هل يشجّع رجال الدين في مصر التحرّش الجنسي واستمراره؟

الثلاثاء 26 نوفمبر 201906:20 م

"التحرش الجنسي بكل أنواعه حرام شرعاً وكبيرة من كبائر الذنوب"، هذا ما قاله المؤشر العالمي للفتوى، التابع لدار الإفتاء المصرية، يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني، بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، مجدداً الكلام على ملفّ التحرّش الجنسي، المعقّد بعض الشيء، في مصر.

أكّد المؤشر أن التحرّش "جريمة يعاقب عليها القانون"، مضيفاً أن "الشرع الشريف حذَّر من انتهاك الحرمات والأعراض، وقبَّح ذلك ونفَّر منه، وتوعّد فاعلي ذلك بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة".

من غير المؤكد إذا كانت دار الإفتاء قد انتبهت إلى أن التحديق بالمرأة أيضاً يعتبر نوعاً من أنواع التحرّش الجنسي الجسدي الذي يتضمّن ثمانية أشكال هي اللمس، والشدّ، والحكّ، واعتراض الطريق، والملاحقة والتتبع، والتحديق، وممارسة العادة السريّة علناً، والكشف عن الأعضاء الجنسية علناً.

نتحدّث عن التحديق على وجه الخصوص لإباحة مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة التحديق بالنساء غير المحجبات. وهنا نرى تناقضاً في الرسائل الصادرة عن دار الإفتاء، وهذا ما يدفع بنا إلى السؤال: هل يساهم رجال الدين في مصر في وجود  التحرّش الجنسي أو استمراره؟

"سقطت حرمة النظر إليهن"

قال مفتي الديار المصرية في برنامجه "والله العليم" إن الحجاب احترام للمرأة، مشيراً إلى أن لا أحد يمكنه أن يراها إلا بإذنٍ منها. وضجّت وسائل إعلام عربية ومصرية عام 2015 لدى بثّ الحلقة، إذ وُصف بالشيخ الذي "أسقط حرمة النظر الى المرأة إذا خلعت حجابها".

وكان قد قال إن المرأة إذا تخلت عن حجابها فإنها بذلك "أسقطت حقها الذي وهبها الله لها في عدم السماح للرجال بالنظر إليها"، مستشهداً بقصة قال إنها حدثت مع الإمام جعفر الصادق، حينما ذهب إلى بلاد ما وراء النهر، حيث كانت جميع النساء غير محجبات فقال حينذاك: "سقطت حرمة النظر إليهن".

بذلك، يكون مفتي الديار المصرية قد أباح التحرّش بغير المحجبات حصراً، خاصةً بعد قوله: "تنتقل القضية من العين إلى الدماغ، فلا ينبغي أن تفكر وتستدعي الصور حتى لا تخطو خطوة أخرى"، ناصحاً الرجل بألا يُفكر بعد أن يرى امرأة غير محجبة ليتمالك نفسه، مصوراً إياه مخلوقاً لا يستطيع التحكّم بغرائزه.

تغافل أو تناسي "غَض البصر"

تعليقاً على تصريح المفتي، تقول مديرة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، المحامية والحقوقية والناشطة النسوية المصرية، انتصار السعيد لرصيف22 إن الشيخ علي جمعة أغفل أو تناسى الآية القرآنية التي تنص على غضّ البصر في قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، بإسقاطه حرمة النظر إلى المرأة حال خلع حجابها. 

ولفتت إلى أن هناك مساهمة فعلاً من بعض الشيوخ أو رجال الدين في استمرار التحرّش الجنسي في مصر بسبب "بعض الفتاوى والتصريحات الخاصة بهم والتي تعكس آراءهم المتشددة فكرياً برغم أن التفسيرات الدينية في الإسلام حمالة أوجه، كما يقولون".

وأشارت إلى أن "الآراء المتشددة التي تكرّس النظرة الدونية تجاه النساء تأتي انعكاساً للأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد المخطئة المنتشرة في المجتمع المصري والتي هي، ويا للأسف، أقوى من أي قانون". 

وأشارت إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني الحالي وإبداله بخطاب آخر يعكس قيم المساواة بين الجنسين ونبذ العنف ضد النساء ومناهضته من خلال الاستعانة ببعض شيوخ الدين ذوي الآراء المستنيرة.

تُذكّرنا كلماتها بتصريحات أخرى صدرت في السنوات الماضية، ساهمت جميعها بطريقة أو بأخرى في احتقار المرأة غير المحتشمة وفي إباحة التحرّش بها، نورد بعضها في التقرير:

"المرأة ممكن تفتن ألف رجل"

"المرأة ممكن تفتن ألف رجل، فيما لا يستطيع ألف رجل أن يفتنوا امرأة واحدة"، تعود هذه الكلمات للداعية المصري محمود المصري الذي سأل في برنامجٍ له عام 2018 لماذا ترتدي المرأة الحجاب، فيما يتحرر منه الرجل؟ 

وشدد على أن "فتنة المرأة أشد من فتنة الرجل"، مضيفاً أن "الحجاب مشروع قومي لإصلاح الأمة ونزول الخيرات والبركات". 

وعلى خطى مفتي الديار المصرية، يتلقف المصري فكرة أن وجود المرأة خطر على المجتمع إذا لم تكن محجبة، وأن باستطاعتها أن "تفتن" ألف رجل، محملاً إياها مسؤولية تبعات هذه الفتنة، ومانحاً الرجل رخصة لـ"يُفتَن" من دون أن يُوضح للمشاهدين ما تبعات فتنة المرأة للرجل.

"مش من دول"

من رجال الدين الذين قللوا من شأن المرأة غير المحجبة، وكذلك المرأة المحجبة غير المرتدية "اللباس الشرعي"، الراحل محمد متولي الشعراوي، الذي قال في إحدى محاضراته/خطبه إن "التبرّج هو إلحاح المرأة على عرض نفسها للرجل وكأنها تقول للرجل: 'بصّ' (أنظر)"، قاصداً بذلك المرأة التي ترتدي ملابس "ليست كاشفة ولكنها واصفة"، أي تُوضّح معالم الصدر والخصر والأرداف، على حد قوله. 

وشدد على ضرورة ارتداء المرأة "اللباس الشرعي"، واصفاً إياه باللباس الذي لا يكون كاشفاً ولا واصفاً ولا لافتاً. وسخر من اللواتي لا يرتدين "اللباس الشرعي" خاصةً الأمهات، متسائلاً بالمحكية المصرية: "بتلفت نظر ليه؟"، وأضاف: "إذا كانت المرأة صغيرة في السن، نقول ربما تريد الزواج، ولكن ماذا عن المتزوجة؟". 

وختم: "لما نساء النبي ونساء المؤمنين تلبس حاجات طويلة، يُعلم أنهم مش من دول (هؤلاء)، ما حدّش بتعرّض لهم أبداً"، مجيزاً التعرّض لـ"دول". 

"التبرّج هو إلحاح المرأة على عرض نفسها للرجل وكأنها تقول للرجل: 'بصّ'"... عن رجال دين ساهموا في وجود/استمرارية التحرّش الجنسي في مصر على رأسهم الشعراوي
عن تصريحات تدعم التحرّش الجنسي بالمرأة في مصر، أصدرها رجال دين، على رأسهم الشعراوي

"الشباب يُستثار"

في مشهدٍ فريد من نوعه، ظهر الداعية المصري الشاب مصطفى حسني عبر قناة "إقرأ" مع خمس مانيكانات ليُوضح للمشاهِدات ما هو الحجاب الذي يجوز "مقابلة الله والنبي محمد" فيه. 

وتساءل تعليقاً على لباس المانيكان الأولى التي ترتدي قميصاً ذو أكمام وبنطال جينز وغطاء رأس: "البنطلون ده ينفع تقابلي فيه النبي؟ أو تروحي عند ربنا؟".

ونصح المُشاهِدات بالانتباه لمفاتن أجسادهنّ قائلاً: "الشباب يُستثار"، مشيراً إلى ضرورة إخفاء مفاتن الجسد بما في ذلك الفخذين حتى وإن كانا تحت بنطال. 

من ناحيةٍ أخرى، أصدر الأزهر الشريف بياناً في عام 2018، حرّم فيه التحرش شرعاً، معتبراً أنه سلوك "مدان بشكل مطلق ولا يجوز تبريره بسلوك أو ملابس الفتاة"، ولكن أين نذهب بكل ما قيل في السابق؟ وبالأفكار التي تشبّعت عقول الشباب فيها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard