أراد نهاية كنهاية مبارك… عقدٌ على رحيل القذافي وسيرته لا تزال غامضة

الجمعة 19 مارس 202108:51 م

عشر سنوات مرت على مقتل الديكتاتور الليبي، العقيد معمر القذافي، بأيدي معارضيه المدعومين من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عقب انتفاضة شعبية دخلت البلاد بعدها دوامة من الفوضى والانفلات الأمني لم تلُح لها نهاية حتى الآن.


رغم ذلك، لا ينتهي الغموض الذي يلف شخصية القذافي الذي بقي في ذهن البعض "بطلاً قومياً" و"زعيماً وطنياً"، فيما الساخطون عليه يرونه حاكماً فاسداً استأثر بخيرات البلاد وأهدرها على نزواته وحماقاته، ناقمين على حكمه الموناركي/ الأوليغارشي الشمولي الذي حرّم الحزبية وخوّن كل من خالفه.


على كل حال، التحسّر على الدكتاتوريين وحكمهم ليس بجديد على الشعوب العربية. لكن القذافي بتعقيدات شخصيته يظل نموذجاً فريداً كحاكم يتجدد الجدل حوله في ظل ما يتم كشفه بانتظام عن أسرار حكمه أو حياته الشخصية وأيامه الأخيرة.


الغرب حرمه مصير مبارك

في أحدث كشف، قال وزير الخارجية النرويجي إبان الثورة الليبية، جوناس ستور، لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية إن مفاوضات قادتها بلاده بمشاركة حلفاء القذافي وممثلي الثوار كادت تُسفر عن حل سلمي لأعمال العنف وتُجنّب البلاد أهوال الحرب الأهلية المستمرة إلى الآن، مبرزاً أن كبرى الدول الغربية عرقلت ذلك، حسبما نشر في 18 آذار/ مارس الجاري.


قبيل إطاحته، راجت أنباء عن أن القذافي "مستعد للحوار مع الثوار والناتو" أو أنه "عرض تنحيه لصالح نجله"، من دون تفاصيل. وظلت الفكرة الأكثر شيوعاً أنه تمسك بالسلطة وقاد البلاد للحرب الأهلية.


أما ستور، فأوضح أنه عقب مرور شهرين على الاحتجاجات الشعبية، ومع مصرع المئات خلال القتال بين القوات الحكومية الليبية والمتمردين المدعومين من الناتو، كانت المفاوضات الجارية بين الطرفين المتحاربين تسري بشكل إيجابي في غرفة فندق على بعد 2000 ميل من العاصمة طرابلس، حيث تم التوصل إلى صفقة سرية لإنهاء المعارك.


برغم مهاجمة القذافي للثوار ووصفه إياهم بـ"الجرذان" وتعهده سحقهم، نصّت مسودة الاتفاق على أن يتنحى عقب 42 عاماً في السلطة، ويبتعد عن السياسة، مع استمرار عمل مؤسسات الدولة كما هي.


يبدو أن القذافي أراد مصيراً يشبه مصير الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك حين تنحى عن السلطة وقرر البقاء في بلاده. قال ستوك إن الأمر الخلافي كان بقاء القذافي في ليبيا، كما أصرّ، بينما أراد الثوار نفيه خارجها.


لم تجرِ الأمور كما خُطط لها بسبب إصرار غربي على ما يبدو لتغيير نظام الحكم في ليبيا البلد النفطي ذي الموقع الإستراتيجي المهم على البحر المتوسط. قال ستور: "شعرت أن العقلية السائدة في لندن وباريس لم تكن منفتحة على التفكير بجدية في الخيار الدبلوماسي".


ثم استطرد: "لو كانت هناك رغبة في المجتمع الدولي لمتابعة هذا المسار ببعض الضغط والتفاني، أعتقد أنه كانت هناك فرصة لتحقيق نتيجة أقل دراماتيكية وتجنب انهيار الدولة الليبية".

"كانت هناك فرصة لتحقيق نتيجة أقل دراماتيكية وتجنب انهيار الدولة الليبية"... دبلوماسي غربي يقدم رواية جديدة تُبرئ القذافي من قيادة ليبيا إلى الحرب الأهلية بزعم تمسكه بالسلطة، ويؤكد: وافق على التنحي وأراد البقاء في بلده

حرص على الوطن من الطرفين 

وكثيراً ما وجهت الاتهامات للغرب، تحديداً أمريكا وبريطانيا وفرنسا، بالسعي لتغيير نظام القذافي بأي ثمن. وهي تنفي ذلك. تخصّ رواية ستور بالاتهام كلاً من رئيس وزراء المملكة المتحدة آنذاك ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي وقتذاك نيكولا ساركوزي، في حين قال إن وزيرة الخارجية الأمريكية حينذاك، هيلاري كلينتون، كانت تدعم الخيار التفاوضي.


في 17 آذار/ مارس عام 2011، صوّتت الأمم المتحدة لمصلحة التدخل بغية منع القذافي من "قتل شعبه"، ونفذت طائرات الناتو أكثر من 7000 غارة جوية ضد القوات الليبية على مدى الأشهر السبعة التالية.


مع ذلك، استمر حلفاء القذافي في السعي إلى نتيجة تفاوضية بهدوء. ودعا سيف الإسلام، نجل القذافي الأثير والأشهر، كبار المسؤولين النرويجيين إلى طرابلس لقيادة المفاوضات. قال ستور إن اثنين من كبار المسؤولين النرويجيين كانا في القصر الرئاسي بطرابلس مع سيف الإسلام حين صدر قرار الأمم المتحدة، ونُقلا على الفور عبر الحدود إلى تونس حفاظاً على سلامتهما من الضربات الوشيكة.


اللافت أن النرويج كانت عضوةً نشطةً في حملة الناتو على ليبيا حيث أسقطت نحو 600 قنبلة. لكن رئيس وزرائها آنذاك، ينس ستولتنبرغ، الذي يشغل الآن منصب الأمين العام للناتو، طلب من وزير خارجيته، ستور، مواصلة المحادثات السرية، واستضافتها في النرويج.


بعد أسابيع من المحادثات المنفردة، نجح ستور في تنظيم أول لقاء مباشر بين كبار مسؤولي النظام والمعارضة بفندق في أوسلو في 27 نيسان/ أبريل عام 2011. مثّل القذافي فيه محمدُ إسماعيل الساعد الأيمن لسيف الإسلام، ومثّل المتمردين علي زيدان، الشخصية البارزة في المجلس الوطني الانتقالي المعارض الذي أصبح رئيساً للوزراء بعد ذلك.


قال ستور إن الجو العام للقاء كان "عاطفياً" وإن الطرفين تعاملا بودّ، وكان بادياً أن الجميع "يحرصون على بلدهم".


في النهاية، تم التوصل لـ"خطة شاملة" لإنهاء الأزمة، تنص في سطرها الأول على أن "العقيد القذافي قرر التنحي عن السلطة وإنهاء المرحلة الأولى من الثورة".


لا يستطيع ستور أن يجزم إذا كان القذافي كان بصدد التنحي بالفعل أو أن معارضيه كانوا سيلتزمون الاتفاق، لكنه أصر على أن الدول الغربية الكبرى لم تكن مهتمة بالتوصل إلى تسوية تفاوضية. وحدث ما حدث؛ أسر المعارضون المدعومون من الناتو القذافي وقتلوه كما قُتل أكثر من 1000 مدني خلال هذه المعارك، وفق أحدث بيانات مرصد الخسائر المدنية (Airwars). 

الكثير من أقواله تستخدم للتندر والاستهزاء، والفكرة العامة أنه حاكم متهور وسفيه أنفق خيرات ليبيا على نزواته وحماقاته. لكن القذافي كان حكيماً بالقدر الكافي عقب غزو العراق ليبدل سياسته مع الغرب ويهادن حتى لا يلقى مصير صدام حسين

ومنذ تدخل الناتو في النزاع، قُتل ما يراوح بين 12000 و30000 ليبي، وفق أرقام رسمية.


ويُصرّ ستور على أن كل هذا كان يمكن تفاديه "لو كانت هناك إرادة (من الدول الكبرى) للقيام بذلك (الوصول لحل تفاوضي)... كان بإمكان المرء أن يتخيل نوعاً من وقف إطلاق النار في الحملة العسكرية بغية السماح للدبلوماسيين بالتحرك".


متهوّر وسفيه... حكيم أحياناً

في المخيلة، القذافي قائد طائش وسفيه جلب لبلده الويلات جراء تدخله في الدول الأخرى وتدبير/ تمويل المؤامرات والحوادث الإرهابية في الغرب، وقد كبدّت الخزينة الليبية - وما زالت تكبدها- المليارات من الدولارات.


في حين لا يمكن نفي هذا عنه، بشكل قاطع على الأقل، إلا أن كل صفة ليست دائماً ذات وجه أو تأويل واحد. على سبيل المثال، في 23 أيلول/ سبتمبر عام 2009، وفي خطابه الأول أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة آنذاك، انتقد القذافي الأمم المتحدة ومؤسساتها بلهجة شديدة الحدة، لا سيّما مجلس الأمن ووكالة الطاقة الذرية، قائلاً إنها "مسلطة علينا فقط" و"ترهب العالم الثالث" و"لا تخضع لها الدول الكبرى". 



ومزّق آنذاك ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتبره بلا جدوى في ظل حق الفيتو أو النقض المخوّل للأعضاء الدائمين في المنظمة الدولية. يتم تداول القصة كأحد أطرف وأغرب الخطابات السياسية في العالم. لكن لا يُنكر أحد أن ما قاله القذافي ذات وجاهة إن لم يكن صائباً تماماً.


قد يبدو مستغرباً أن الشخص الذي تحدث بأسانيد موضوعية وعبارات جريئة هو نفسه الذي توجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رسمي لـ"تفكيك سويسرا"، وتوزيعها على الدول المجاورة، عام 2009، لغضبه من اعتقال السلطات السويسرية أحد أبنائه عقب اتهامه بإساءة معاملة موظفين لديه. هنا تتجلى بشدة تعقيدات شخصيته.


وبينما يتم التندر والاستهزاء بتعابيره وخطاباته السياسية في كثير من الأحيان، كان القذافي ذكياً بما يكفي ليدرك أن عليه تغيير طريقته المتعجرفة مع العالم وإنهاء عزلته الدولية بطرق حكيمة عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، خشية ملاقاة مصير مماثل لصدام حسين على الأرجح.

عقب عشر سنوات على مقتله، يظل غير مفهوم كيف تمكن القذافي، بعدما قاد انقلاباً عسكرياً أخضع البلاد لحكمه وهو في عمر الـ27 فقط، من تحقيق استقرار أمني فشلت كل السبل لتحقيقه منذ إطاحته

اتُهم القذافي بتمويل أعمال عنف كثيرة استهدفت مواطنين غربيين، أبرزها إسقاط طائرة أمريكية معروفة بـ"قضية لوكربي"، راح ضحيتها 259 شخصاً، معظمهم أمريكيون، وتفجير ملهى في برلين عام 1986، راح ضحيته ثلاثة قتلى و260 جريحاً. كذلك اتهم بأنه "بارك وموّل" عملية خطف وزراء أوبك من العاصمة النمساوية فيينا عام 1975. 


وحديثاً، سُرّبت تسجيلات صوتية للقذافي يحرض فيها شخصيات بارزة في مجلس التعاون الخليجي على إثارة الفوضى لقلب نظام الحكم في السعودية والكويت. لم يكن هذا مستغرباً على الرجل الذي سعى طوال عقود وراء الزعامة العربية والأفريقية والإسلامية وكان يطلق على نفسه لقب "ملك ملوك أفريقيا".


لتدارك بعض أخطاء الماضي، وضع القذافي - ربما بمساعدة مستشاريه- خطةً تضمنت تصفية الخلافات القانونية مع دول غربية، وطلب دعم شخصيات سياسية وأدبية غربية لمنح نظامه غطاءً دوليّاً، بمن فيهم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما، وعالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز، من خلال شركات ضغط سياسي أمريكية، وشركات علاقات عامة، تعاقد معها لاستقدام هذه الشخصيات إلى خيمته.


تخلّى القذافي كذلك رسميّاً عن مشروعه النووي، الذي ذكرت تقارير إعلامية أنه بلغ مرحلة متقدمة، وأفرج عن الممرضات البلغاريات المتهمات بحقن أطفال ليبيين بدم ملوّث بفيروس الإيدز.


مهووس جنسياً؟

في حين أن القذافي اتُهم بالاغتصاب والاستعباد الجنسي، وفق العديد من شهادات ضحايا من الجنسين، وقد نُشر عنها مراراً في مؤلفات وتقارير إعلامية وأفلام وثائقية. امتدحت الفنانة الاستعراضية التونسية نجلاء أخلاق القذافي، قائلةً إنه كان يصوم يومي الاثنين والخميس على مدار العام ولا يقرب الخمر أو يحتمل الدخان.


وكانت نجلاء في عداد الفنانين الذين أغدق الزعيم الليبي الراحل عليهم الأموال وقربهم إليه لأسباب لم تكن واضحة أحياناً. وقد كشفت، خلال العام الماضي، تفاصيل علاقتها الخاصة به، مشددةً على أنها لم تكن جنسية بل "تعاطف معها" لمنعها من دخول مصر و"أعجب ببساطتها وتلقائيتها"، فدعاها إلى ليبيا وأنتج لها إسطوانة وأرسل إليها الهدايا.


ووجدت صحافية فرنسية أن القذافي ارتكب الجرائم المتعلقة بالجنس كـ"سلاح من أسلحة السلطة" ولـ"السيطرة على الغير" لا لمجرد الهوس الجنسي، عقب لقاءات عديدة مع ضحاياه.

وجدت صحافية فرنسية أن القذافي ارتكب الجرائم المتعلقة بالجنس كـ"سلاح من أسلحة السلطة" ولـ"السيطرة على الغير" لا لمجرد الهوس الجنسي، عقب لقاءات عديدة مع ضحاياه.

حياة البذخ التي عاشها القذافي وعائلته وحاشيته لم تكن خافية خلال حياته. لكن ما تكشف عنها عقب مقتله كان مثيراً على نحو خاص. وليس أدل على ذلك من القصر الطائر الخاص به، الطائرة الرئاسية الليبية، التي كانت تشتمل على حوض استحمام ساخن وسينما وغرفة نوم رئيسية محاطة بالمرايا.


وعقب فراره، عثر مقاتلون في مجمع باب العزيزية بطرابلس على مسدسات مطلية بالذهب وطاردة ذباب من ريش الطاووس يعلو مقبضها فيل من الذهب. وكشف التحقيق مع أفراد أسرته ومقربين منه عن المزيد في هذا الصدد.


علاوةً على كل ما سبق، يظل محيراً كيف فرض القذافي - الملازم الأول الذي قاد انقلاباً عسكرياً عام 1969 امتلك به زمام السلطة في ليبيا وهو في عمر الـ27 عاماً فقط، عبر حكم الفرد الواحد، استقراراً أمنياً على تلك المساحة الجغرافية الشاسعة بقبائلها المتناحرة. 


ولم تنعم ليبيا بأي استقرار أمني منذ إطاحته حتى مع استخدام السلطات الجديدة القمع والعنف، إلا أنها فشلت مراراً في نزع أسلحة الجماعات التي قاتلت نظامه، كما فشلت أي قوة في إحكام قبضتها على البلاد كاملةً مع كل التدخلات الخارجية الطامعة في ثروات البلاد

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard