حادث اعتداء جديد يسلّط الضوء على عنف الشرطة في الأردن

الخميس 18 مارس 202106:05 م


هل سبق أن طلبت الشرطة للشرطة؟ هذا ما حدث مساء الثلاثاء 16 آذار/ مارس، في الأردن عندما طلب مواطنون النجدة لكي توقف "شرطة النجدة"، وتنقذ مواطناً اعتدى أفراد من الشرطة عليه بالضرب والشتم أثناء محاولة توقيفه شمال العاصمة الأردنية عمان، والتلويح بإطلاق الرصاص على من يحاول إفلات أيديهم عنه على مرأى من سكان الحي وكاميرات أجهزتهم الخلوية.


"الي بقرب بطخه.. وبلعن (..) إلي بقرب" بهذه العبارة هدد واحد من أفراد الشرطة الذين شاركوا في الاعتداء على الشاب، الذي ألقي القبض عليه بعد أن اصطدم بسيارة شرطة النجدة، وانخرط رجال الدورية في سبه والاعتداء عليه بمجرد توقيفه. وعندما حاول سكان الحي إنقاذه قال شرطي: "الي بقرب بطخه" وأطلق رصاصة في الهواء لإثبات جديته في التهديد.

"الي يقرب بطخه"... طلقة في الهواء وتهديد شفهي من دورية شرطية تثير فزع مواطني العاصمة الأردنية. 

وباءت بالفشل كل محاولات سكان الحي بإنقاذ المواطن المقبوض عليه من الضرب، خاصة مع ارتفاع صوته بالرجاء: "يا خوان من شان الله من شان الله يا ناس يا عالم ساعدوني"، الأمر الذي اضطرهم إلى طلب شرطة النجدة لإنقاذه من دورية النجدة.

مرت ساعات بعد وقوع الحادثة دون تعليق أو بيان من مديرية الأمن أو وزارة الداخلية. لكن بعد أن انتشر فيديو الاعتداء على المواطن في مساء اليوم التالي على مواقع التواصل الاجتماعي، سارعت إدارة الإعلام إلى إصدار بيان وصلت إلى رصيف22 نسخة منه.

جاء في البيان: "أوضح الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام تفاصيل إلقاء القبض على أحد الأشخاص مساء أمس (الثلاثاء) في العاصمة والذي ظهر خلاله فيديو جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أكد أنه أثناء قيام إحدى دوريات النجدة بواجبها شمال العاصمة قام سائق المركبة بصدم الدورية دون سابق إنذار وقام بالفرار من الموقع حيث تمت متابعته بتعزيز من دوريات أخرى لحين ضبط المركبة وسائقها‏ ونتج عن الحادث إصابة أحد أفراد الدورية وهو قيد العلاج".

وأضاف الناطق الإعلامي لمديرية الأمن العام في البيان: "تبين أن سائق المركبة كان تحت تأثير المشروبات الكحولية وبتفتيش المركبة ضبط بداخلها كمية من المواد المخدرة".

 الواقعة دفعت ذاكرة الأردنيين لاستدعاء وقائع قريبة كانت الشرطة فيها صاحبة اعتداءات وانتهاكات بحق مواطنين عُزّل

وبعد أن نشرت وسائل الإعلام الأردنية بيان الأمن العام، ظهرت حالة من الاستنكار الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، رافضةً "أي عذر من شأنه أن يلحق الأذى بشخص مطلوب مهما كانت جريمته"، ولحق ذلك الاستنكار بيان أمني آخر وصلت إلى رصيف22 نسخة منه كمحاولة لامتصاص الغضب الشعبي على ما حدث، جاء فيه إيعاز من مدير الأمن العام اللواء الركن حسين الحواتمة للقضاء الشرطي بمباشرة التحقيق في "التجاوزات التي ظهرت أثناء إلقاء القبض على الشخص الذي صدم إحدى دوريات النجدة شمال العاصمة".

وتنص المادة الثامنة من الدستور الأردني: "لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون، ولا يجوز تعذيبه بأي شكل من الأشكال أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً".

وتسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها الأردن على القوانين الوطنية، أي أنها تأتي بعد الدستور وقبل الاتفاقيات الوطنية، وصادق الأردن على اتفاقية "مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة" الأممية في العام 2006 .

وجرت العادة في الساحة الأردنية، عندما تحدث حالات اعتداءات وتجاوزات من قبل رجال الشرطة أثناء استخدامهم القوة المفرطة في القبض على مطلوبين، أن يتم توصيفها على لسان الجهات الرسمية الحكومية أو الأمنية بأنها ممارسات "فردية" لا تعكس أن هناك "ظاهرة" لاستخدام العنف أثناء القبض على المطلوبين.

ذلك التوصيف يخرج مع كل حادثة استخدمت الشرطة فيها القوة المفرطة أثناء عمليات القبض. إلا أن مراجعة سريعة لأرشيف الحوادث تُظهر عدة وقائع ذات نمط متشابه، في وقوع تجاوزات أمنية في عمليات القبض على أشخاص، مثل ما حدث في أيلول/ سبتمبر 2020 حين انتشر مقطع فيديو لقيام شابين من محافظة "الرمثا" بنشر بث مباشر عبر فيسبوك، ادعيا فيه أنه لا توجد شرطة في المنطقة وأنهما يجوبان بالسيارة في الشوارع رغم وجود حظر تجول.

وأثناء البث أوقفتهما دورية شرطة، وطلبت منهما الخروج وبعد مشادات أنزلتهما من السيارة مستخدمة القوة المفرطة وسط صراخهما الذي ظهر في الفيديو.

وفي منتصف العام الماضي، أوقفت مديرية الأمن العام عدداً من أفراد الشرطة بعد ارتكابهم تجاوزات أثناء اعتقالهم أحد الأشخاص في محافظة "جرش"، وأمر مدير الأمن العام بتوقيف بعضهم في مركز إصلاح وتأهيل الشرطة.

كذلك انتشرت فيديوهات في العامين 2015، 2016 ظهر فيهما اعتداء دورية شرطة على مواطن في محافظة "إربد" أثناء القبض عليه، كذلك فيديو وصف بـ"الوحشي" لرجال أمن يعتدون على أشخاص في إحدى الأسواق.


وفي تقرير لها في العام 2019 أعربت مؤسسة "الكرامة"، وهي مؤسسة سويسرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومقرها في جينيف، عن قلقها من أن هناك توصيات هامة لم تعالجها السلطات الأردنية بعد. وتعني بذلك التوصيات التي طرحها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للسلطات الأردنية والتي وصلت إلى 266 توصية، بعد حضور الأردن جلسات "استعراض التقرير الدوري الشامل لوضع حقوق الإنسان في البلاد في العام 2019"، وهذه الجلسات تعقد مرة كل أربعة أعوام.

وبعد فترة وجيزة من دعوة مجلس حقوق الإنسان الأردن إلى تطبيق 266 توصية لتحسين حالة حقوق الإنسان فيه، أعلنت الحكومة الأردنية أنها قبلت بـ131 توصية. لكن في بيان "الكرامة" جاء: "على الرغم من استمرار التعذيب في الأردن، إلا أن السلطات أخذت علماً بتوصية كندا التي دعت إلى اتخاذ تدابير فورية لوقف سوء المعاملة في الحجز، ودعوة إسبانيا المتعلقة بتعديل المادة 208 من القانون الجنائي (وهو ما لم يحدث حتى الآن في الأردن)".

وعبّرت "الكرامة" عن: "قلقها لغياب إطار قانوني شامل لمعالجة مسألة التعذيب في الأردن، و"استمرار مناخ الإفلات من العقاب". وأنه ما تزال محاكم الشرطة الخاضعة لوزارة الداخلية هي المعنية بمعالجة قضايا التعذيب، كما أن الأردن لم يقبل بتوصية الولايات المتحدة بإحالة هذه الحالات إلى محاكم مدنية مستقلة".

وفي تقرير له في العام 2019 كشف مركز "عدالة لدراسات حقوق الإنسان"، وهو واحد من المراكز الحقوقية في الأردن، عن تسجيل 50 شكوى لدى الادعاء العام الشرطي تتعلق بالتعذيب بحسب رصد محكمة التمييز من 1 كانون الثاني/ يناير 2018 حتى 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard