بين رفع الدعم وسلطة الـ "تلحس ط*زي" ...الفقراء وحدهم يدفعون الثمن

الخميس 11 مارس 202103:38 م

تنتظر ندى (45 عامًا) كل أسبوع قدوم بائع الخضار من الجبل إلى بيروت لتشتري منه احتياجات عائلتها. على الرغم من أنها امرأة منتجة وتعمل ممرّضة منذ أكثر من 20 عامًا، وصلت لمرحلة لم تعد قادرة فيها على شراء الخضار من المحال التجارية، لأن الأسعار منذ الانهيار الاقتصادي وصلت لأرقام جنونية. تقول: "بدأت المبادرات الفردية منذ العام الماضي، إذ قام عدد من أصحاب الأراضي الزراعية بإعلانهم عن تصريف منتوجاتهم بأسعار أرخص، وذلك عبر تلقي الطلبات خلال فترة الأسبوع وتسليمها فور قدومهم إلى بيروت. هذه المبادرات، مقارنة بأسعار السوق، جعلت ندى توفّر حوالى الـ 100,000 ل. ل. أسبوعيًا.
بدوره يشرح رضا دهيني، (39 عامًا)، وهو أب لطفلين، كيف أنه توقّف عن شراء اللّحوم من المراكز التجارية، أو حتى من المحال المختصّة ببيعها، حيث صار يقصد المزارع المعنية بتربية الدواجن والمواشي، ويشتري حاجة عائلته مباشرة من هناك ولو عنى ذلك تخزين كميات كبيرة في منزله، والهدف هو تجنّب التلاعب الذي يحصل بالأسعار وليوفّر كل ليرة يكسبها، ويشرح: "قبل العام 2019، كنت أعمل بين ألمانيا ولبنان ولي مصلحتي الخاصّة المعنية بتصدير قطع السيارات إلى لبنان، بعد تفشّي وباء كورونا "وقفت المصلحة"، عجزت عن سحب أموالي من المصارف، منعت من السفر، واليوم قلقي الأساسي هو تأمين القوت لعائلتي وليس أكثر، يوميًا أخرج من المنزل إلى عملي وأفكّر بوضع الطعام على الطاولة أمام أطفالي".
في الجلسات والأحاديث الهاتفية، يتبادل الأصدقاء خبراتهم عبر تحديد الأماكن الأوفر، فنسمع عبارات مثل: "الخضرا بهيدا المحل أرخص، بس اللبنة بمحل تاني أرخص"، صار الناس يتنقلون من محل إلى الآخر بحثًا عن البضاعة الأوفر، وحين لا يجدون ما يناسبهم يتخلّون عنه. الأزمة الاقتصادية تؤدّي إلى خلق بدائل، وإلى إنشاء عملية تبادل بين الأفراد، تبدأ بالطعام والأدوية، وتنتهي بالملابس، لكن حس المساعدة الموجود في أغلب الأحيان، قد يتحوّل بسبب الخوف إلى رغبة بالبقاء، وبالتالي تنشأ النزاعات.

المؤسّسات تحتكر وتحدّد الأسعار

 انتشر الأسبوع الماضي مقطع فيديو، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهر شجارًا بين موظّفة وزبون في أحد المراكز التجارية التي صارت تجبر الناس على الشراء بقيمة محدّدة لكي يتمكّنوا من الحصول على المواد المدعومة. في الفيديو، يقف الشاب أمام الموظّفة لكي يدفع سعر قنينة الزيت، والتي، بحسب قوله، كانت مخبّأة، أي أن المؤسسة تسعى إلى احتكارها لكي تبيعها لاحقًا بسعر أعلى بعد رفع الدعم، وفي الوقت عينه ترفض الموظّفةًأن تدعه يشتريها وحدها دون أن تبلغ قيمة فاتورته 50 ألف ليرة لبنانية، كي تضمن المؤسسة ربحها الخاص. في الفيديو نفسه تظهر الموظّفة وهي تقول: "اشترِ الي بدّك ياه من جوا، ما فيي دقلّك قنينة مي وقنينة عصير بس مع الزيت، بدك تاخد شي تاني من جوا..جبنة، لبنة، شامبوا".  وذلك بعد أن قال لها الشاب: "أنا ما معي 50 ألف بدي اشتري بس هول". في النهاية، تمت تسوية الشجار عندما قررت الموظفة أن تمرّر له الفاتورة حتى لو لم تبلغ قيمتها الـ50 ألف ليرة لكن بشرط أن يشتري المزيد من البضائع.

على الرغم من أن ندى امرأة منتجة وتعمل ممرّضة منذ أكثر من 20 عامًا، وصلت لمرحلة لم تعد قادرة فيها على شراء الخضار من المحال التجارية، لأن الأسعار منذ الانهيار الاقتصادي وصلت لأرقام جنونية

الخوف يسيطر على الجميع

بحسب وكالة "فرانس برس" حذّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، من أن المصرف يستطيع تمويل الدعم لشهرين إضافيين فقط، قائلًا في تصريح لاحق إن لديه ملياري دولار لتأمين الدعم.
وتنصّ خطّة عمل مدتها خمس سنوات أرسلها وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال راوول نعمة للوكالة على رفع تدريجي للدعم مقابل تأمين مساعدات مالية مدروسة على مدار سنوات عدة، إذ  يتم أولاً رفع الدعم عن السلة الاستهلاكية المكونة من 300 سلعة، إضافة إلى الخبز والوقود، لتجري بعد ذلك مراجعة لأسعار كهرباء لبنان. في المقابل، يتلقى 80 في المئة من السكان خلال العام الأول دعماً مالياً بقيمة 50 دولاراً للشخص البالغ و25 دولاراً للطفل، على أن يتراجع بعد مرور عام عدد المستفيدين كما قيمة الدعم تدريجيًا.
اليوم يتوزّع الخوف بين أصحاب المؤسسات غير القادرين على تأمين البضائع، والذين يجدون بالاحتكار وفرض قيمة الفاتورة على الزبائن الحلول الوحيدة لحماية أنفسهم ومؤسّساتهم، وبين خوف الناس من الجوع بسبب تدنّي قدرتهم الشرائية، إذ صاروا يتنازعون في ما بينهم ومع المؤسّسات على المواد الغذائية من أجل ضمان بقائهم.
في فيديو آخر، تمّ تداوله اليوم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر الناس في مركز تجاري لم يتم تحديده وهم يتهاتفون على البضائع التي لم يتم إخراجها من الصناديق أو عرضها على الرفوف، ويأخذون كل ما يستطعون حمله، وطبعًا تسيطر  غالونات الزيت على المشهد الذي سيتكرّر كثيرًا في المستقبل القريب.
في التعليقات، هناك من يشمت بهم ويحمّلهم المسؤولية لأنه هم أنفسهم من انتخبوا الحكّام الذين أوصلوهم لهذه الكارثة، وهناك من يحزنون على الوضع الذي وصلنا إليه كشعب، وهناك من يؤكّدون أن هذه البداية فقط، وأن المهرجان سيبدأ حين يُرفع الدعم عن كل المواد الأساسية، حينذاك "الناس رح تاكل بعضها".

الشعب غارق بالبحث عن لقمة عيشه، بينما أصحاب السلطة يدافعون عن أنفسهم، وجرائمهم عبر الرد على أقل انتقاد بعبارات مبتذلة، ونجم السلطة اليوم إيلي الفرزلي صاحب المقولة الشهيرة: "تلحس طيزي"

في السنة الأخيرة، ارتفعت نسبة عمليات السرقة والنشل لدرجة أنه تم استخدام الانفجار من قبل البعض لسرقة المنازل المتضرّرة، وفي الأشهر المقبلة من المتوقّع أن ترتفع أكثر، وحتى الذين لم يتعرضوا لهذه المواقف صاروا يحرصون على عدم الخروج في المساء وحدهم أو حمل مبالغ مالية كبيرة. فالشوارع التي كانت تعتبر آمنة ضمن نطاق بيروت الإدارية لم تعد كذلك، وتشرح غيدا عاكوم (29 عامًا) المقيمة في منطقة الحمراء أنها كانت تمشي في الأحياء الفرعية دون أن تشعر بالخوف، لكن منذ حوالى الشهر، وجدت أن أحدهم حطّم زجاج سيارتها بهدف سرقة حقيبة كانت قد وضعتها على المقعد الخلفي، فصارت تتجنّب أن تترك أي شيء فيها، لكنها في الوقت عينه أدركت أن الفقر أصبح سيّد الوضع، وبالتالي سيلجأ الأفراد إلى كل الوسائل للبقاء على قيد الحياة.

الفقراء يدفعون الثمن... والفرزلي يرد بـ "تلحس طيزي"

في لقاء مع سفير الاتحاد الأوروبي رالف طراف حول التعاون الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، شدد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب على "دور المغتربين اللبنانيين في دعم إعادة النهوض الاقتصادي في لبنان"، مؤكدًا أن استمرار ارتباط المغترب اللبناني بوطنه يشكل حجر الزاوية في الاستثمار بالمشاريع الصناعية والزراعية والاقتصادية".

وقد يكون هذا الإقتراح جزءًا من الحل لكنه حل غير مستدام. وكالعادة يغرد أصحاب السلطة خارج سرب الشعب، فالنائب إيلي فرزلي عاد ليتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي، أمس، بعد أن جاء ردّه على أحد منتقديه بـ "تلحس طيزي" ليعود ويمحو العبارة، ويلقي التهمة على من حاولوا سرقة حسابه. تبريره لفعلته هذه لم يمنع أن يتصدر هاشتاغ: #الفرزلي_قليل_الترباية" تويتر. هذا الفعل وحده يبرهن كيف أن الشعب غارق بالبحث عن لقمة عيشه، بينما أصحاب السلطة يدافعون عن أنفسهم، وجرائمهم عبر الرد على أقل انتقاد، بعبارات مبتذلة تشبههم.


بدأنا منذ الأسبوع الماضي، نشهد تداعيات تضاءل احتياط المصرف المركزي بالدولار، وبالتالي حين يتم رفع الدعم الكامل عن السلع الأساسية كالطحين والوقود والأدوية، ستكتمل الكارثة التي لن يدفع ثمنها سوى الفقراء، وبحسب "فرانس برس"، حذّر برنامج الأغذية العالمي من "آثار تضخمية كبيرة" إذا تم ترشيد الدعم، متوقعاً أنّ يرتفع سعر الخبز مرة ونصف إلى ثلاث مرات والوقود أكثر من أربع مرات. وشدّد البرنامج على ضرورة العمل فوراً على زيادة المساعدات الاجتماعية للفئات الأكثر فقراً لتخفيف تداعيات رفع الدعم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard