لبنان 2020... غلبة ثقافة القمع والقادم لا يشي بواقع أفضل

الخميس 18 مارس 202105:39 م

هذا النص هو جزء من "التقرير السنوي 2020" الذي أصدرته "مؤسسة سمير قصير"، تحت عنوان فرعي "لبنان 2020 وثقافة القمع وتطويع الإعلام وحرية التعبير":

غلبت ثقافة القمع على الساحة في لبنان. فبعد أن تراجعت حرية التعبير والإعلام بشكل تدريجي خلال السنوات الماضية، جاءت سنة 2020 لتعزز هذه الثقافة عبر انتهاكات مختلفة بالتنفيذ والمضمون، فبات لبنان اليوم على غرار الدول المستبدة والبوليسية، حيث تمارس السلطة فيه استبدادها عبر أجهزتها الأمنية المختلفة، أو عبر ميليشيات أحزابها، أو سياسييها، أو من خلال استخدام قوانين التشهير الفضفاضة والمبهمة، فضلاً عن محاكمة عشرات المتظاهرين أمام محاكم عسكرية. هذه الثقافة هي انعكاس لما تعيشه تلك السلطة من تخبط بسبب عدم قدرتها على إيجاد حلول للأزمات المالية، والاقتصادية، والسياسية، ولا سيما بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس وعجز السلطة القضائية عن محاسبة الجناة، لتُضاف ثقافة الإهمال والفساد وتبادل التهم إلى سجل هذه السلطة.

وعلى الرغم من أن السلطات اللبنانية الحالية أكدت مرات عدة، وعلى لسان رئيس الجمهورية ميشال عون وغيره من المسؤولين الرسميين والأمنيين، على احترام حق حرية التعبير المكفول في الدستور اللبناني، والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقّع عليه لبنان وهو شريك فيه، إلا أن ما يحصل على أرض الواقع مختلف كلياً.

فرسمياً، امتنعت الدولة اللبنانية عن توقيع البيان الختامي للاجتماع الوزاري الصادر عن المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام، بحجة "التحفّظ على بعض العبارات التي تتعارض مع القوانين اللبنانية"، وتحديداً تلك المدافِعة عن حق مثليي الجنس بحرية التعبير والوصول إلى الإعلام، فظهرت فيها كحكومة تعاني من "رهاب المثلية". كذلك قامت بتفعيل العمل بإجراء قديم يعود إلى أيام الوصاية السورية، والذي يفرض على الصحافيين والمراسلين الحصول على ترخيص مُسبق من قِبل مديرية التوجيه في الجيش اللبناني للسماح لهم بالتصوير وإجراء مقابلات صحافية مع المواطنين في وقت تشهد البلاد تحركات شعبية يومية على أراضيها.

لكن التنصّل الأكبر من كل المواثيق الدولية تجسّد في استخدام القوّة المفرطة والعنف غير المبرر بحق المتظاهرين وبحق المصورين والصحافيين والمراسلين، إذ تعددت أساليب عناصر مكافحة الشغب والجيش اللبناني بالاعتداء عليهم بالضرب، وتكسير معدّاتهم الصحافية وهواتفهم، واستهدافهم بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع، خلال مشاركتهم وتغطيتهم اعتصامات وتحركات الثورة الشعبية، بهدف منع الجسم الإعلامي من نقل ما يحدث من تجاوزات بحق المتظاهرين. كل تلك التعديات حصلت من دون أي محاسبة حقيقية لمناصري الأحزاب، أو العناصر الأمنية التي اعتدت على الطواقم الصحافية والمتظاهرين، والتي يفترض بها أن تحمي هؤلاء، إلا أن عدداً من تلك الانتهاكات كان يحصل أمام أعين عناصر القوى الأمنية.

ولا يخفى على أحد أن قوى الأمن الداخلي والجيش يحصلان على دعم مالي من الدول المانحة، ما يضع المسؤولية الأكبر على الجهات والدول المانحة، التي يجب أن تلعب دوراً في الضغط على قادة القوى الأمنية أو المسؤولين عنهم، لفرض شروط جديدة للحصول على دعم وتمويل، وتحديداً في ظل حالة الإفلات من العقاب وعدم المحاسبة. وعلى تلك القوى أن تُثبت أمام المجتمع الدولي احترامها لحرية التعبير عبر الشروع بخطوات عدة، أبرزها المحاسبة وتعزيز المساءلة كي يكون معياراً للجهات المانحة لترى مدى احترام لبنان لالتزاماته الدولية.

"بات لبنان اليوم على غرار الدول المستبدة والبوليسية، حيث تمارس السلطة فيه استبدادها عبر أجهزتها الأمنية المختلفة، أو عبر ميليشيات أحزابها، أو سياسييها، أو من خلال استخدام قوانين التشهير الفضفاضة والمبهمة..."

ويطغى التسييس على المشهد الإعلامي في لبنان الذي أصبح سبباً إضافياً لتعرض الإعلاميين للمضايقات والاعتداءات من قِبل المتظاهرين أو مناصري الأحزاب الأخرى أثناء التغطية الميدانية، حيث كان تصنيف المراسلين بحسب وسائل الإعلام التي يعملون فيها، وبخاصة الذين يعملون لدى وسائل الإعلام القريبة من السلطة، أو التي تمثل منبراً إعلامياً لأحزاب سياسية معارضة للذين يتواجدون على الأرض. ناهيك عن حملات تخوين وتهديد وتحريض وشتم من قِبل جيوش إلكترونية مناصِرة لأحزاب سياسية لبنانية، طالت عدداً من الصحافيين على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب آرائهم.

هذا الواقع يُسلّط الضوء على أمرين أساسيين. أولاً، حاجة الصحافيين والمصورين الفعلية إلى تدريبات على كيفية ضمان أمنهم وسلامتهم الجسدية، وأيضاً في ما يتعلّق بأمنهم الرقمي، إذ أن معظم الصحافيين لم يحصلوا على التدريب الكافي لحماية أنفسهم إن كان ميدانياً خلال التغطيات على الأرض أو في العالم الافتراضي لمواجهة الجيوش الإلكترونية للأحزاب السياسية. وثانياً، التأكيد على ضرورة تمكين ودعم منظمات المجتمع المدني وتحديداً التي تُعنى بحماية حرية التعبير ورصد الانتهاكات، وما تقدمه تلك المنظمات من حملات توعية لإشراك كافة شرائح المجتمع في حماية حرية التعبير، كي تكون قوة ضاغطة إضافية للقيام بإصلاحات قانونية تتعلق تحديداً بالمواد والقوانين التي تطال تلك الحرية.

"ثقافة القمع في لبنان هي انعكاس لما تعيشه السلطة من تخبط بسبب عدم قدرتها على إيجاد حلول للأزمات المالية، والاقتصادية، والسياسية، ولا سيما بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس وعجز السلطة القضائية عن محاسبة الجناة"

ولجأت السلطة في ظل عجزها عن حل الأزمات التي تمر بها البلاد إلى قمع الحريات وملاحقة كل من ينتقدها على وسائل الإعلام التقليدية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة بعد أن كسرت ثورة 17 تشرين جزءاً كبيراً من حاجز الخوف، وتحديداً المتمثل في انتقاد شخصيات سياسية أو أمنية أو دينية نافذة. وكانت تدخلات السياسيين واضحة في القضايا المتعلقة بحرية التعبير، فمثلاً معظم أحكام المطبوعات تُدين المدعى عليهم، وهم في الأغلب صحافيون، أمام المدّعين وهم شخصيات سياسية رسمية. من جهة ثانية، نلحظ وبشكل ملفت هذه السنة، تصاعد أرقام الاستدعاءات من قِبل النيابة العامة التمييزية والأجهزة الأمنية المختلفة، ليسجل لبنان أكثر من 30 حالة استدعاء وتحقيق بحق الصحافيين والناشطين بتهم مختلفة، محمية بمواد وقوانين مطاطية مبهمة تخدم مسؤولي السلطة السياسية الذين هم في العادة الجهة المدعية، في وقت تتقاعس الأجهزة الأمنية والقضائية عن ملاحقة الذين يعتدون على الصحافيين والناشطين.

وتعززت هذه الملاحقات بتكليف النائب العام التمييزي خلال شهر حزيران/يونيو كلاً من المباحث الجنائية بملاحقة ناشري تدوينات معارضة لرئيس الجمهورية، و(تكليف) الأمن العام بإجراء التحقيقات عن ناشري أخبار ارتفاع سعر الدولار، فبات كل من يريد أن ينتقد رئاسة الجمهورية أو الارتفاع الجنوني للدولار في ظل انهيار الليرة اللبنانية معرضاً للمحاسبة، إن كان من خلال الحبس الاحتياطي لترهيبه بعد استدعائه، أو من خلال محاكمات مطوّلة تُرهق الصحافيين وتشد الخناق أكثر على حرية التعبير.

لذلك، من الضروري العمل أولاً على تحديد صلاحيات "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية" بعيداً عن القضايا التي تتعلق بحرية التعبير، ومن جهة أخرى ضرورة تدريب المحامين والقضاة وحتى القوى الأمنية على كيفية التعاطي مع تلك القضايا لضمان احترام حرية التعبير للأفراد، والحد من التدابير القسرية من احتجاز احتياطي، وتوقيع تعهد، وإجبارهم على مسح منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي تحت تهديد الاحتجاز، وغيرها من التدابير التي تُتّخذ من قِبل الأجهزة الأمنية قبل الخضوع للمحاكمة، لئلا يلجأ الناشط أو الصحافي إلى الرقابة الذاتية ليحمي نفسه من تكرار مثل تلك التجربة.

لبنان الذي كان يتمتّع بنسبة لا بأس بها من الحريات مقارنة بدول الجوار، سجل هذا العام أكثر من 190 انتهاكاً موثقاً بحق الجسم الإعلامي والثقافي والناشطين والكتاب والمخرجين، إذ أصبحت أولوية السلطة وأجهزتها قمع الآراء المعارضة أو النقدية لسوء إدارتها للبلاد، في ظل ما يشهده لبنان من أزمات متتالية، ما يؤكد لنا أن القادم لا يشي بواقع أفضل بل بمزيد من التكبيل والقيود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard