لا يخلونّ رجل وامرأة إلا والدولة والمجتمع ثالثهما

الأربعاء 31 مارس 202111:37 ص

إن حادثة "الإفك"، بالنسبة لي، والتي اُتهمت فيها السيدة عائشة بـ"الزنا" بسبب وجودها في منزل ناء مع الصحابي صفوان بن المعطل، بعد أن تأخرت عن اللحاق بقومها أثناء العودة من إحدى الغزوات، ليست مجرد حادثة عابرة. فمن ناحية، هي دليل واضح على أن تلك التهمة يمكن أن تلاحق أي امرأة حتى لو كانت زوجة نبي.

ومن ناحية أخرى، ورغم أن الجميع يعرف أن أم المؤمنين تمت تبرأتها بنص قرآني، إلا أن لا أحد يلتفت إلى أن هذا النص لم يعتب لا على السيدة عائشة ولا على صفوان بن المعطل، سواء في وجودهما في منزل ناء أو في سيرهما سوياً في الصحراء، بل وأدان من أطلقوا تلك التهمة ليؤكد أن وجود رجل وامرأة في منزل أمر عادي لا يؤدي بالضرورة لإقامة علاقة جنسية.

أقول ذلك بمناسبة حادثة "سيدة السلام"، ومُلخصها أن هناك سيدة من مصر تعيش بمفردها، وكانت استقبلت رجلاً في شقتها فأقتحم شقتها مالك العقار وبعض الجيران ظناً منهم أنهما يمارسان الجنس. وانتهت الكارثة بانتحار السيدة التي كانت بكامل ملابسها، ما ينفي إقامة أي علاقة جنسية. وبعيداً عن تعدد الروايات، سواءً كان الرجل صديقها أو بائع أنابيب، وسواءً نبع ما حدث من "حماية الشرف" أو تصفية حسابات بين مالك العقار والسيدة، تبقى الفكرة الأساسية أن الواقعة ليست إلا تعبيراً عن ثقافة مجتمعية ترفض وجود رجل وامرأة في شقة مغلقة لأن هذا يعني بالضرورة أنهما سيمارسان الجنس، وهو ما اعتقده أو استغله قتلة الفتاة الذين يخضعون الآن للتحقيقات.

قادت الدولة من خلال وسائلها وقوانينها خلق مجتمع يرفض أن يتواجد رجل وامرأة في شقة

كيف نشأت تلك الثقافة وترسخت؟ هنا يأتي دور الدولة التي استبعدت النص القرآني في مقابل أحاديث منسوبة للنبي محمد، مثل حديث "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما". ورغم أن الحديث بديهي، ففي السردية الدينية لا يتركنا الشيطان أبداً وبالتالي إذا اجتمعت بأبي سيكون الشيطان ثالثنا أيضاً. لكنه اسُتخدم للتحذير من "اختلاء" أي رجل بامرأة، بالإضافة إلى حديث "إياكم والدخول على النساء" وهو ما استندت إليه دار الإفتاء المصرية التي أكدت بعد واقعة "سيدة السلام" تحريم وجود رجل وامرأة بدون زواج في شقة، وكأنهم يعطون حجة للقتلة. ولاحظ أنه لم يتم الاستشهاد بأي آية قرآنية، ناهيك عن أحاديث تسمح بدخول رجلين على امرأة ولا تسمح دخول رجل واحد مثل حديث (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغِـيبة إلا ومعه رجل أو رجلان)، وكأن العدد سيمنع من يريد إقامة عاقة جنسية.

إذن، الأحاديث النبوية لم تجعل "اختلاء" رجل بامرأة يعني بالضرورة إقامة علاقة جنسية خارج إطار الزواج، وهو ما تجرمه القوانين المصرية، لأن هذا يتعلق أولاً وأخيراً بإرادتهما، أي أنها أحاديث للنصيحة أو للتحذير في أحسن الأحوال. ورغم أنه لا يجوز إصدار أحكام استناداً إلى افتراضات، لكن هذا لم يمنع الدولة من تشريع قوانين تفترض حتمية أن أي رجل وامرأة يجتمعان سيمارسان الجنس.

الفنادق المصرية، مثلاً، تخضع للقانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الآداب العامة والذي ينص أن من يسمح لرجل وامرأة بالمبيت في غرفة دون سند رسمي يثبت الزواج، يتعرض لعقوبة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وهو ما يجعل الفنادق ترفض وجود أي صديقين"رجل وامرأة" من المبيت في غرفة واحدة. لكنها- كما رأيت- تسمح بأن يتم حجز غرفتين ولا يهم أن يقضي الأثنين ليلتهما في حجرة واحدة ففي النهاية طرق التحايل موجودة.

ومن منطلق هذا القانون، أصبح مالكو العقارات لا يسمحون بتأجير شقة لرجل وامرأة إلا من خلال عقد زواج، وتتولى المؤسسات الدينية إصدار فتاوى تؤكد ذلك. كما تولت السينما والتلفزيون نفس الوجهة، وازدحمت بعشرات المشاهد التي ترى فيها البطلة تصعد للبطل في شقته فيقوم الأخير إما بمحاولة اغتصابها أو إقامة علاقة جنسية معها في حال رضيت بذلك. أما أن يلتقي الأثنان لمناقشة أي أمر فهذا لم يظهر إلا نادراً.

لا أحد سيصدر تشريعاً يمنع وجود صاحب عمل وسكرتيرة وحدهما في مكان العمل لأن ذلك له آثار سلبية على الاقتصاد أما الحريات الشخصية فهي الحلقة الأضعف لممارسة الوصاية

هكذا قادت الدولة من خلال وسائلها وقوانينها خلق مجتمع يرفض أن يتواجد رجل وامرأة في شقة. كما لعبت المعتقدات الدينية دوراً في جعل هذا المجتمع وصياً على بناته وأبنائه، وله الحق في التدخل والعقاب لأنه إن سكت سيكون " قوّاد" أو يسمح بـ"المنكر"، وتلك في الحالتين معصية يجب ألا تحدث.

وحتى لا يتهمني أحد بالتحامل على الدولة، أقول أن مفهوم "الخلوة" لا يقتصر على الشقق السكنية والفنادق، بل ينطبق على أماكن العمل، والسيارات وغيرها. لكن لا أحد سيصدر تشريعاً يمنع وجود صاحب عمل وسكرتيرة وحدهما في مكان العمل لأن ذلك له آثار سلبية على الاقتصاد أما الحريات الشخصية فهي الحلقة الأضعف لممارسة الوصاية. والدليل أن الدولة هي المسؤولة عن أن المواطن نفسه يعتقد أن باستطاعته "اقتحام" شقة سكنية لأن بها رجل وامرأة، لكنه لا يستطيع اقتحام "مكتب" عمل به رجل وامرأة. ولذلك، حين قرأت أن من اقحموا شقة "سيدة السلام" أحيلوا إلى النيابة، فكّرت: ومن يحاكم الدولة التي لا تختلف عن هؤلاء؟

أما "حماة الشرف " الذين يظنّون أنهم يتبعون الدين بانتهاك الحرية الشخصية أعيدهم إلى حديث "هزال"؛ ذلك الرجل الذي جاء للنبي محمد ليقول له إنه رأى واقعة "زنا" فرد النبي "لو سترته بثوبك لكان خيراً لك"، وهو ما يتسق مع النص القرآني الذي يرسخ مفهوم الحرية الشخصية ويمنع مراقبة الناس.

تلك المنظومة أصبحت متهالكة، وكثيرون تمردوا عليها. هناك أماكن في مصر لا تخضع لتلك القوانين وتسمح بوجود رجل وامرأة في مكان مغلق، وهناك رجال ونساء قرروا "المساكنة" في شقق مغلقة دون عقد زواج. صحيح أن ذلك يحدث في نطاق محدود، لكنه يحدث وسيتسع ليكون هناك عالم مواز يحترم الحرية الشخصية للفرد ويرفض الوصاية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard