وصلوا مع محمد علي باشا... أقباط السودان وتاريخ حافل منذ "المهدية" حتى الثورة

السبت 22 أغسطس 202010:07 ص

لم يكن الشاعر السوداني التِجاني يوسف بشير وحده من احتفى بالأقباط وخلّدهم في أثره الشعري قائلاً: "آمَـنـت بِـالحُـسن بَرداً وبالصَــبــابـة نـارا/ وَبِـالكَـنيسة وَمَن طافَ حَـــولَا وَاِســـتَــجــارَ/ إِيمان مِن يَعبَد الحُسنِ فـي عُـيون النَصارى"، فالسودانيون – عدا قلة منهم – يختلفون على كل شيئ إلا على النظرة إلى الأقلية القبطية باعتبارها شريحة سُكانية بالغة الأهمية في مجمل الحياة المدنية في السودان.

أكثر من قرن

بدأ الانتشار الفعلي للأقباط في أنحاء السودان المختلفة كإداريين مع غزو حاكم مصر محمد علي باشا للأراضي السودانية عام 1821، سعياً وراء الذهب والمعادن والرقيق. مع الوقت، اكتسب هؤلاء سمعة طيبة بين المواطنين لاختلاف جوهري في سلوكهم وأساليب تعاملهم عن الموظفين العثمانيين من الجنسيات المختلفة، إذ كانوا أكثر ليناً وأسرع اندماجاً في المجمتع القبلي السوداني.

منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة، خلا سنوات قليلة تمثّلت في حقبة الدولة المهدية الإسلاموية (1885–1899)، وعقود الإخوان المسلمين الثلاثة ( 1989–2019)، عاش الأقباط بحرية تامة في السودان، ما أتاح لهم الأخذ بزمام مبادرات تطوير الدولة السودانية الحديثة وبث المدنية في الحياة السودانية الريفية القبلية.

تاريخ حافل

يقول الباحث في شؤون الأقليات عثمان عبد الرحيم لرصيف22: "اكتسب الأقباط أهمية كبيرة، حتى أن محمد أحمد قائد الثورة المهدوية التي أسقطت الحكم العثماني استعان بهم وعين عليهم يوسف ميخائيل أميراً وأطلق عليهم اسم المسالمة، ولم يمسهم بسوءٍ رغم أن معظمهم أعلنوا إسلامهم تقيةً وخيفة". 

بدأ الانتشار الفعلي للأقباط في السودان كإداريين مع غزو حاكم مصر عام 1821، وقد اكتسب هؤلاء سمعة طيبة بين المواطنين لاختلاف جوهري في سلوكهم وأساليب تعاملهم عن الموظفين العثمانيين من الجنسيات المختلفة... فما هو حال أقباط السودان اليوم؟

ويضيف: "لاحقاً، أصبحت مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثُنائي المرجع التاريخي الأكثر مصداقيةً لدى المؤرخين والطلاب والباحثين بين كل الكُتب التي أرّخت لتلك الحقب من تاريخ السودان، كونه لم يكن على علاقة بالاستخبارات الأجنبية، وللصدق والثقة التي يسبغها السودانيون على الأقباط عموماً".

يوسف ميخائيل

يعتقد عبد الرحيم أن الأقلية القبطية لم تمر طوال وجودها في السودان بأوقاتٍ عصيبة كالتي مرت بها إبان حكم الإخوان المسلمين، حيثُ صودرت ممتلكاتهم وأوقف بناء كنائسهم ومدارسهم وتم تقييد تجارتهم ومشاركتهم في مؤسسات الدولة وأجهزة الحكم، الأمر الذي دفع بكثيرين منهم للهجرة إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا، أما من بقي فقاوم السلطة الثيوقراطية المستبدة مع مجمل السودانيين الآخرين إلى أن تمت الإطاحة بها العام الماضي، بثورة شعبية سلمية عارمة.

ما خُفي وما ظهر

بحسب عبد الرحيم، فإن ما خُفي من مساهمات الأقباط في الحركة الوطنية السودانية لنيل الاستقلال وفي الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة الديكاتورية أكثر من المُعلن عنه، مشيراً إلى أن بعض الأقباط تم اعتقالهم من قبل المستعمر البريطاني عقب ثورة اللواء الأبيض عام 1924، وأبرزهم المناضل وهبة خليل، كما أن بعضهم بذل روحه فداءً للسودان في انتفاضة أكتوبر عام 1964، مثل الشهيد لورنس ديمتري روفائيل، كما أن أول سوداني تم إعدامه عقب انقلاب الإخوان المسلمين على الديمقراطية عام 1989 (انقلاب الترابي/ البشير) كان الطيار القبطي جرجس القس بسطوس، وذلك بتهمة حيازة نقد أجنبي.

"لن ينسى أي سوداني دور الأقلية القبطية في التعليم النوعي بالبلاد، خاصة تعليم الفتيات، إذ أسس الأقباط عام 1902 مدرسة الاتحاد التي لا تزال صرحاً تعليمياً شامخاً يؤرخ لأكثر من مئة عام من بداية إلحاق النساء بالتعليم النظامي"، وفق عبد الرحيم الذي يردف قائلاً: "لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فتحت الكلية القبطية أبوابها للسودانيات المسلمات والمسيحيات عام 1923، بعد أن كانت تقتصر على البنين فقط، كما تخرّج منها الكثير من زعماء السودان الوطنيين وزارها وحاضر فيها إسماعيل الأزهري وهو أول رئيس وزراء سوداني بعد الاستقلال، كما زارها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر".

انتفاضة أكتوبر عام 1964

مساهمات مُقدّرة

يتركز غالبية الأقباط الذين يبلغ عددهم حوالي المليون في مدينتي أتبرا شمالي السودان وأم درمان غربي العاصمة الخرطوم. هؤلاء ساهم عدد كبير منهم في إثراء الحياة السودانية بمختلف أوجهها، حتى شاركوا في الحكومة عبر موريس سِدرة الذي سماه الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري وزيراً للصحة عام 1969، وكان والده نائباً لمدير البوليس السوداني بعد الاستقلال؛ إلى أن جاءت الثورة الشعبية برجاء نيكولا عبد المسيح عضواً في مجلس السيادة الانتقالي الحالي، كما استلم الكثير من أبناء الأقلية القبطية مناصب عسكرية رفيعة في الجيش والشرطة، أبرزهم الشهيد العميد سليمان ميلاد واللواء أميرة ديمتري وغيرهما.

العميد سليمان ميلاد

وفي مجال القصة القصيرة والنقد والصحافة يبرز أستاذ الأجيال نبيل غالي جريس، وهو مدير تحرير صحيفة "اليوم التالي" حالياً، أما في مجال التجارة والطب والهندسة والإدارة فلا تحسب مشاركاتهم ولا تعد.

اللواء أميرة ديمتري

بعد الثورة... ماذا حدث؟

بالنسبة لمشاركة الأقباط في ثورة سبتمبر التي أطاحت بنظام البشير عام 2019، فهي معلومة ولا تخفى على أحد، فقد كان الأقباط في مقدمة الصفوف حيث كانوا من الفئات الأكثر تضرراً من نظام الإخوان المسلمين، وإن كافأتهم الثورة جزئياً بتسمية عبد المسيح عضواً في مجلس السيادة الانتقالي، إلا أن الكثير من ممتلكاتهم لا تزال مصادرة، وإن كانت هناك جهود كبيرة وحثيثة تجري لاستعادتها.

"عزف الكثير من أقباط السودان عن المشاركة في النظام السابق، لأن طبيعته لم تكن متوافقة مع المزاج العام للأقباط وللمسيحيين عموماً، ولو أن نظام البشير اتخذ من بعضهم مطيِّة لتلميع صورته... وعندما اندلعت الثورة حرّكت في النفوس الرغبة الكامنة بالعودة إلى الاندماج"

وفي هذا السياق، يقول الصحافي والمحلل الاقتصادي إيلياء ويليام روماني لرصيف22: "عزف الكثير من الأقباط عن المشاركة في النظام السابق، لأن طبيعة ذلك النظام لم تكن متوافقة مع المزاج العام للأقباط وللمسيحيين عموماً، صحيح أن نظام البشير اتخذ من بعض الأقباط مطيِّة لتلميع صورته وإبراز مشاركة الأقباط في حزبه وبرلمانه؛ لكنهم قلة لم تكن تمثل الأقباط ولا المسيحيين السودانيين، وعندما اندلعت الثورة حرّكت في نفوس الناس الرغبة الكامنة بالعودة إلى الاندماج في المجتمع مرة أخرى، وهذا ما تبدّى واضحاً في ميدان الاعتصام عن طريق المشاركات الفردية أو الجماعية؛ وقد تعرض الكثير من الأقباط للضرب والتنكيل والاعتقال، وهذا موثق، كما أن المجتمع القبطي شارك بشكلٍ فعّال ومشهود في اعتصام القيادة بعد سقوط النظام".

ويلاحظ روماني - الذي يلفت إلى أن رأيه يمثله ولا يمثل الكنيسة القبطية بشكل عام - أن فترة بعد الثورة شهدت ولا تزال مشاركة أكبر للأقباط في العمل العام والتطوعي، كما ازدادت رغبتهم في الالتحاق بالوظيفة العامة والخدمة المدنية والمساهمة في بناء البلد مجدداً. 

يواجه الأقباط مشاكل تمييز في قانون الأحوال الشخصية بالنسبة لغير المسلمين، إذ تفرض الدولة بموجبه "جبايات" على المسيحيين بصورة أكبر مما تفرضها على الآخرين.

أما في ما يتعلق بتعيين عبد المسيح في مجلس السيادة، فقد تم – بحسب روماني - من قبل تجمع المهنيين وبعد أن توافقت على مشاركتها قوى الحرية والتغيير والمكوِّن العسكري في مجلس السيادة، وهي ليست لديها خلفية سياسية بل خبيرة قانونية عملت في الأروقة العدلية في استشارية وزارة العدل.

أمور مُعلّقة

بالنسبة للحريات الدينية، فقد صودرت في عهد البشير بعض الممتلكات التابعة للكنيسة؛ منها مدارس في مدينتي أم درمان وبورتسودان. وبينما تمت استعادة مدارس بورتسودان، لا تزال إجراءات استعادة مدارس أم درمان بطيئة جداً، كما صودرت بعض الأراضي التابعة للكنيسة في بعض ولايات السودان ولم تُستعد حتى الآن.

ويواجه الأقباط مشاكل تمييز في قانون الأحوال الشخصية بالنسبة لغير المسلمين، إذ تفرض الدولة بموجبه "جبايات" على المسيحيين بصورة أكبر مما تفرضها على الآخرين، حيث تأخذ نسبة 1% من الورثة من المسلمين، فيما تأخذ أكثر من ذلك من المسيحيين، بحسب ويليام الذي يواصل كلامه قائلاً: "في العهد السابق وخلال ثلاثين عاماً؛ لم يتم التصديق بإنشاء دار عبادة واحدة لصالح المسيحيين رغم الزيادة المطردة لإعدادهم".

بخصوص أوضاع الحريات الدينية الراهنة، وفي ما يخص التمييز القانوني، لم يحدث جديد رغم مرور عام على تعيين حكومة الثورة برئاسة عبد الله حمدوك، وهو ما يعلق ويليام عليه قائلاً: "في ما يتعلق بالتصديق على بناء كنائس جديدة؛ فمنذ أكثر من ثمانية أشهر تم التقدم بطلبات في هذا الصدد لكن لم يتم الرد أو المصادقة حتى الآن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard