الأرمني المنسي في تاريخ مصر... قراءة في مُذكّرات نوبار باشا

السبت 14 نوفمبر 202001:34 م

في ظلّ الحرب الدائرة اليوم بين أرمينيا وأذربيجان، يتزايد الحديث عن الأرمن ودورهم في عالمنا العربي، ولكن معظم ما كُتب خلال الأسابيع القليلة الماضية كان عن أرمن المشرق العربي، وتحديداً سورية ولبنان، وليس عن مصر التي قادها في يوم من الأيام سياسي أرمني عتيق ومخضرم، يدعى نوبار باشا (1825-1899). فقد تولّى هذا الرجل رئاسة الحكومة فيها ثلاث مرات، كانت الأولى سنة 1879 والأخيرة سنة 1894. ترك نوبار مذكرات قيّمة للغاية، دوّنها باللغة الفرنسية في تسعينيات القرن التاسع عشر، وتمّ نشرها في لبنان سنة عام 1983، قبل ترجمتها إلى اللغة العربية، حيث صدرت عن دار الشروق في القاهرة سنة 2009.

في ظلّ المستجدات بين أرمينيا وأذربيجان، يتزايد الحديث عن الأرمن ودورهم في عالمنا العربي، ولكن معظم ما كُتب خلال الأسابيع القليلة الماضية كان عن أرمن المشرق العربي، وتحديداً سورية ولبنان وليس عن مصر التي قادها في يوم من الأيام سياسي أرمني عتيق ومخضرم، يدعى نوبار باشا (1825-1899)

تكتسب مذكرات الباشا أهمية استثنائية لصراحتها الجارحة، وتفاصيلها الكثيرة عن حياة حكام مصر، نظراً لقرب المؤلف منهم جميعاً. معظم سياسيي المنطقة العربية في القرن التاسع عشر لم يهتموا بتدوين المذكّرات، ما يضيف أهمية لهذه الأوراق، حيث يعود حرص نوبار على كتابة سيرة حياته إلى ثقافته الفرنسية وكثرة أسفاره إلى أوروبا، حيث تعلم الكثير من قادتها. ومن أبرز سمات هذه المذكّرات هو إبحار صاحبها المفرط في الوصف الدقيق، حيث يقول مثلاً عن أول لقاء جمع بينه وبين والي مصر، محمّد علي باشا: "وفي نهاية صالة كبيرة جميلة متناسقة في تقسيم نسبها وفراغاتها تضيئها نجفة من الكريستال الأبيض، جلس رجل في إحدى أركانها على أريكة تكسوها أقمشة منسوجة بخيوط من ذهب. أسند ظهره إلى وسادة وكانت ركبتيه مثنيتين بشكل خفيف، وخنجره في متناول يده، يستمع إلى أحد أمناء سره يقرأ عليه البريد على ضوء شمعدان مصنوع من حديد أبيض. كان ذلك الرجل هو محمد علي شخصياً".

العلاقة مع محمد علي وإبراهيم باشا

دخل نوبار على الباشا الكبير وهو فتى لم يتجاوز السابعة عشر من عمره، وكان يومها بمعيّة خاله بوغوص بك يوسفيان، وزير التجارة في عهد محمّد علي. عمل سكرتيراً لخاله قبل وفاة الأخير سنة 1844، ليتم من بعدها إلحاقه بمكتب الوالي، مترجماً له ومساعداً لنجله إبراهيم الذي كان يعاني من نزيف حاد في أمعائه. سافر معه نوبار إلى أوروبا لتلقي العلاج، وتحدّث كيف بكي إبراهيم عند مشاهدة جمال الريف الفرنسي، قائلاً له: "انظر كم هي جميلة. أني أبكي لأنني أرى هذه البلاد تنعم بالرخاء، بينما مصر تعاني من البؤس على الرغم أن أرضها أكثر خصوبة، سوف أغير ذلك إذا مدّ الله في عمري". ولكن عندما اشتد المرض بإبراهيم، قال لنوبار: "لا لن أموت. لقد خلقني الله لخير مصر. لن يكون من الإنصاف أن يدعوني الرب إلى جواره قبل أن أعيد الحياة إلى مصر وأجعلها سعيدة".

ولكن أمنية إبراهيم لم تتحقق، فقد وافاه الأجل قبل رحيل أبيه العجوز سنة 1848، بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه الحكم خلفاً لمحمّد علي. يعترف نوبار أن الأب كان شديد القلق من مطامع ابنه السياسية، عكس ما كتب عنه، وأنه كان يرى في إبراهيم منافساً على السلطة أكثر من كونه سنداً مطيعاً. يحدثنا نوبار كيف كان إبراهيم لا ينام الليل في أيامه الأخيرة، حيث كان يتخيّل ضحايا حروبه الكثر يخرجون من العتم ليطاردوه ويوقظوه من نومه، في صورة مخالفة تماماً عن صورة إبراهيم المعهودة في كتب التاريخ، كرجل جبّار وقوي.

يضيف نوبار مستطرداً أن الباشا الكبير "فقد عقله تماماً" وصار وهو في سن الشيخوخة يتخيّل نفسه وهو على رأس جيشه الجرار، يحارب على أبواب القسطنطينية، يعطي أوامر لضبّاط لم يعد أحد منهم على قيد الحياة. في أيامه الأخيرة كان محمّد علي "يدرك الحالة التي هو عليها ويراقب نفسه، وما إن يشعر بأنه سوف يدخل في نوبة هذيان وفقدان العقل إلا وقد كان يختلي بنفسه، في عزلة تامة، محاولاً بكل قواه أن يستعيد تسلسل أفكاره"، وعندما بلغه خبر وفاة ابنه إبراهيم قال محمّد علي: "كنت أعرف... كان قاسياً معي كما كان مع الجميع. لقد عاقبه الله وأماته".

نوبار في زمن عباس الأول

خلال العام 1848، انتقل الحكم من محمد علي إلى إبراهيم ومن ثم إلى عباس الأول، أكبر أحفاد الباشا الكبير. فقال له الجد المؤسس: "لقد لعنت إبراهيم لأنه حبسني، ولذا قبض الله روحه. فلا تتصرف نحوي مثله إذا كنت تريد ألا ألعنك أنت أيضاً". توفي محمّد علي خلال عهد حفيده الشاب، ولم يحظ بجنازة تليق بمؤسس دولة مصر الحديثة، حيث لم تُغلق المتاجر ولم تنكس الأعلام ولم يخرج في جنازته إلا وزير واحد فقط، ليعترف بوبار: "ومع اختفاء محمّد علي اختفت العبقرية التي كانت تسهر على مصر، بل إن مصر كانت محمّد علي وهو كان مصر".

نوبار وسعيد باشا

خدم نوبار مع عباس وأحبه كثيراً، كما تحسّر عليه يوم اغتياله طعناً بالسكاكين على يد مجموعة من حرّاسه في تموز 1854: "كُتم خبر الكارثة لمدة ثماني وأربعين ساعة، نُقل خلالها جثمان عباس من بنها إلى قصره بالعباسية في وضح النهار، بعد أن تم إجلاسه بثيابه الرسمية في عربة تجرها أربعة خيول كما لو هو على قيد الحياة". ذهبت الولاية من بعده إلى عمّه محمّد سعيد باشا، نجل محمّد علي، الذي لا يُخفي نوبار عدم اعجابه به بتاتاً. يقول نوبار إنه ومع غياب عباس فقدت مصر طبيعتها الشرقية، وتغلغل الأجانب في أروقة حكمها، وصاروا يتحكمون بالوالي الجديد ضعيف الإرادة والشخصية، الذي حاول بشتى الطرق إرضاءهم: "تخلى التاريخ عن عباس، ونسي الناس أن عهده كان أكثر العهود أماناً في مصر، ولم يكن والٍ في مثل حكمته وقدرته على إدارة الإقتصاد وموارد الخزينة وحرصه على مصالح البلاد".

صار القناصل هم حكام مصر الحقيقيين، لدرجة أن أحدهم تجرأ على زيارة قصر الوالي من دون موعد وهو في ثياب النوم

صار القناصل هم حكام مصر الحقيقيين، لدرجة أن أحدهم تجرأ على زيارة قصر الوالي من دون موعد وهو في ثياب النوم. كان سعيد وقبل وصوله إلى الحكم يَعمل قائداً لأسطول أبيه البحري، "مع أنه كان يعاني من دوار البحر"، وقد دخل التاريخ لقُربه من رجل الأعمال الفرنسي فيرديناند دي ليسيبس، الذي أعطاه سعيد امتياز شركة قناة السويس، والتي كلفت 200 مليون فرنك فرنسي. عارض نوبار المشروع من يومه الأول، كما عارض أعمال السخرة التي حُفرت عن طريقها القناة، ومات خلالها الآلاف من المصريين. يقول نوبار:"كان من شان القناة أن ترفع من الأهمية التجارية لأراضي مصر، ولكن ستؤدي إلى القضاء عليها سياسياً". أسرف سعيد لكي يتمكن من مجارة الملوك والنبلاء، وأغدق بالهدايا والامتيازات على الأجانب في القاهرة، الذي بلغ عددهم 150 ألفاً، وركّب ديناً كبيراً على نفسه وصل إلى 88 مليون فرنك، تم اقتراضه بفائدة فاحشة من المصارف الأوروبية.

ولكن نوبار باشا يعترف بإنجازات سعيد على قلتها، ومنها سماحه للفلاح أن يمتلك الأرض التي كان يزرعها "حتى لو كانت ملكاً للحكومة"، كما قام سعيد بتعين شقيق نوبار حاكماً على السودان، ليكون أول حاكم مسيحي على بلد عربي، بالرغم من معارضة بعض المحيطين به، الذين وصفوا نوبار وشقيقه بالكفار والملحدين. وأخيراً عيّن الوالي نوبار مديراً لسكك الحديد سنة 1857، التي كانت تدار فعلياً من قبل شخص أجنبي يُدعى المستر غرين، شقيق قنصل بريطانيا العام في مصر. وعندما طلب هذا الأخير الاستقالة، كافأه سعيد بعشرة آلاف جنيه استرليني دون التفكير بمدى تأثير ذلك على الموظفين المصريين "الذين عملوا طوال حياتهم بمرتب ضئيل، وماتوا وهم في الخدمة، أو أخرجوا على المعاش لينالوا مبلغاً تافهاً حقيراً".

ويضيف نوبار أن جنون سعيد أوصله إلى جلسات تحضير الأرواح، حيث كان يستحضر روح أبيه في كل ليلة ليتناقش معه في أمور الدولة المصرية، كما قام بتعين قرصان على رأس البحرية المصري يدعى حافظ باشا. وفي ختام عهده وقبل وفاته سنة 1863، وقف سعيد أمام نوبار باشا وبكى بحرقة كما بكى إبراهيم باشا من قبله قائلاً: "لقد خربت مصر...خربتها تماماً. ماذا سيقولون عنّي؟".

الباشا والخديوي

انتقل بعدها نوبار، الموظف الأمين والوفي، إلى خدمة الوالي الجديد إسماعيل، نجل إبراهيم وحفيد محمّد علي، الذي وبحسب صاحب المذكّرات، "وجد مصر صغيرة جداً عليه"، فأراد التوسع نحو سورية التي كان قد حكمها أبيه لمدة تسع سنوات ما بين 1831-1840. ولكنه أقلع عن هذا المشروع لأن شعوبها كانت تُعد "شعوباً مثيرة للشغب، وتتكون من أعراق متعددة، وهي بعيدة تماماً في تكوينها عن الشعب المصري، السهل في إدارته".

عُيّن السياسي الأرمني العتيق والمخضرم نوبار باشا وزيراً في عهد إسماعيل، ثمّ رئيساً لأول حكومة "نظارة"، وتم إرساله إلى إسطنبول لتغير شروط الوراثة في حكم مصر، لتصبح لأكبر أبناء الحاكم سناً وليس لما تبقى من أبناء محمّد علي

عُيّن نوبار باشا وزيراً في عهد إسماعيل، ثمّ رئيساً لأول حكومة "نظارة"، وتم إرساله إلى إسطنبول لتغير شروط الوراثة في حكم مصر، لتصبح لأكبر أبناء الحاكم سناً وليس لما تبقى من أبناء محمّد علي. وبذلك وبفضل نوبار، ضمن إسماعيل الحكم لابنه توفيق الذي ولي سنة 1879، ولأحفاده من بعده، عباس حلمي الثاني (1892-1914) وحسين كامل (1914-1917) وفؤاد (1917-1936)، وصولاً إلى الجيل الرابع من الأسرة العلوية، الممثل بالملك فاروق، آخر ملوك مصر قبل ثورة الضباط الأحرار سنة 1952.

وعندما خضع السلطان العثماني إلى هذا الطلب، لكون مصر كانت ما تزال تتبع سياسياً للدولة العثمانية، تمادى إسماعيل بمطالبه عن طريق نوبار، فطلب ألا يتم تحديد عدد القوات التي يمكن لمصر الاحتفاظ بها، وحق منح الأوسمة المصرية باسمه، وحمل لقب "عزيز مصر" الذي أطلق على النبي يوسف من قبله. قاد نوبار مفاوضات شاقة مع الصدر الأعظم علي باشا في إسطنبول، الذي قبل هذه المطالب، إلا اعطاء إسماعيل لقب "عزيز مصر"، لأن السلطان كان اسمه عبد العزيز، ولا يمكن لخليفة المسلمين أن يكون عبداً لوالي مصر. فاقترح عليه لقب "الخديوي" الذي كان ينعم به شاه إيران، وقبل بذلك إسماعيل على مضض، حيث كان منشغلاً بحفل افتتاح قناة السويس الذي تم في عهده سنة 1869.

تنتهي المُذكّرات سنة 1878، عند عزل إسماعيل عن الحكم ووصول توفيق إلى السلطة، الذي قام بتعين نوبار رئيساً للوزراء مرة ثانية سنة 1884. لا نعرف سبب عدم دخول نوبار في هذه الحقبة: هل لأنه كان ما يزال نشطاً سياسياً عند تدوين المذكرات عام 1890، ويطمح بالعودة إلى السلطة (الذي تحقق بالفعل عام 1894). أما أن حالته الصحية لم تعد تسمح بالكتابة؟ هذه الأسئلة تبقى رهن التاريخ، والثابت الوحيد أنه وفيما كتب، ترك نوبار باشا وثيقة بالغة الأهمية، نالت مكانتها في المكتبة العربية، مثبتاً أنه رجل دولة من الطراز الرفيع يحق لمصر أن تفتخر به كما يحق للشعب الأرمني كلّه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard