كنا نكتب مسلسلاً عن العناق الطويل بينما تُذبح سوريا

الخميس 18 مارس 202111:29 ص

كنا ثلاثة كتاب لا أحد يعرفنا إلا زوجاتنا وبعض الأصدقاء، ودار نشر ترسل نسخ كتبنا كاملة إلى بيوتنا. تظن الصبية التي تقدم لنا المشروبات في المقهى أننا مجرد زبائن دائمون، أشهر ما لديهم أنهم دائماً يأجلون الدفع إلى الشهور القادمة، وربما كانت تتساءل في سرها عن سبب ضحكاتنا التي لا تنقطع وكيف أننا فجأة كنا نتصايح ونشتم. وقد نتعارك ويترك أحدنا الطاولة إلى طاولة أخرى، ثم في اليوم التالي نعود كأن شيئًا لم يكن لنكمل كتابة مسلسلنا الذي صارت هي إحدى شخصياته. حتى أنها كانت تدخل صراعاتنا حول فكرة ما تخص سير الأحداث التي تمسها؛ مرة وقفت مثل عاشقة غاضبة وضربت الطاولة أمامنا ثم صرخت: "ليش خليتو بشر يخون سوزان بالحلقة العاشرة؟! حسن مستحيل يخونني لأخر العمر". حاولنا شرح وجهة نظرنا لكننا فشلنا في إقناعها. لم يكن أمامنا إلا خداعها بأننا قمنا بتعديل المشهد، ريثما تتابع الحلقة العاشرة إن تم شراء المسلسل وتصويره، لتصدمها خيانتنا كذلك.

نعم، كنا نكتب مسلسلاً عن الحب وتفاصيل الحياة الحلوة والعناق الطويل، بينما سوريا تذبح بعضها. نكتب عن الفرح البسيط وعن عشاق الحدائق، عن صبايا يتابعن مسلسلاً تركياً تافهاً؛ الصبايا اللواتي كن ينشغلن بطلاء أظافرهن عندما لا يكون البطل ذو العينين الساحرتين في المشهد، ثم ينساح الطلاء على الموكيت لحظة ظهوره. عن هذا نكتب، بينما كانت جثث السوريين تملأ الشاشات. نكتب عن الضحك في السهرات العائلية، في الوقت الذي كنا نعرف أنه ليس هناك عائلة في سوريا يستطيع أفرادها أن يجتمعوا مرة بكامل أسمائهم حول فطور أو مناسبة. لا يوجد عائلة واحدة بسبب فرد أو أكثر غيّبه القتل أو اللجوء أو الخطف. ليس في سوريا إلا بيوت مهدمة وعائلات بأسماء ناقصة. حين تُوضع السفرة، كانت أي أم تستطيع أن تسأل بطبيعية: أين فلان؟ على اعتبار أن الإجابة سهلة جداً، سيرد أحد الحاضرين أنه في الحمام أو لا يزال في فراشه. اليوم صار هذا السؤال على بساطته أصعب الأسئلة كما صار الجواب مستحيلاً.

نحن لم نهرب من الكتابة عن الحرب. نحن ببساطة كنا نهرب من الحرب نفسها

يقول أحد الأصدقاء أنتم كذَبة ومراوغين، ويلمح إلى ذكائنا في التسويق إذ لم يعد هناك جهة تقبل مسلسلاً عن الحرب السورية. نحن لم نهرب من الكتابة عن الحرب. نحن ببساطة كنا نهرب من الحرب نفسها. إنه الوهم الشهي. تخيل نفسك سجين قبو مظلم ونتن، بينما أنت ترشّ عطراً باهظ الثمن على بشرتك المقرّحة وعلى ثيابك المزّفتة بالبقع. يسألني أحدهم مستغرباً هل تعتقد أن الناس لا زالت تشتري العطر؟! نعم يا صديقي، يبدو أن البشر حين يعودون إلى مرحلة الالتقاط والجمع يرعبهم المشهد، الأمر الذي يحملهم إلى المبالغة في بعض سلوكيات الترف البسيطة لاستعادة الفروق التي تميزهم قليلاً عن أبناء العمومة في المملكة الحيوانية الكبرى.

أتذكر أن أحد شخصيات مسلسلنا كان "كتكوت"؛ ذاك الذي سحبناه بكل واقعية من الشارع الممتد قربنا، ودفعنا به إلى المشهد الأول في المسلسل. المسألة لم تكن سوى حسد مبالغ فيه لقدرة كتكوت على قول ما يريد والعيش بكل طبيعية وواقعية منسجماً مع حالته الحقيقية، حسد لقدرته على رمي عقله في أقرب حاوية قمامة، حسد يخص قدرته العالية على السخرية من فكرة التكيف الذليلة أو من فكرة مقاومة الواقع؛ الواقع السوري الذي كان ولا يزال بكل ما فيه من تفاصيل يومية ومواقف ومشاهد يقول لك بكل واقعية وصدق: ماذا تفعل بهذه الكتلة الغبية التي تظنها دماغاً؟  لكنك كنت عنيداً وهشاً وتنقصك الجرأة. نحن لم نهرب من الكتابة عن الحرب، نحن هربنا من الحرب نفسها. كان لا بد من فعل ما يذكّرنا أننا بشر طبيعيون ولسنا مجرد اسفنجة خوف وذل وقهر، نحاول أن نمسحها كلطخة ضخمة وعنيدة يبدو أن الأمل بزوالها غير ممكن.

كان لا بد من فعل ما يذكّرنا أننا بشر طبيعيون ولسنا مجرد اسفنجة خوف وذل وقهر

كنا ثلاثة كتاب لا أحد يعرفهم. زياد كان شخصاً خارجاً من الموت للتو، جرّبه ما يقارب الثلاثة آلاف مرة على الأقل. نعم هذا رقم تقريبي لعدد الأيام التي قضاها في الاحتياط. سُحب تماماً كما يسحب فروج من القفص الأصفر إلى النتافة. سيقول أحد ما "أممممم زياد كان في جيش النظام!" نعم يا صديقي كان في جيش النظام، لأنه الخيار الأجمل الذي أتيح له، حيث جلس زياد يقلّب خياراته المتعددة، وسأل نفسه: ماذا لو بقيت مع عروستي التي ما يزال مناكير العرس على أظافرها نشرب الويسكي ونقرش الكاجو والتفاح. لن أذهب إلى بيروت ومن ثم إلى هولندا حيث المراعي الواسعة والأبقار السعيدة؟ لا، الأفضل أن أفتح شركة تجارية أو مؤسسة تعليمية ضخمة أو دار نشر تهتم بقصيدة النثر المظلومة وبالشعراء الفقراء؟ لكنه كان حاذقاً واختار الساسبينس والإثارة والتشويق. هذا هو زياد، فكيف له أن يكتب عن الحرب؟ أي شعور بالوقاحة سيعتريه إن فكر بإعادة الرصاص إلى حلقه، ورائحة الجثث إلى أنفه، وإلى روحه أصوات الأصدقاء الذين قتلوا وعيونهم مفتوحة؟ كان من الطبيعي أن يقول سنكتب مسلسلاً عن الحرب بلا أيّة رصاصة. حتى مشيته كانت سريعة كأن أحداً ما يطارده.

كيف لرامي أن يكتب الحرب بينما قلبه قطعة مارشميلو شهية؟ كيف له أن يكتبها وهو من يُقسم أنه لم ير لقطة واحدة من لقطات الدم السوري تلك التي تبقّع وتطرش الشاشات؟ هو من يحصي كل يوم الأصدقاء الذين سافروا أو سجنوا أو صاروا مجرد صور فوتوغرافية على جدار مقهاه كزينة وديكور بسيط. لفرط الحنين، كان رامي يمشي إلى الخلف، معتقداً أنه بذلك سوف يصل إلى حضن أمه وإلى ألعابه التي نسيها تحت شجرة التوت.

لفرط الحنين، كان رامي يمشي إلى الخلف، معتقداً أنه بذلك سوف يصل إلى حضن أمه وإلى ألعابه التي نسيها تحت شجرة التوت

كيف لي أن أكتب حرباً على الورق؟ أنا الذي قرأ أسماء طلابه الذين صاروا محاربين فجأة على ورق النعايا في كل الشوارع. صاروا ابتسامات تحمل رشاشاً على الجدران بعيون بسيطة وشوارب تبدو كأنها مستعارة. كيف أكتب الحرب على الورق لتصير على الشاشة؟ أنا الذي حلم بشاشة ضخمة تنصب في قلب تدمر وبارتفاع يسمح لكل السوريين أن يشاهدوا، وفي وقت واحد، كل أفلام السينما العالمية التي تناهض الحروب والقتل والدمار. أنا من بكى يوم قالوا "افلحوا"  حمص، حينها أرعبتني دوائر الخوف والحقد المفرغة، تلك التي انتشرت في كل الجهات. أنا الذي أمشي وفي روحي تخشخش ضحكات كل سوري ابتلعته الحرب بلقمة واحدة.

كنا نكتب في زاوية من بناء مهدم، مقابل المقهى الذي نحبه، مكان يتبع المقهى كمساحة منزوية بعيداً عن الضجيج، زاوية من بناء مهدم تشبه ما ترونه في وسائل الإعلام من شرفات متهاوية وبقايا من غرف هُتكت. فالغرف في أصلها أربعة جدران وباب وشباكان، وربما شرفة، حتى الأطفال هكذا يرسمونها. لكنها هنا مجرد جدارين والكثير من الفجوات، غرف كانت غرفاً، يضحك فيها البشر وينامون ويستمنون. زاوية مهدمة مقابل مقهى، تشبه سوريا. لوهلة تظن أنه يجب أن يكون هناك حياة طبيعية في هذا المكان، مثلاً يجب، ومن الطبيعي، أن يكون هناك صورة معلقة على الجدار أو ربما صبية تفك السوتيان وتنشغل بخدش صغير قرب حلمتها اليسرى ثم تتفقد رسائل الماسنجر وتبتسم لأمر لا نعرفه. هل كانت الكتابة في مكان كهذا أمراً مقصوداً من شعراء ثلاثة تعجبهم الغرائبية؟ في سوريا لا ينبغي عليك تقصد شيئاً. افعل ما تشاء، وستكون في قلب السوريالية تلقائياً.

لم نكن نهرب من الكتابة عن الحرب مجاملة لشركات الإنتاج وتسويقاً ذكياً، بل كنا ننزع الحرب من جلدنا وننفضها عن ثيابنا كل يوم. كنا نهرب منها. كنا نخون الحرب بكل صفاقة ووضوح. كنا ثلاثة كتاب لا أحد يعرفنا إلا زوجاتنا وبعض الأصدقاء، ودار نشر ترسل لك النسخ كاملة إلى بيوتنا. تعرفنا صبية المقهى، نسيت، لا شك أن كتكوت كان يعرفنا بدقة عالية وإلا ما سر ابتسامته الحزينة والساخرة التي لا تفارقه حين يمر قربنا كل مرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard