"بالكاد عم نعيش، نحنا يمكن ميّتين"... انتفاضة أبناء طرابلس ضد عجز السلطة اللبنانية

الخميس 28 يناير 202105:33 م

"الغلا بالأسواق خلّا الفقير يجوع"، تقول السيدة الخمسينية فاطمة، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أولاد، يعيش جميعهم في منزل قديم متهالك في حي شعبي فقير يُطلَق عليه اسم "المهاترة"، في مدينة طرابلس، شمال لبنان، وتضيف مازحة: "في ناس كتيرة زعلانين من اللحمة والطبيخ، لهيك ما عم يفوّتوها عَ بيوتهم".

تعيش فاطمة وأولادها في منزل أبيها الثمانيني، بموجب عقد إيجار قديم، وتتحدث لرصيف22 عن معاناتها في تأمين قوت يومها وإيجار المنزل، مع أنه زهيد: "بيي ما بيشوف وأنا عندي ديسك ما فيي إشتغل وابني لي عندو شهادة بريفيه (شهادة متوسطة) حِفْيو إجريه وما لاقى شغل، وهلأ عم دبّر حالي بمدخول بيتراوح بين 5 و10 آلاف ليرة (دولار واحد تقريباً) يومياً، بيجيبهن ابني الصغير (12 سنة، في الصف الخامس الأساسي) من بيع الحديد والبلاستيك لي بيجمعهن، بس كيلو الخيار صار بـ6 آلاف. كيف بدنا ناكُل ونشرب ونعلّم ولادنا؟!".

لا يختلف حال أبو جهاد (55 سنة) عن حال السيدة فاطمة. هو أب لستة أولاد، ولديه طفلان يحتاجان علاجاً لمرض القلب، ويعمل على عربة قهوة في ساحة النور ويتراوح مدخوله اليومي بين 15 ألفاً و20 ألف ليرة، أي ما يعادل دولارين فقط. يقول: "بعت كل عفش بيتي من سنة لهلأ لعيّش أولادي، عندي ولدين كبار عاطلين عن العمل، ومكسور عَ أجار البيت وصاحبه بيقلّي صار لازم إترك، صرنا أنجأ (بالكاد) عم نعيش، نحنا يمكن ميتين".

ويضيف لرصيف22: "ما فيني وقّف شغل عَ العرباية بظلّ الإقفال التام. شو البديل لي عطونا ياه؟ وكيف الناس ما بدّا تنزل تتظاهر؟ مع إني ضد الصراع مع القوى الأمنية".

هذه القصص ليست سوى جزء من واقع مأساوي يعيشه غالبية الطرابلسيين منذ سنين. معظمهم يقطن في أحياء شعبية فقيرة ليس فيها أدنى مقوّمات الحياة، ثم أتت الأزمة النقدية والاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ نهاية عام 2019، وما تلاها من انهيار لسعر صرف العملة اللبنانية وانعكاس ذلك على أسعار السلع الغذائية وكافة المستلزمات الحياتية، لتفاقم من سوء حالهم.

وأخيراً، حلّت عليهم تبعات إجراءات مواجهة انتشار فايروس كورونا وإعلان حالة الطوارئ في البلاد وتنفيذ الإقفال التام، إثر التزايد الضخم في عدد الإصابات وعدم قدرة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات على استقبال مَن يحتاجون إلى تطبيب، لينتهي أمر الطرابلسي بدون باب رزق ولا أموال ولا حتى مؤونة من الأطعمة. يحاصرهم الفقر من كل صوب، والدولة غائبة عن تأمين أبسط المساعدات لهم.

تحرّكات احتجاجية

لأن أبناء الأحياء الشعبية الفقيرة المعدومة لا يمتلكون شيئاً لخسارته، ولم تؤمن الحكومة لهم حلولاً ولو آنية كي يصمدوا في وجه الأزمات المتتالية، خرج عدد كبير منهم إلى ساحة النور منذ مساء الاثنين الماضي، في 25 كانون الثاني/ يناير، ليعبّروا عن رفضهم لقرارات الحكومة ويطالبوا بأبسط حقوقهم المعيشية.

دارت مواجهات عنيفة بين المحتجين وبين عناصر الجيش والقوى الأمنية في الساحة، وحاول شباب اقتحام سرايا طرابلس، كونها تشكل المركز الرسمي في المدينة، وحطّموا الأرصفة وبعض الأشجار وأشعلوا الإطارات ورشقوا القوى الأمنية بالحجارة، فيما ردت الأخيرة بإطلاق الرصاص المطاطي وقنابل مسيّلة للدموع ملأ دخانها الشوارع والبيوت المحيطة.

وكان لافتاً استقدام تعزيزات إضافية من القوى الأمنية وعناصر الجيش، وارتفاع حدة التوتر بعدما جرى تفريق المحتجين بالقوة، ليل الأربعاء-الخميس، واستمرت المواجهات حتى ساعات متأخرة.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بسقوط 226 جريحاً من المدنيين والعسكريين، فيما توفي الشاب عمر طيبا متأثراً بإصابته خلال المواجهات.

"بعت كل عفش بيتي من سنة لهلأ لعيّش أولادي، عندي ولدين كبار عاطلين عن العمل، ومكسور عَ أجار البيت وصاحبه بيقلّي صار لازم إترك، صرنا أنجأ (بالكاد) عم نعيش، نحنا يمكن ميتين"... قتيل و226 جرحاً في مدينة طرابلس بسبب "الحلّ الأمني"

واقع مزرٍ

بعد إعلان الحكومة تمديد الإقفال التام حتى الثامن من شباط/ فبراير، وجد الطرابلسيون أنهم سيشحذون لقمة عيشهم ولن يتمكنوا من إطعام أطفالهم، فبدأوا برفع الصوت منددين بتركهم لمصيرهم، لا سيّما أن المساعدات التي وعدت بها الحكومة اللبنانية العائلات الأكثر فقراً، لم تصلهم.

وجدوا أنفسهم بدون عمل ولا مساعدات. والأسوأ أن معظم أبناء المدينة هم مياومون وتجار، ما يعني أنهم لا يتحصّلون على أي مدخول إذا التزموا منازلهم ولم يخرجوا إلى العمل.

ووصل الأمر بأحد الآباء إلى رمي طفلته البالغة من العمر سنتين في أحضان أحد العسكريين أثناء الاحتجاجات، لأنه لا يمتلك المال الكافي لإطعامها.

ورغم تنافس زعامات ثرية كثيرة على أصوات أبناء المدينة الانتخابية، لكن المشهد في طرابلس يُظهر خلوّها من قوى تعمل على مساعدة الناس وتأمين احتياجاتهم. ويقول المحتجون إنّ مساعدات غذائية قليلة وصلت إلى أبناء المدينة من منظمات أهلية ودولية، لكنها وُزّعت باستنسابية، ولم تصل إلى غالبية الفقراء.

وبحسب أبو علاء، وهو بائع كعكة "القليطة" في ساحة المدينة وأب لستة أولاد، فإن المواد الغذائية التي قدّمتها له إحدى الجمعيات جيّدة، ولكنها غير كافية، لأنه يحتاج إلى سلع أخرى كي يطهو الطعام ويوفّر لأولاده حاجاتهم الأساسية.

تحركات "مشبوهة"

فور انطلاق الاحتجاجات، تخوّف البعض من استثمار مطالب المحتجين وتحركاتهم لتوجيه رسائل سياسية، واتهمّ بعض آخر المحتجين بتنفيذ أجندات داخلية وخارجية، وتحدثوا عن استخدام الاحتجاجات لتمرير رسائل سياسية، وبعضهم قال إن تيار المستقبل الذي يتزعّمه رئيس الحكومة السابق والمكلّف حالياً بتشكيل حكومة جديدة سعد الحريري يستغل الشارع من أجل الضغط على رئيس الجمهورية ميشال عون لتسهيل تشكيل الحكومة، فيما قال آخرون إن ما يجري هو تصفية حسابات بين رئيس الحكومة سعد الحريري وشقيقه بهاء الذي أظهر في السنة الأخيرة طموحاً للعب دور سياسي.

"هذه تحركات مطلبية بدليل أن الذين خرجوا إلى الشوارع هم من أحياء هي الأفقر في طرابلس ولأنهم كادوا يموتون من الجوع، والإقفال التام قطع أنفاسهم والدولة لم تحرّك ساكناً لتأمين البديل"

يرفض الناشط في التحركات الشعبية نزار سقاط الفول هذه الاتهامات ويقول لرصيف22 إنّ "هذه التهم ألصقت بالتحركات لأنها لا تتناسب مع أجندات السياسيين" ويضيف: "هذه تحركات مطلبية بدليل أن الذين خرجوا إلى الشوارع هم من أحياء هي الأفقر في طرابلس ولأنهم كادوا يموتون من الجوع، والإقفال التام قطع أنفاسهم والدولة لم تحرّك ساكناً لتأمين البديل"، لافتاً إلى أن "هنالك أشخاصاً أعلى طموحهم إيجاد عمل، أناساً يأكلون خبزاً ناشفاً".

"شاركتُ في تحركات الأمس، وقبل أمس، لأقول إننا نريد بديلاً من أجل أن تتمكن الناس من مواجهة الأزمة"، يتابع نزار، ويستطرد: "لكن للأسف قوبلنا بقمع القوى الأمنية لنا ما أجج الوضع فساد التوتر بين القوى الأمنية والمحتجين، علماً أن الجوع وقلة العمل لا يُفترض أن تقابل برصاص مطاطي وقنابل مسيّلة للدموع"، متسائلاً: "لماذا لا تُمنح الحقوق للناس لقطع أي طريق على مَن يريد استغلال الشارع؟".

يتفق كثيرون على أنه ليس غريباً أن ينتفض الناس في طرابلس، فواقع أبناء المدينة مرير وأكثر من كارثي، ولا يقبل التأويل وفلسفة المؤامرة، ومَن يعتبر أن هنالك دوافعَ مشبوهة فليقدّم الحلول ولو لتخطي الأزمة الراهنة، بتأمين المساعدات الأساسية والأموال كي تصمد الناس في بيوتها، بدلاً من أن يستسهل تخوين المحتجين وإلقاء اللوم على مَن يمكن أن يموت جوعاً!

مما آلت إليه الأمور، يظهر جلياً أنّ رسالة السُلطة الوحيدة الواضحة اليوم في المدينة التي لطالما غيّبت القوى السياسية مشاريع الإنماء عنها واستخدمتها صندوق بريد لتصفية حسابات محاور إقليمية، هي: ممنوع عليكم المطالبة بحياة كريمة فيها أبسط مقومات الحياة.

تحرّكات متفرقة

التحركات التي شهدتها عاصمة شمال لبنان امتدّت لتشمل مناطق لبنانية عدّة. في بيروت وصيدا والبقاع والشويفات وعرمون والجية، خرج المئات، في اليومين الماضيين، تضامناً مع طرابلس واحتجاجاً على الأوضاع المعيشية في البلاد، متجاهلين مخاطر عدوى فيروس كورونا، ومتحدّين قرار منع التجوّل.

المناطق التي امتدت التحركات إليها تعاني أيضاً من ظروف معيشية صعبة في ظل الإقفال التام وما سبقه من أزمات متتالية، وأبناؤها أيضاً ينتظرون المساعدات التي وعدت بها الحكومة. ولكن للحال في طرابلس خصوصية مختلفة عن خصوصيات باقي المناطق، بسبب "غياب الأحزاب الفاعلة والإنماء وانتشار البطالة والأمية والفقر في العاصمة الثانية للبنان"، حسب تعبير الناشط المدني شادي إسحق.

ويضيف إسحق الذي يتشارك هو ومجموعة شباب في طرابلس في جمع الأموال لتقديمها للأكثر فقراً في طرابلس، لرصيف22: "الناس بحاجة إلى أبسط المتطلبات التي تبدأ من وجبة غذاء ولا تنتهي بتأمين مأوى أو دفع إيجار المنزل. هنالك كثر بحاجة إلى أدوية أو زيارة عيادة طبيب أو وسائل تدفئة. الوضع مزرٍ جداً".

واللافت أن ما حصل في طرابلس كان انفجاراً شعبياً قوبل بمواجهة وصدامات عنيفة من قبل القوى الأمنية، على عكس المناطق الأخرى التي اتسم الرد على التحركات فيها بالطابع السلمي. وبذلك، تكون الدولة قد اختارت الصدام والحل الأمني مع الطرابلسيين، ما يفضح عجزها عن تقديم معالجات جدية لأزمة كورونا تأخذ في الاعتبار الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard