حسنًا، هذا هو الانهيار

الخميس 18 مارس 202103:25 م

إذا، هذا هو الانهيار بكل ما يحمله من قلق، وفوضى، وعدم قدرتنا على تحديد مشاعرنا. نتحضّر منذ سنوات لهذه اللحظة، وها هي تصل لتجعل من كل ما تخيلناه واقعًا. في الشارع الدراجات النارية تجول على أصحاب المحال، وتعلو الأصوات: "سكروا الدولار صار بـ 15000"، "كيف بدكن تبيعوا وكيف بدنا نشتري؟". بائع العصير كان يحتاج لهذا المنطق الأخير كي يرحل إلى منزله، قبل أن ينزل الجرّار على ما تبقى من بضاعته، ردّد: "مش رح ينباعوا أصلاً".

أتّصل بعبد، الشاب العشريني الذي يقضي وقته بين مناطق بيروت كعامل توصيل ولا يرد، أحاول مرّة أخرى. لا يرد أيضًا، أقصد الدكّان، صاحبه وضع ورقة صغيرة على الزجاج تقول: "نعتذر عن عدم قدرتنا على بيع زبائننا الكرام، بسبب ارتفاع سعر الدولار". الدكاكين الصغيرة تقفل أبوابها مؤقّتًا، وكذلك المراكز التجارية الكبيرة. الكهرباء تنقطع ساعات طويلة، ما تبقى من أطعمة يفسد في البراد، وصاحب الموّلد الكهربائي لا يرد على اتصالات زبائنه، وفي حال فعل سيقول: "بدنا نريّح الموتور".
أقصد دكاكين أخرى، وأساوم العمّال على البضاعة، نصل لنتيجة، أشتري ما احتاجه، ويتم تحديد سعر الصرف على الـ 13000. في أحد المتاجر، يقف الناس في الصف لشراء الرز، ونسمع صوت: "بدّي هويّات". تلقائيًا يبدأ الأفراد بسحب هوياتهم وتقديمها، فيتسلمون كيسًا واحدًا من الرز. نُشر الفيديو تحت عنوان: "يلي استعمل هويته حتى ياخد 100$ بالانتخابات عم يستعملها الآن حتى ياخد كيس رز".
لم أكن على قيد الحياة حين كان يتم توقيف اللبنانيين على الحواجز، وتصفيتهم أو تمريرهم حسب هوياتهم وانتماءاتهم الطائفية، لكني اليوم مثلي مثل الكثيرين أشهد حواجز هوية من نوع آخر، وحربًا داخلية بأسلوب جديد، ستكون نتيجتها على الأفراد الموت جوعًا أو النجاة.

"فلت" الشارع... والرئيس حكى

حسنًا، هذا هو الانهيار، الذي حاولنا تجنّبه بثورة انتهت، وبخطابات بديلة بقيت بتفاصيلها الكبيرة على الورق. هذا هو الانهيار والطبيعة البشرية تصدمنا مجدّدًا وتتأقلم. والتأقلم اليوم يعني تلقائيًا الفوضى، أو بمعنى آخر: "البقاء للأقوى". وفرض هذه القوة بدأ بالظهور في الشوارع. في مقطع فيديو آخر من منطقة "عائشة بكّار" نشر تحت عنوان: "نزلوا الشبيبة بالسلاح، وفلت الشارع يا عرصات". سمعنا إطلاق النار، ووصلنا الخبر: "اشتباك مسلح في منطقة عائشة بكار في بيروت. وفي التفاصيل، وقع خلاف شخصي بين ابن سامر عمّار(من حركة أمل) وشبان من عائشة بكار، على خلفية قطع الطرقات حيث أدّى الخلاف إلى إطلاق نار كثيف. وأثناء توجه والد علي سامر عمار الى المنطقة لمعالجة الخلاف‎، تم الاعتداء عليه، ما أسفر عن إصابته. وفي بيان أصدره قائد حرس المجلس النيابي العميد يوسف دمشق، أوضح أن لا علاقة له بالحادثة لا من قريب ولا من بعيد، كما أنه لم يصَب مدير مكتب لديه بهذه الحادثة".
طبعًا ألقى عون اللوم على غيره، فهو الرئيس الذي جاء لكي ينقذ لبنان، من خلال عهده القوي، وبالتالي رغم كل الوقائع التي تشير إلى فشله وفشل عهده، سيرفض أن يكون الرئيس الذي دمّر حياة ومستقبل كل لبناني يعيش على أراضي الوطن وفي الخارج
وقال تيار المستقبل في بيان أصدره أيضًا: "ما شهدته منطقة عائشة بكار، بعد ظهر اليوم، إشكال فردي، لا علاقة لتيار المستقبل به لا من قريب ولا من بعيد، ولا أسباب أو أبعاد سياسية له، وقيادة التيار تعمل، مع أهالي المنطقة والمعنيين والأجهزة الأمنية، على التهدئة ومعالجة تداعيات الإشكال". وقد أدى الإشكال إلى سقوط جرحى، بحسب ما أكّد عدد من المواطنين.
بعد حوالى أربع ساعات من وقوع الإشكال، أطلّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من قصره على الشعب اللبناني بخطاب قصير أقرب إلى المهزلة وموضوع إنشاء منه إلى خطاب ينتظره الناس لكي يتم انتشالهم من أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية يمرّون بها.
في الواقع لا أحد يعوّل أو ينتظر خطاب ميشال عون، فهذا الرجل نفسه الذي رسّخ الطائفية لعقود، ظهر على الشاشة ليحارب الطائفية، وليلوّح بشعارات كان قد حملها الشعب في المظاهرات، وهو وحلفاؤه عملوا على تدميرها، بهدف الحفاظ على بقائهم، وليوجّه رسائل سياسية مبطّنة لا تعني الناس.
في الوقت الذي تحدّث الرئيس عن الأموال المنهوبة وضرورة استرجاعها، جاء في مقدّمة نشرة أخبار تلفزيون الجديد: "سياسيون كبار تقاضوا عمولات بلغت 7% من صفقة البواخر، أحدهم ج. ب. وفق ما اعترف به ثلاثة موقوفين اليوم أمام المدعي العام المالي. أحد الموقوفين وكيل باخرة كارادينيز". وبالتالي في حال أراد الرئيس استرداد الأموال المنهوبة، عليه البدء من عائلته ومن صهره.
لم أكن على قيد الحياة حين كان يتم توقيف اللبنانيين على الحواجز، وتصفيتهم أو تمريرهم حسب هوياتهم وانتماءاتهم الطائفية، لكني اليوم مثلي مثل الكثيرين أشهد حواجز هوية من نوع آخر، وحربًا داخلية بأسلوب جديد، ستكون نتيجتها على الأفراد الموت جوعًا أو النجاة
طبعًا ألقى عون اللوم على غيره، فهو الرئيس الذي جاء لكي ينقذ لبنان، من خلال عهده القوي، وبالتالي رغم كل الوقائع التي تشير إلى فشله وفشل عهده، سيرفض أن يكون الرئيس الذي دمّر حياة ومستقبل كل لبناني يعيش على أراضي الوطن وفي الخارج، ولذلك توجه إلى الحريري بالقول: "في حال وجد الحريري نفسه في عجز عن التأليف وترؤّس حكومة إنقاذ وطني، عليه أن يفسح المجال أمام من هو قادر"، ليأتي رد الحريري عليه: "في حال وجد فخامة الرئيس نفسه عاجزًا عن توقيع مراسيم تشكيل حكومة اختصاصيين....فسيكون عليه إتاحة المجال أمام انتخابات رئاسية مبكرة".

ضمن هذا الأخذ والرد، يقع اللبنانيون ضحية رجال السياسية، في حال سألنا أي شخص في الشارع عما يريده سيأتي الجواب: "أي شيء، المهم أن يكون الحل بحياتنا، وأن نقدر على العيش". أمام الكاميرا، يبكي الرجل السبعيني لأن تعب عمره تلاشى في المصرف والآن عليه الهجرة إلى أميركا والبدء من الصفر. على الأوتوستراد وبين السيارات، يركض أفراد الصليب الأحمر، محاولين أن يوصلوا المريض إلى أقرب مستشفى. في المنازل يتم توديع أفراد من العائلة بسبب إصابتهم بفيروس كورونا، دون أن يُلمسوا أو أن يُغسلوا، وفي الشوارع حين تحل الظلمة يتجمع المسلحون في الأحياء لحماية مناطقهم، ويسيطر شعور الخوف على المارّة.
هذا هو الانهيار، كشف لنا عن وجهه، وأصبحنا نوعًا ما نعرف ماذا ينتظرنا في المرحلة القادمة، الكثير من المخاوف التي ستترجم بأسلحة، ومحاولات للدفاع عن النفس، قلق لا يتوقّف، شعب غير قادر على استرداد حقوقه من المنظومة ومحاسبتها، وسلطة سياسية ستستغل مأساتنا التي صنعتها هي، لتصنع نفسها من جديد بأساليب وحشية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard