من جيرانه وشوا عنه بأنه بداخل بعض حواصله الذي في وكالته عدة قدور مملوءة بالبارود، فكبسوا على الحواصل فوجدوا بها ذلك كما أخبر الواشي، فأخذوها وقبضوا عليه وحبسوه، ثم نقلوه إلى القلعة".

لم يدم اعتقال البشتيلي طويلاً، إذ "شفع له كبار تجار مصر، وعلى رأسهم أحمد المحروقي، وأُفرج عنه وعاد إلى تجارته"، حسبما يكشف مؤلف كتاب "أحياء القاهرة المحروسة".

وعندما نشبت ثورة القاهرة الثانية، وكانت تتمركز حول حي بولاق، في 20 آذار/ مارس 1800، كان الحاج مصطفى في مقدمة الثوار، وكان يمدّ الثورة بالأسلحة والذخيرة والبارود، وكانت هذه الثورة أكبر من الأولى التي حدثت أيام نابليون، بحسب الطرابيلي.

ويضيف المؤلف: "لمّا نفدت أسلحة الثوار، ساهم الحاج مصطفى في جمع أي معادن، حتى حِلل الطبيخ (أواني الطعام)، وأبواب الحارات والموازين ليستخدموها في صنع القنابل والأسلحة، بل أقام مصنعاً لهذه الأسلحة والذخيرة، وأصابت الجيش الفرنسي بهزائم ثقيلة".

شرارة الثورة تنطلق من بولاق

انتقلت شرارة الثورة من حي بولاق إلى باقي أحياء مصر، وكان لها زعماء في الأحياء المختلفة، على رأسهم السيد عمر مكرم، نقيب الأشراف، وأحمد المحروقي، كبير التجار، والشيخ محمد الجوهري.

ودارت معارك في منطقة عين شمس، شرق القاهرة، بين قوات الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال كليبر، وفرق من الجيش العثماني، وعندما سمع أهل القاهرة أصوات المدافع في ميدان المعركة، دبّت الثورة في حي بولاق.

ويسلّط الجبرتي الضوء على حال بولاق في ذلك الوقت، بقوله: "أما بولاق، فإنها قامت على ساق واحد، وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي وأمثاله وهيّجوا العامة، وهيأوا عصيهم وأسلحتهم ورمحوا وصفحوا، وأول ما بدأوا به أنهم ذهبوا إلى وطاق الفرنسيس، الذي تركوه بساحل البحر وعنده حرسية منهم، فقتلوا مَن أدركوه منهم، ونهبوا جميع ما فيه من خيام ومتاع وغيره، ورجعوا إلى البلد وفتحوا مخازن الغلال والودايع التي للفرنساوية، وأخذوا ما أحبّوا منها".

"لمّا نفدت أسلحة الثوار، ساهم الحاج مصطفى في جمع أي معادن، حتى حِلل الطبيخ، وأبواب الحارات والموازين ليستخدموها في صنع القنابل والأسلحة، بل أقام مصنعاً لهذه الأسلحة والذخيرة، وأصابت الجيش الفرنسي بهزائم ثقيلة"

ويضيف: "عملوا كرانك حوالي البلد ومتاريس، واستعدّوا للحرب والجهاد، وقوي في روسهم العتاد، واستطالوا على مَن كان ساكناً ببولاق من نصارى القبط والشوام، فأوقعوا بهم بعض النهب وربما قُتل منهم أشخاص".

في تلك الأثناء، وصلت قوة عثمانية انفصلت عن الجيش العثماني بعد معركة عين شمس، إلى القاهرة، ما أحدث "هيجاناً عظيماً، فاعتقد الناس أن الانتصار تم للترك، فتجددت حركة الهياج وظن الموتورون من الاحتلال أن ساعة الانتقام قد دنت"، حسبما يروي أمين سعيد، في الجزء الثاني من كتابه "الدولة العربية المتحدة".

ويضيف الكاتب أن "أهل حي بولاق كانوا في مقدمة الهائجين فقد تسلح بعضهم بما استطاع الحصول عليه من سلاح، وتقدّموا بقيادة زعيمهم مصطفى البشتيلي إلى قلعة (قنطرة) الليمون لاقتحامها، فردت حاميتها، فاستأنفوا الكرّة بعدما نظّموا صفوفهم، فأرسل (حاكم دمياط) الجنرال فردييه نجدة للقلعة فردت الثوار، بعدما قتلت منهم نحو 300".

وينقل سعيد عن مذكرات كليبر وصف الجنرال الفرنسي لحال الثوار في القاهرة آنذاك: "استخرج الأعداء (أي الثوار)، مدافع كانت مطمورة في الأرض، وأنشأوا معامل للبارود ومصانع لصب المدافع وعمل القنابل، وأبدوا في كل ناحية من النشاط ما أوحت به الحماسة والعصبية، هذه هي بوجه عام حالة القاهرة عند قدومي إليها، ولم أكن أتصورها في هذه الدرجة من الخطورة".

الجنرال كليبر

كليبر يطلب الصلح والثوار يرفضون

أثناء الثورة التي استمرت لمدة 33 يوماً، بحسب عباس الطرابيلي، حاول كليبر عقد صلح مع الثوار، لكن محاولته باءت بالفشل.

يروي الكاتب والصحافي محمود السعدني، في مؤلفه "مصر من تاني" أنه "ذهب بعض المشايخ إلى صاري عسكر فرنسا (قائد الجيش) يطلبون الصلح، ووافق الأخير بشرط خروج العسكر العثمانلي، وأيضاً عسكر المماليك من القاهرة، وأعطى أبناء المدينة أماناً بشرط أن يلزموا دورهم ويلقوا السلاح، فلما عاد المشايخ بشروط الصلح هاج العامة عليهم، وأسمعهوهم قبيح الكلام، وضربوا الشيخ (عبد الله) الشرقاوي والشيخ (موسى) السرسي (وهما من علماء الأزهر)، ورموا عمائمهم على الأرض. فلما غاب المشايخ عن الحضور بالجواب، أرسل صاري عسكر إلى المحاربين من أهل القاهرة يسألهم رأيهم في عرض الصلح، وجاءه الجواب: لا صلح ولكن الحرب بيننا وبينكم حتى نظفر بكم أو نموت".

"والذي وجدوه منعكفاً في داره أو طبقته ولم يقاتل، ولم يجدوا عنده سلاحاً نهبوا متاعه وعرّوه من ثيابه ومضوا وتركوه حياً، وأصبح مَن بقي من ضعفاء أهل بولاق، وأهلها وأعيانها الذين لم يقاتلوا فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم"

في سياق متصل، يروي الجبرتي: "أرسلوا أيضاً رسولاً إلى بولاق يطلبونهم للصلح وترك الحرب ويحذّرونهم عاقبة ذلك، فلم يرضوا وصمموا على العناد، فكرروا عليهم المراسلة وهم لا يزدادون إلا مخالفة وشغباً، فأرسلوا في خامس مرة فرنساويّاً يقول: ‘أمان أمان سوا سوا’، وبيده ورقة من ساري عسكر، فأنزلوه من على فرسه وقتلوه، وظنّ كامل أهل مصر أنهم إنما يطلبون صلحهم عن عجز وضعف، وأشعلوا نيران القتال، وجدّوا في الحرب من غير انفصال".

ويضيف أن "هذا الحال استمر بين الفريقين إلى يوم الخميس الموافق لعاشر برمودة القبطي، وسادس أبريل (نيسان) الرومي، فغيمت السما غيماً كثيفاً، وأرعدت رعداً مزعجاً عنيفاً، وأمطرت مطراً غزيراً، وسيلت سيلاً كثيراً، فسالت المياه في الجهات، وتوحلت جميع السكك والطرقات، فاشتغل الناس بتجفيف المياه والأوحال، ولطخت الأمراء والعساكر بسروايلهم ومراكيبهم بالطين".

في المقابل، لم يبالِ الفرنسيون بالأمطار، واستغلوا ذلك وهجموا على أهل بولاق. ويقول الجبرتي: "والفرنساوية هجموا على مصر وبولاق من كل ناحية، ولم يبالوا بالأمطار، لأنهم في خارج الأبنية، وهي لا تتأثر بالمياه كداخل الأبنية، وعندهم الاستعداد والتحفظ والخفة في ملابسهم وما على رؤوسهم، وكذلك أسلحتهم وعددهم وصنايعهم بخلاف المسلمين، فلما حصل ذلك اغتنموا الفرصة وهجموا على البلدين من كل ناحية، وعملوا فتايل مغمسة بالزيت والقطران التي تشتعل ويقوى لهبها بالماء".

وبالرغم من هذا الهجوم العنيف، قاتل أهل بولاق، ولكن قوة الفرنسيين كانت أشد من قوتهم. يصف الجبرتي المشهد بقوله: "قاتل أهل بولاق جهدهم وقتلوا منهم بالحرق والقتل وبلوا بالنهب والسلب، وملكوا بولاق وفعلوا بأهلها ما يشيب من هولة النواصي، وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة، واحترقت الأبنية والدور والقصور، ثم استولوا على الخانات والوكايل والحواصل والودايع والبضايع، وملكوا الدروب وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والأباريز والأرز والأدهان والأصناف العطرية، وما لا تسعه السطور ولا يحيط به كتاب ولا منشور".

"ذهب مصطفى البشتيلي وباقة من أبطال القاهرة لمقابلة الرفيق الأعلى، وذهب بعض المشايخ الأرزقية لمقابلة (الجنرال الفرنسي) الرفيق كليبر، يطلبون منه الصفح والأمان، ولكن كليبر لا يُلدغ من جحر مرتين. احتقر مشايخ الصلح وأهانهم"

ويتابع المؤرخ المصري: "والذي وجدوه منعكفاً في داره أو طبقته ولم يقاتل، ولم يجدوا عنده سلاحاً نهبوا متاعه وعرّوه من ثيابه ومضوا وتركوه حياً، وأصبح مَن بقي من ضعفاء أهل بولاق، وأهلها وأعيانها الذين لم يقاتلوا فقراء لا يملكون ما يستر عوراتهم".

ويصف محمود السعدني ما وصل إليه الحال آنذاك بقوله: "اشتد الكرب والضرب وواصل الفرنسيس ضرب مصر بالمدافع، وعدمت الأقوات وغلت أسعار المبيعات، وعزّت المأكولات وفُقدت الحبوب والغلات، وشح الماء الصالح للشرب... أما النهر فلا يكاد يصل إليه أحد، وهلكت البهائم من الجوع لعدم وجود العلف من التبن والفول والشعير والدريس".

مقتل البشتيلي بـ"النبابيت"

"في وقت هجوم العساكر انفصل إليهم واختفى البشتيلي فدلوا عليه وقبضوا على وكيله، فحبسوا البشتيلي بالتكية والباقي ببيت ساري عسكر، وضيقوا عليهم حتى منعوهم البول"، يروي الجبرتي.

ويشير إلى أنه "في اليوم التالي أطلقوهم، وجمعوا عصبة البشتيلي من العامة، وسلّموهم البشتيلي وأمروهم بتجريسه وشهرته في البلدة، وأن يقتلوه بأيديهم، لدعواهم أنه هو الذي كان يحرّك الفتنة ويمنع الصلح".

هكذا، سُلّم البشتيلي إلى "عصبته"، و"أُمروا أن يطوفوا به البلد ثم يقتلوه ففعلوا ذلك وقتلوه بالنبابيت"، بحسب الجبرتي.

ويصف السعدني مشهد النهاية بقوله: "كان الحاج مصطفى البشتيلي الذي عرّوه من ملابسه شجاعاً لا يهاب الموت، وقف وسط الجمع المحيط به يشتم الفرنسيس، ويلعن أعداء الدين، ثم تكاثر عليه العامة وضربوه بالنبابيت حتى مات".

ويضيف: "ذهب مصطفى البشتيلي وباقة من أبطال القاهرة لمقابلة الرفيق الأعلى، وذهب بعض المشايخ الأرزقية لمقابلة الرفيق كليبر، يطلبون منه الصفح والأمان، ولكن كليبر لا يُلدغ من جحر مرتين. احتقر مشايخ الصلح وأهانهم"، وفرض عليهم غرامة كبيرة "وهدد بإعدامهم إذا تأخروا عن سدادها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard