بعد إجراءات عسكرية... مخاوف شعبية من الالتفاف نحو العسكرة في الأردن

الأربعاء 17 مارس 202101:25 م

مع تسارع وتيرة الاحتجاجات الشعبية في الأردن، عقب حادثة السلط، التي راح ضحيتها تسعة مواطنين نتيجة نقص الاكسجين في المستشفى، تصدر تكليف العميد العسركي وزير الداخلية، مازن الفراية، في إدارة وزارة الصحة، حديث الشارع الأردني.

قبل التكليف الملكي للفراية، ظهرت صورة العاهل الأردني عبد الله الثاني، داخل المستشفى في الزي العسكري، وإقالته لمسؤولين في وزارة الصحة، وتشكيل لجنة طبية عسكرية لتزويده بتقرير مفصل حول الحادثة، بعد تقديم وزير الصحة نذير عبيدات استقالته على الهواء مباشرة، وأوقف مدعي عام العاصمة عمّان (جهة قضائية) خمسة من موظفي المستشفى، وأسند تهمة التسبب بالوفاة بالاشتراك مكرر سبع مرات.
العميد العسكري الفراية، القادم من إدارة خلية عمليات أزمة كورونا في المملكة، تحدث تحت قبة البرلمان، خلال جلسة طارئة حول تفاصيل الحادثة، معلناً تعيين متصرف (رتبة رجل أمني) مختص في كل مستشفى واجبه حل مشاكل المستشفيات، مما أثار الجدل حول مسؤوليات الجهاز الأمني داخل المستشفيات، ولم يكتف بذلك حتى أعلن عن إنشاء القوات المسلحة العسكرية، مصنع لتزويد الأكسجين، خلال ثلاثة أسابيع.

غضبة ملكية

مساء الإثنين، أظهر العاهل الأردني غضبة ملكية خلال ترؤسه اجتماعًا لمجلس السياسات الوطني، بحضور القيادات الأمنية والعسكرية، متوعدًا بمحاسبة كل شخص قصّر في عمله وفي حماية أرواح الأردنيين، وفق نتائج التحقيق.

غضبة الملك نتيجة حادثة السلط حملت عنوان (خلص بكفي) وأكدت على ضرورة أن "يكون كل مسؤول أو موظف، كبيرًا أم صغيرًا، على قدر المسؤولية، وإلا فليترك المجال لمن يريد أن يخدم الأردن والأردنيين، وأن المنصب ليس للترضية أو المجاملة، بل لخدمة الأردنيين والأردن بإخلاص".

سابقة سياسية

تكليف عميد عسكري غير متقاعد في إدارة وزارة الصحة سابقة سياسية أردنية، فيما تكشف مصادر حكومية أن التكليف لن يكون اعتياديًا، كما حصل ويحصل، من تكليف وزير بوزارة ريثما يتم تعيين آخر، إذ إن ثمة توجهًا حكوميًا للإبقاء على إدارة وزير الداخلية للصحة.
وقال مصدر رفيع في الحكومة الأردنية لرصيف22  (طلب عدم الكشف عن هويته): "إن الفراية باق مرحليًا، لحين العبور من المرحلة الوبائية التي تشهدها المملكة، خاصة أن لديه دراية جيدة بملف الصحة بحكم عمله السابق مديرًا لخلية عمليات كورونا".
المؤشرات التي اتبعت بعد حادثة مستشفى السلط تؤكد بوضوح توكيل القوات المسلحة العسكرية الأردنية، لإدارة ملف الصحة في الأردن، بالتزامن مع استمرار تفعيل قانون الدفاع، بعد فشل الأجهزة المدنية الحكومية في إدارة الملف الصحي بالمملكة.
عزز تلك المؤشرات مقال الصحافي فهد الخيطان، في جريدة الغد الذي قال فيه: "عمليًا أوكل جلالة الملك ملف المستشفى والقطاع الصحي بمجمله للقوات المسلحة، في إشارة لا تقبل التأويل لافتقاد الثقة التامة بقدرة الجهاز المدني للحكومة على إدارة الأزمة والتعامل معها".
المؤشرات التي اتبعت بعد حادثة مستشفى السلط تؤكد بوضوح توكيل القوات المسلحة العسكرية الأردنية، لإدارة ملف الصحة في الأردن، بالتزامن مع استمرار تفعيل قانون الدفاع، بعد فشل الأجهزة المدنية الحكومية في إدارة الملف الصحي بالمملكة

انقسام الشارع الأردني حيال التدخل العسكري

إلا أن تلك المؤشرات أثارت مخاوف نشطاء وحزبيين أردنيين من عسكرة مؤسسات الدولة الطبية والصحية وغيرها، خاصة أن الشارع يشهد اتساعًا في القبضة الأمنية والتضييق على الحريات العامة، التي ترافقت مع جائحة كورونا، من حلّ قضائي لنقابة المعلمين، التي واجهت الحكومة في أطول اعتصام بتاريخ البلاد، إلى صدور قرارات قضائية لحلّ جماعة الإخوان المسلمين وحزب الشراكة والإنقاذ المعارض، كما حلت الحكومة مجلس نقابة الأطباء، وصولاً إلى قمع الاحتجاجات الشعبية، التي شهدتها المملكة ليل الأحد، المطالبة برحيل الحكومة وإسقاط قانون الدفاع.

كما حذّر نشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي من عسكرة المؤسسات الرسمية من خلال تسويق رسمي لفشل المؤسسات المدنية الأردنية، والتي جاءت بالأصل بإرادة السلطة الواحدة، دون إخضاعها لرقابة حقيقية أو تدريبها وإنعاشها، مما خلق ترهلاً وفسادًا إداريًا.

وانقسم الشارع الأردني حيال تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن العام المدني، حيث تصاعدت أصوات أخرى مستنكرة التحذيرات من عسكرة المؤسسات، ولطالما وثق المواطن الأردني في الخيار العسكري أكثر من المدني، بعد سنوات طويلة من فشل الأخير في إدارة الملفات والمؤسسات، حتى أصبح الخيار الأخير في الثقافة الشعبية.
يرى البعض أن سبب توجه الدولة نحو المؤسسة العسكرية، هو بيروقراطية الجهاز المدني وترهله الناجم عن الفساد والمحسوبية اللذين أثرا على إنتاجيته وقدراته، وظهر ذلك في الأزمات، منها أزمة كورونا، وتحديدًا في القطاع الصحي.
يعلق المحلل السياسي  فهد الخيطان على الموقف لرصيف22: "في الاردن حينما نشعر في مشكلة بقطاع ما، نلجأ للمؤسسة العسكرية، باعتبارها أكثر انظباطًا وكفاءة وقدرة على تنفيذ الواجبات، خاصة في القطاع الطبي، فالخدمات الطبية العسكرية تعادل القطاع الطبي العام بما فيه وزارة الصحة ومستشفياتها، ونميل دائمًا نحو ذلك لتصويب الاختلالات التي تقع في الجهاز المدني.
يرى البعض أن سبب توجه الدولة نحو المؤسسة العسكرية، هو بيروقراطية الجهاز المدني وترهله الناجم عن الفساد والمحسوبية اللذين أثرا على إنتاجيته وقدراته، وظهر ذلك في الأزمات، منها أزمة كورونا، وتحديدًا في القطاع الصحي
بدوره، يرد الوزير الأسبق، ممدوح العبادي عبر رصيف22 على الخيطان، بالقول إن موازنة وزارة الصحة لا تقارن في مديرية واحدة داخل جهاز الأمن العام أو غيره، والاهتمام في الخدمات الطبية العسكرية كان على حساب وزارة الصحة، ومع ذلك هناك ديون متراكمة بالملايين بحسب حديث مدير عام الخدمات الطبية، اللواء الطبيب شوكت التميمي.

34 شركة تجارية للأمن والجيش

وتؤكد النائبة السابقة رولى الحروب وجود 34 شركة (تجارية، زراعية، إنشاءات، صناعية)، تملكها المؤسسات العسكرية والأمنية في الأردن، منتقدة توجه الجيش للقطاعات التجارية، رغم وجود جانب إيجابي للاستثمار، لكن الاستثمار سيخلق منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص، إضافة لعدم وجود رقابة كافية على إيرادات تلك الشركات، وفقًا لرأيها.
وتقول الحروب لرصيف22 إن هناك توجهًا رسمياً لدخول الجيش على خط التجارة منذ عام 2005، بيد أن هذا التوجه ظهر بشكل كبير مع بداية عام 2016، إذ إن هناك عسكرة للكثير من القطاعات في الأردن، وأزمة كورونا كشفت ذلك، فالبداية كانت من إدارة المركز الوطني للأزمات (أمني عسكري) للجائحة، ثم ضبط عملية حظر التجول التي شهدتها البلاد حتى تكليف وزير (عسكري) في إدارة الملف وزارة الصحة.
الملاحظ أيضًا أن نسبة الأعيان والنواب القادمين من خلفية عسكرية برزت بشكل غير مسبوق خلال انتخابات عام 2021، إذ وصلت نسبة النواب من المتقاعدين العسكريين إلى أكثر من 23% وعددهم 30 نائبًا من أصل 130، فيما بلغت نسبة الأعيان (الذين يعيّنهم الملك) من المتقاعدين العسكريين، حوالى 41.5 وبلغ عددهم 27 من أصل 65 معيّنًا.
ويعتبر الكاتب فهد الخيطان أن الأرقام دائمًا موجودة، وربما لها حصة أكبر من السابق. لكن ذلك يأتي للتأكيد على أن المتقاعدين العسكريين كقوة مهمة وأساسية بالدولة، وجودهم بالمؤسسات التشريعية ربما يساعد في طبيعة التمثيل الاجتماعي.
وتحظى مؤسسة الجيش بثقة الأردنيين بنسبة 94% أعلى من الأجهزة الأمنية التي حصلت على 91%، وهي بدورها تحظى بشعبية أعلى من السلطة التنفيذية والسلطة البرلمانية والأحزاب السياسية التي حصلت على ثقة 12%، بحسب استطلاع لمركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية لعام 2019.
ورغم تلك الشعبية الكبيرة للمؤسسات الأمنية والعسكرية، تبقى الدعوات لعسكرة السياسة والإدارة دعوات انفعالية وردًا على الفشل العام، كما يقول الكاتب السياسي حسن البراري، وأن تعيين مازن الفراية وزيرًا للصحة هو قرار خاطئ، حسب رأيه.
تحظى مؤسسة الجيش بثقة الأردنيين بنسبة 94% أعلى من الأجهزة الأمنية التي حصلت على 91%، وهي بدورها تحظى بشعبية أعلى من السلطة التنفيذية والسلطة البرلمانية والأحزاب السياسية التي حصلت على ثقة 12%، بحسب استطلاع لمركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية لعام 2019

تدخل مرحلي واضطراري

"تدخل الجيش في الشأن العام المدني مرحليًا واضطراريًا"، يؤكد الكاتب الصحافي خالد القضاة، ويبرر ذلك بأن الأردن اعتاد أن الجيش على الحدود والشأن العام للمدني، إلا أن الإجراءات الأخيرة جاءت بعد فشل الإدارة العامة في كافة القطاعات بمواجهة الجائحة، مما استدعى الأمر تدخل الجيش في ظل الثقة الشعبية والملكية بالمؤسسة العسكرية.
ويقول القضاة لرصيف22 إن الثقة بالجيش القادمة من إبعاد المؤسسة عن التجاذبات السياسية، والقيام بدور المناط به دون استعراض وبضبط وخبرة، وهو ما بات ضروريًا لحين إصلاح الجهاز المدني الحكومي والنهج العام للدولة، بعد قيادة المدني الأردني المشهد منذ بداية الجائحة وفشل ذريع أدى لكشف حجم الترهل داخل الجهاز.
ومع الإجراءات الداعمة للقطاع العسكري في الأردن، يعيد الشارع مطالبته بحكومة إنقاذ وطنية وتعديلات دستورية لإمكانية تشكيل حكومات برلمانية، ومعالجة الخلل في المؤسسات الحكومية والأهلية، وتحمل مسؤوليته أمام ذلك، غير أن تلك المطالبات لا تزال مرفوعة أمام أصحاب السلطة في البلاد.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard