القصة السرّية بين بوتفليقة وكارلوس ... ويلٌ لصدّام من صنّاع الأفلام

الأربعاء 6 يناير 202101:55 م

ما قرأتُه عن كتاب "بوتفليقة: القصة السرية" للجزائري فريد عليلات، يجدد الأسئلة عن تزوير التاريخ، واختلاقه أحياناً، حتى في حياة أصحابه، وإن ظلت نماذج استثنائية مهزومة تحقق انتصارات على أعدائها: جيفارا وجمال عبد الناصر ربما.

لا تتاح لي تفاصيل العلاقة المتوترة بين أحمد بن بلة وهواري بومدين، ولهذا أتجنّب الخوض في ذلك الصراع على السلطة، بعد خطوة من الثورة وقبل خطوات من الدولة. مثل هذا الصراع القُطبي في العالم العربي ساحته محدودة، قمة مدبّبة تضيق فلا تتسع إلا لواحد أحد. أقفز من تلك الساحة الملتهبة، إلى سعي عبد العزيز بوتفليقة إلى وراثة بومدين، لينتقل من وزارة الخارجية إلى القصر الرئاسي.

في هذا الكتاب توثيق لمشاعر بوتفليقة إزاء الزعيم؛ فبدلاً من الشعور بالامتنان، فإنه يكنّ لبومدين "الكره الأكبر في العالم"، كما قال للشريف مساعدية الذي ردّ على بوتفليقة قائلاً: "من غير بومدين، ما كنتَ لتصبح مدير ناحية".

لا يعنيني "الواقع"، وإنما كيف تعالجه الدراما. وإذا كان المهزوم يعجز عن سرد روايته، ويستبدّ المنتصر بكتابة التاريخ فينتقم من أعدائه، فإن الزعيم المهزوم يترك الشعب مستباحاً للدراما. في عام 2008 قدم الفيلم المصري "كباريه" امرأةً اسمها "أم حبشي" (الممثلة هالة فاخر)، أغلب الظن أنها عراقية.

"أم حبشي" امرأة ثرية تنتج أعمالاً لمطربين صاعدين بهدف اصطيادهم، ولكلّ صيد فتيّ فترة صلاحية، ثم تهجره ويرسو مزاجها على غيره. شخصية درامية أغضبت عراقيين اتّهموا صُناع الفيلم باستغلال ضعف "الدولة"، وأنهم في فراغ الاحتلال الأمريكي اجترأوا على هذه الإساءة المجانية التي لا تضيف إلى الفيلم. ومن المستحيل في الأحوال الطبيعية وجود هذه الشخصية، في فيلم أو مسلسل مصري، بملامح تدلّ على العراق أو على أي دول عربية.

عام 2015 أخبرني أحد المقربين من كارلوس في السودان أن وزير الخارجية بوتفليقة تفاوض مع كارلوس، باسم المملكة العربية السعودية، وكان وزير البترول السعودي بين الرهائن

ولا يعنيني هذا الخيال الانتهازي العمومي، وإنما أناقش تزوير الوقائع في الفيلم الروائي "كارلوس ـ ثمن ابن آوى" الذي لا يزال بطله حيّاً، وإن كان رهين السجن مدى الحياة في فرنسا. شاهدت الفيلم الذي أخرجه الفرنسي أوليفييه أوساياس في مهرجان أبوظبي السينمائي عام 2010، وأشفقت على بطله، إيليتش راميريز سانشيز الشهير بـ"كارلوس" (الممثل الفنزويلي إدغار راميريز).

كان عمر البشير قد سلم كارلوس عام 1994 إلى فرنسا، في صفقة سياسية ليست موضوع هذا المقال، ولا موضوع الفيلم الذي لم يكن ليتجاهل واقعة مركزية في مسيرة كارلوس، حين احتجز وزراء النفط في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، في فيينا عام 1975، واقتادهم كرهائن إلى الجزائر التي كانت ترفع شعارات ثورية راديكالية، بعد غروبِ ما كانت تمثله مصر عبد الناصر. عملية نوعية لا يزال بعض لصوصها وشهودها أحياءً، وأحد الشهود هو صديق كارلوس، اللبناني أنيس النقاش (يؤدي دوره الممثل اللبناني رودني حداد). فكيف "تحايل" صناع الفيلم على عقبتين، هما معمر القذافي، ووزير الخارجية بوتفليقة الذي صار رئيساً للجزائر؟

أسهل الحلول الدرامية أن ينتصر صناع الفيلم على جثة ميت ليس له ورثة يدافعون عنه، ويحتجّون على تزوير تاريخه. وتغلّب صناع الفيلم على عقبة القذافي بالاستقواء على صدام حسين، زاعمين أنه أوعز إلى كارلوس في تنفيذ عملية فيينا. تزوير درامي كذّبه رفاق كارلوس، وقالوا إن القذافي هو الذي بارك وموّل، ولم يكن الفيلم ليتّهم القذافي، في شهر عسل مع الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني.

أما عن بوتفليقة ففي عام 2015 أخبرني أحد المقربين من كارلوس في السودان أن وزير الخارجية بوتفليقة تفاوض مع كارلوس، باسم المملكة العربية السعودية، وكان وزير البترول السعودي بين الرهائن. عرض بوتفليقة ـ باسم الموكِّل السعودي ـ على كارلوس أن يفرج عن الرهائن كافة، من دون مطالب سياسية، في مقابل فدية مالية تبلغ 20 مليون دولار ينالها كارلوس قبل الإفراج، وبعد إتمام الصفقة تذهب خمسة ملايين دولار إلى الوكيل الذي اقتطع مليون دولار آخر من العشرين التي تسلمها كارلوس.

كان البشير قد احتال على تسليم كارلوس بالموافقة على زواجه بمسلمة، ولا بدّ لصحّة الزواج أن يعلن كارلوس إسلامه. تمّ تخدير كارلوس، وأفاق بأيدي المخابرات الفرنسية؛ فلا تزوّج ولا صلّى

هذه دراما معقدة يختلط فيها النفوذ السياسي بالانتهازية. والسعار على المال يغري إنساناً بالتخلي عن الوقار الدبلوماسي، فينتهج سلوكاً يحمل ملامح القبضاي وأخلاقَ وسيط فضّ المشاجرات في الأسواق بعد قبض الثمن، فضلاً عن دوْس قيم نبيلة تتبناها دولة الوكيل. وأظن بومدين مات وهو لا يعرف تفاصيل هذه الصفقة.

ولم يكن الفيلم ليجرؤ على أن يشير إلى هذه الدراما، أو يتطرق إلى أنه كمْ حقيبة وُضعت فيها تلك الملايين العشرون، وكذلك الملايين الخمسة للوزير الوكيل، أما المليون "العمولة" فأظنه كان نقداً، من يد كارلوس إلى الوزير. أليست هذه التفاصيل المسكوت عنها في الفيلم أعمق كشفاً للضعف البشري، وأكثر درامية من الفيلم كله؟ ولكنها ربما تكون موضوع فيلم مقترح، بعد زوال الرئيس والمملكة.

لن يغفل الفيلم المقترح رئيساً آخر زال ملكه بعد ثورة شعبية، ومثوله عام 2020 للمحاكمة متهماً بالاستيلاء على السلطة في انقلاب عام 1989. إنه الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير الذي ينفّذ حالياً أغرب حكم قضائي على رئيس في التاريخ. ففي 14 ديسمبر 2019 قضت محكمة سودانية بإيداعه في مؤسسة للإصلاح الاجتماعي لمدة عامين. وكان البشير قد احتال على تسليم كارلوس بالموافقة على زواجه بمسلمة، ولا بدّ لصحة الزواج أن يعلن كارلوس إسلامه، وصحة الإسلام تقتضي إجراء عملية الختان للمسلم الجديد. تمّ تخدير كارلوس، وأفاق بأيدي المخابرات الفرنسية. فلا تزوّج ولا صلّى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard