عام على قوانين الدفاع... الأمن يعصف بالحماية الاجتماعية

الاثنين 22 مارس 202112:01 م

بعد عام من تفعيل العمل بقوانين الدفاع والطوارئ إثر تصاعد جائحة كورونا في المملكة الأردنية؛ وما رافقه من آثار مدمرة على الناس، وخسارة نحو 50% من العاملين لأجزاء كبيرة من رواتبهم، يعيش الكثيرين في قلق وخشية كبيرين تجاه مصيرهم.

جاء تطبيق مثل هذه القوانين، بحسب الحكومة الأردنية، بعد انتشار الوباء بصورة غير معقولة وللتعامل مع الحالات المصابة والقادمة من الخارج.

رائد البستنجي (40 عاماً) من العاصمة عمان تحدث الي رصيف22 عن اوضاعه المعيشية قائلا: "خسرت وظيفتي كمحاسب في شركة تموينية، بعد أن خسرت نصف راتبي بسبب قوانين الدفاع التي أعطت المبرر لصاحب الشركة بتخفيض الرواتب".

يضيف البستنجي، وهو أب لثلاثة أطفال: "اليوم أنا بلا شغل وليس لدي عمل أو مصدر دخل لإعالة عائلتي.. كنت بتمنى أظل بشغلي لكن راتبي بطل يكفيني حتى مصروف مواصلات".

فلسفة قانون الدفاع

في السادس والعشرين من آذار (مارس) الماضي، أعلن الأردن العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992، عبر رسالة وجهها العاهل الأردني ، عبدالله الثاني، للحكومة، وذلك في سبيل تذليل العقبات التي تظهر خلال مواجهة كورونا.

وقتها، طلب من رئيس الوزراء الأسبق، د. عمر الرزاز أن "يكون تطبيق قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه، في أضيق نطاق ممكن، وبما لا يمس حقوق الأردنيين السياسية والمدنية، ويحافظ عليها، ويحمي الحريات العامة والحق في التعبير، التي كفلها الدستور وفي إطار القوانين العادية النافذة، وكذلك ضمان احترام الملكيات الخاصة، سواء أكانت عقاراً أم أموالاً منقولة وغير منقولة".

عام مضى على تطبيق قانون الدفاع،  في ظل غياب أي إجراءات حقيقية للحماية الاجتماعية من قبل الحكومة، وجد الأردنيون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر، إما المرض أو العوز.

المخوّل بتطبيق قانون الدفاع هو رئيس الوزراء، من دون أدنى تقيد بأحكام القوانين العادية المعمول بها. كما يحق له أن يمارس كافة صلاحياته بموجب أوامر خطية، وله حق تفويض هذه الصلاحيات كلها و/أو بعضها لمن يراه أهلاً للقيام بها.

وحول مدى قانونية تخويل رئيس الوزراء بتطبيق قانون الدفاع يعلق المحامي الأردني وعضو منتدى تطوير قطاع العدالة ، يعقوب الفار: "نعم، يعطي القانون رئيس الوزراء الصلاحية لاتخاذ تدابير وإجراءات ضرورية، وتعطيل ووقف العمل بالقوانين العادية بموجب أوامر خطية".

ويبين أن الصلاحيات الممنوحة لرئيس الوزراء "لا تتعارض مع الدستور إن استخدمت في أضيق الحالات، بحيث لا يكون هناك أي تغول وتعدي على حريات وحقوق المواطنين".

وعند سؤاله حول عدد المرات التي طبق فيها الأردن "القوانين العرفية الاستثنائية" بها، أجاب: "كان هناك تطبيق للأحكام العرفية سنة 1957، لكنها كانت مختلفة ومغايرة تماماً عن الصورة أو الصيغة الحالية بسبب الظرف الصحي".

ماذا قدمت الحكومة؟

سلة الحماية الاجتماعية التي قدمتها الحكومة إلى المتضررين خلال فترة الإغلاقات الشاملة، العام الماضي، استهدفت زيادة عدد المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية بمقدار 100 ألف أسرة ليغطي، بالإضافة الى هذه الأسر، بعض عمال المياومة غير المشمولين بمظلة الضمان الاجتماعي.

كما تم تقديم دعم مالي مباشر لاستدامة القطاعات الاقتصادية، بهدف المحافظة على 180 ألف فرصة عمل في حوالي 20 ألف مؤسسة في القطاع الخاص، إضافة الى توفير حوالي 20 مليون دينار ليستفيد منها قطاع السياحة المتضرر من الجائحة.



مظاهرات تندد بقانون الدفاع

شهدت العاصمة الأردنية عمان، الأسبوع الماضي، مظاهرات احتجاجية، تطالب بإسقاط قانون الدفاع وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، بعد أن أدّى انقطاع الأكسجين إلى وفاة تسعة أشخاص في مستشفى السلط الحكومي، ما أثار غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعبر المتظاهرون عن غضبهم نتيجة الأوضاع الاقتصادية والصحية، مطالبين بإسقاط قانون الدفاع، في وقت تسجل المملكة أعلى حصيلة يومية للإصابات بفيروس كورونا منذ بدء الجائحة.


الناشط الشبابي أحمد صالح والذي شارك في وقفة احتجاجية ضمن منطقته بالعاصمة عمان، يقول " نزلنا إلى الشارع لسببين: التقصير الحكومي بحماية أرواح المواطنين، كما حدث بمستشفى السلط، وثانياً بسبب تمديد ساعات الحظر الجزئي، والمطالبة بوقف العمل بقانون الدفاع والاكتفاء بقانون الصحة العامة.

وينص الدستور الأردني في المادة 124 "إذا حدث ما يستدعي الدفاع عن الوطن في حالة وقوع طوارئ، يُصدر قانون باسم قانون الدفاع تعطى بموجبه الصلاحية إلى الشخص الذي يعينه القانون لاتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية بما في ذلك صلاحية وقف قوانين الدولة العادية لتأمين الدفاع عن الوطن".

الحاجة لقوانين دفاع.. ولكن!

ماذا لو دعونا إلى المزيد من قرارات الدفاع، لكن باتجاه إكمال معادلة الحماية الاجتماعية باتجاه قرارات طارئة تخفض بعض الأعباء الأساسية على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل وتحافظ على الفئات الأكثر تضرراً؟

يؤكد الخبير الاقتصادي والاجتماعي، د. عدنان طوباسي في هذا السياق، ضرورة إكمال معادلة الحماية الاجتماعية من خلال تفعيل قرارات طارئة تخفض بعض الأعباء الأساسية على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، وبما يوزع العبء بصورة متكاملة على الجميع.

يقترح طوباسي للتخفيف من أعباء المواطنين؛ إلزام البنوك بتأجيل استيفاء القروض السكنية وغير السكنية وخفض الإيجارات السكنية والتجارية، وترحيل وتأجيل دفع فواتير الكهرباء والمياه وتقسيطها.

كما يقترح تأجيل توريد بعض الضرائب والرسوم، وتخفيض أقساط المدارس الخاصة بنسب متوازنة ومقبولة، وخفض أسعار الطاقة والكهرباء والرسوم على مدخلات الإنتاج على القطاعات الإنتاجية لمساعدتها على العودة إلى العمل والإنتاج دون المس بموظفيها وعمالها.

يقابل طوباسي في حديثه، الخبير السياسي والاجتماعي، د. موسى مطارنة، بالتأكيد على حاجتة الاردنيين إلى إعادة تقييم تجربة قوانين الدفاع التي لم تكن فعالة بدرجة كبيرة، محملاً الحكومة ضرورة التفكير بطريقة مختلفة، وأن تتعامل مع مسؤولياتها بشكل صحيح.

ويجد مطارنة أن على الحكومة تعزيز الحماية الاجتماعية من خلال تعزيز صمود المؤسسات، وتقديم الدعم المالي مباشراً لها، والمساهمة في دفع أجور العاملين لديها، لتمكينها من الصمود وحمايتها من تصفية أعمالها، وبالتالي ضمان تأمين أجور العاملين، واستمرار عجلة الاقتصاد والحفاظ عن القدرة الشرائية للمواطنين.

مقترحات بإلزام البنوك بتأجيل استيفاء القروض، وخفض الإيجارات، وترحيل وتأجيل دفع فواتير الكهرباء والمياه وتقسيطها، وتأجيل بعض الضرائب والرسوم لتخفيف العبء على المواطنين.

تقييم الحماية الاجتماعية

يجد رئيس الوزراء الأسبق، عبدالله النسور، أن التوجيهات الملكية كانت حريصة على أن يكون تطبيق القانون في نطاق ضيق، بشكل لا يمس حقوق الأردنيين وأعطى تحفظات كثيرة، ما يجعل القانون "استثنائيا".

وقد أوضح النسور في تصريح سابق أن قوانين الدفاع التي أصدرتها المملكة جاءت لحماية المواطنين والحفاظ على سلامتهم وليس تقيدهم، مؤكداً أن الوضع الحالي يحتاج إلى نهج من التشاركية بين الحكومة والمواطنين للخروج من الأزمة.

ورأى أن التجربة التي مررنا بها خلال العام الماضي كانت كفيلة لتقييم الغرض من قوانين الدفاع وتماشيها مع الوضع الوبائي، وحاولت قدر الإمكان الحفاظ على العاملين والمؤسسات معاً.

لكن القانوني مهند رجوب يرى أن الجائحة اختبرت ما نواجهه من ثغرات وقصور، كما أظهرت تدهور خطط الطوارئ للقضايا الصحية، وعدم شمول جميع المواطنين تحت مظلة الضمان الاجتماعي.

وأكد رجوب أن هناك الكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كان مصيرها الإغلاق نتيجة الإغلاقات التي فرضتها الحكومة من خلال قوانين الدفاع، بالإضافة إلى تضرر الآلاف من العاملين نتيجة "خسف رواتبهم" إلى النصف، وتعثر الأفراد بسداد قروضهم البنكية.

وهذا بالذات ما حصل مع محسن القريوتي (40 سنة) الذي كان يعمل موظفا في معرض لتجارة السيارة، قبل ان يفقد عمله جراء الجائحة. حين هاتفه موظف البنك أواخر العام الماضي ليبلغه بمراجعته يوم غد، وللضرورة القصوى، يقول محسن لرصيف22: في داخلي كنت أعلم أن الاتصال سيكلفني إخلاء الشقة والحجز عليها وبيعها بالمزاد.. لعدم قدرتي على سداد أقساط البنك، لكن لم اكن اتوقع ان يأتي اليوم الذي أجد نفسي فيه خارج شقتي التي الفتها وحلمت بامتلاكها منذ شبابي".

ويتابع "كنت قد دفعت من ثمن الشقة عند تركها 16 ألف دينار، عشرة آلاف منها دفعة أولى، و6 آلاف توزعت على 24 قسطا لعامين، في حين وقعت على قرض لـ 25 عاما، وقد قصرت بدفع 4 أقساط بعدها بسبب توقف المؤسسة التي كنت أعمل بها عن العمل نتيجة الحظر الشامل، ليقوم البنك على إثر ذلك بالعمل وفق قوانينه، أولها اللجوء إلى القضاء ثم الحجز حتى الإخلاء". يختتم الرجل حديثه قائلا بمراره: اضطرت للانتقال للإقامة في بيت العائلة، والآن اعاون والدي في مخبزه لحين العثور على وظيفة جديدة.

عام مضى على تطبيق قانون الدفاع، حصد في الوباء أرواح، وشردت البطالة اُسر وخربت بيوت. في ظل غياب أي إجراءات حقيقية للحماية الاجتماعية من قبل الحكومة، وجد الأردنيين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر إما المرض أو العوز.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard