عند باب المحكمة... تقرير حقوقيّ يكشف حصار الأردنيين بالقوانين والديون

الثلاثاء 16 مارس 202105:13 م

"خسرنا كل شيء – بيتنا، أغنامنا، كل شيء... كنا يائسين، ولم نتمكن من دفع الإيجار أو شراء الطعام أو أي شيء. ثم عرّفتني إحدى صديقاتي على أختها وزوجها. هما من المقرضين. كانت المرأة تقرضني نقوداً، وعندما يحين الوقت للدفع، يقول زوجها سأدفع لزوجتي نيابة عنك، لكن وقّعي على هذه الورقة الإضافية (كمبيالة فارغة) من أجلي. فعلا ذلك مرات عدة حتى أصبحت مديونة بمبلغ كبير أحاول تسديده".

صاحبة هذه الشهادة، واحدة من أكثر من ربع مليون مواطنة ومواطن أردني يواجهون شكاوى قانونية بسبب عجزهم عن سداد ديونهم، ويواجهون خطر السجن. وتعرض 2.630 أردنياً للحبس (نحو 16% من نزلاء السجون في الأردن) بسبب القروض غير المسددة أو التوقيع على شيكات من دون رصيد عام 2019. نقلت أوضاعهم منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير جديد لها.

وفق دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني عام 2020، تبين أن عدد المطلوبين بسبب عدم تسديد ديونهم زاد عشرة أضعاف في آخر أربع سنوات فقط؛ من 4.352 فرداً عام 2015 إلى 43.624 فرداً عام 2019. في نهاية 2019، بلغ متوسط نسبة الدين لكل أسرة 43% من دخلها.

في حين لا يوفر الأردن حماية اجتماعية لمواطنيه، تسمح قوانينه بالسجن 90 يوماً عن كل دين غير مسدد. حتى مع السجن لا يسقط الدين ويمكن إعادة سجن المدين في العام التالي

في تقريرها المنشور في 15 آذار/مارس الجاري، تسلط هيومان رايتس ووتش الضوء على تعقيدات أزمة الديون في الأردن. ولإعداد التقرير قابلت المنظمة 21 أردنياً متعسراً في سداد دينه داخل البلاد وخارجها، خمسة منهم نساء؛ وعدد من المحامين الأردنيين والخبراء في قانون الإفلاس والإعسار الأردني والمديونية والتمويل الأصغر، وعضو في منظمة إنسانية معنية بسداد ديون المعوزين.

لماذا يقترض الأردنيون؟

يعد الأردن أحد البلدان القليلة في العالم التي لا تزال تسمح بحبس المدين. وينبع العجز عن سداد الديون مباشرةً عن الاقتصاد المحلي المتدهور. يبلغ الدين العام راهناً 96.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع معدل بطالة بلغ 23% في النصف الأول من 2020، وفق تقديرات رسمية.

حسب التقرير، لا يضمن الأردن مستوى معيشياً لائقاً لمواطنيه وسكانه، وليس لديه نظام فعال للضمان الاجتماعي. رغم وجود مبادرات حكومية لمعالجة أزمات الفئات المهمشة، مثل "صندوق المعونة الوطنية" و"برنامج عمال المياومة"، إلا أنها تتضمن فجوات كبيرة وتواجه تحديات، منها التوزيع غير العادل للأموال والصعوبات التي تعانيها الأسر الأفقر في الحصول على المساعدة.

وكما حدث في أغلب دول العالم، فاقمت أزمة فيروس كورونا المستجد من أزمة الفقر في الأردن، فتزايدت أعداد الذين يقترضون لسد احتياجاتهم واحتياجات أسرهم من بدل إيجار مسكن ومأكل وملبس وتعليم وفواتير خدمية وغيرها.

بحلول نهاية 2019، بلغ إجمالي الديون من المؤسسات المصرفية وغير المصرفية المنظمة قرابة 16 مليون دولار أمريكي. لكن، بالنظر إلى جهات الإقراض غير الرسمية ورواجها، يصعب التأكد من عدد القروض النشطة أو إجمالي مبلغ الدين في البلاد.

تعقيدات الديون في المملكة

ويتم الاقتراض في الأردن عبر قطاعات مالية رسمية، وأخرى غير رسمية. والبنوك مسؤولة عن معظم الإقراض الذي يحدث في قطاع الإقراض الرسمي، والذي يخضع للتنظيم الدقيق من قبل البنك المركزي الأردني، علماً أن المؤسسات شبه الرسمية تخضع لإشراف وزارة الصناعة والتجارة وهي غير خاضعة للرقابة أو التنظيم. 

أما المؤسسات غير الرسمية (مثل العائلات والأصدقاء وشركاء الأعمال وتجار التجزئة) فهي غير خاضعة للرقابة، ولا يمكن حصر الديون التي تم إقراضها عبرها، أو التحكم في نسبة الفوائد التي تفرضها.

وثّق التقرير الحقوقي فرض المقرضين العاديين (غير الرسميين) أسعار فائدة مرتفعة على المدينين واستخدام التهديد أو العنف لتحصيل الديون، منتقداً فرض النظام القضائي في البلاد سداد الديون لهذه الجهات - عبر المحاكم- على الرغم من أنها غير مسجلة أو منظمة، وهذا ما قد تترتب عليه عواقب وخيمة على المقترضين المتخلفين عن السداد.

يعاقب المُعسِر في الأردن بالسجن نحو 90 يوماً عن كل دين، ونحو عام عن كل شيك بدون رصيد، وغالباً ما تصدر المحاكم أحكامها دون عقد جلسة استماع أو الإطلاع على دفوع المدين. لأن القانون الأردني لا يراعي نقص الدخل أو عوامل أخرى تعيق قدرة المقترضين على السداد، ويبقى الدين حتى بعد قضاء الحكم بالسجن.

وتسمح القروض غير المنظمة بحدوث انتهاكات. ففي حين أن البنك المركزي حدد 25% حداً أقصى للفائدة، لا يخضع المقرضون غير الرسميين لهذا ويتقاضون أحياناً 50%.

أكثر من ربع مليون أردني يواجهون شكاوى عدم سداد الديون، 2.630 سجنوا للسبب نفسه عام 2019. خلال السنوات الأربع الأخيرة، تضاعف عدد المطلوبين بسبب الديون عشرة أضعاف!

أزمة الكمبيالات

"الكمبيالة" واحدة من أدوات الدين الأساسية التي لا تزال مستخدمة في الأردن، وهي أيضاً أكثرها إشكالية. في حين ثبت إمضاء المدينين على "كمبيالات فارغة"، تقبل بسهولة في المحكمة كدليل على الدين، على الرغم من عدم وجود ضمانات في القانون أو الممارسة ضد إساءة استخدامها، ما عدا التزوير.

استخدمت الكمبيالة في 16 من جملة 21 قضية وثقتها "هيومن رايتس". في إحدى الحالات، قبل قاضٍ كمبيالة فقط بناء على وجود توقيع، مع أن الاسم والعنوان والمعلومات الأخرى كانت خاطئة. في حالتين أخريين، سُجن أفراد بعد أن وقعوا على كمبيالة فارغة. في مثل هذه الحالات، غالباً ما يستغل الدائن الموقف لمضاعفة المبلغ ويحدد تاريخ تسوية قبل التاريخ المتفق عليه بكثير، بحسب محاميَيْن.

في حين يسهل الاقتراض عبر الكمبيالة، تكون العقوبة قاسية في حال التخلف عن السداد. بموجب المادة 22 من "قانون التنفيذ الأردني"، يمكن للدائنين أن يطلبوا سجن المقترضين إذا لم يسددوا ديونهم. والكمبيالات أداة ثبوتية في المحاكم الأردنية.

11 من أصل 21 شخصاً متخلفاً عن السداد قابلتهم هيومن رايتس ووتش بعدما تعرضوا للسجن من ثلاثة أيام حتى 42 شهراً. والبقية توجد شكاوى معلقة بحقهم، ويواجهون خطر الاعتقال في أي وقت، وهذا ما دفع غالبيتهم إلى الاختباء أو الهرب.

مع الفقر ضد الفقراء

الخطير أنه يمكن سجن الأفراد لعدم سداد الديون بموجب قانونين مختلفين في الأردن، والحبس لا يسوّي الديون، بل يحق للدائن أن يطلب تجديد حبس الفرد لنفس الدين غير المُسَدد حتى بعد سجنه 90 يوماً، لكن في العام التالي. بكلمات أخرى، إذا كانت هناك أربع كمبيالات مستحقة على الفرد، يجوز توقيفه لعام كامل. وإذا استمرت عدم قدرته على سداد الكمبيالات، يمكن أن يسجن مرة أخرى في العام التالي، وهذا ما يؤدي إلى دورة من السجن لا تنتهي إلا مع سداد جميع الديون.

وقلما يستمع القضاة للمدينين، وأحياناً اقتيد أشخاص من الشارع أو من منازلهم إلى السجن مباشرةً بسبب ديون. مع العلم أن تكاليف توكيل محامٍ تمثل عقبة أمام قدرة الأردنيين المتعسرين على اتباع الإجراءات القانونية المناسبة في قضايا الديون.

وتتعارض العديد من هذه الأمور مع تعهدات الأردن الدولية القانونية والحقوقية لا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يحظر بشكل قاطع الحرمان من الحرية لعدم الوفاء بالتزام منصوص عليه في أحد العقود "التزام تعاقدي"، وذلك في المادة 11 من العاهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه الأردن.

 هل يحل السجن الأزمة؟

في حين يزعم الدائنون ومحاموهم أنه بدون السجن أو تهديد المدين به لن يكون استرداد القروض مضموناً، أثبتت أبحاث هيومن رايتس ووتش في الأردن أن حبس المدين هو أحد أقل الطرق فعالية لاسترداد الديون، لا سيما من المعوزين.

السجن ليس عقوبة ناجعة لحل أزمة الديون، لا سيما في القضايا التي تتهم فيها نساء أُجبرن غالباً من أقارب ذكور على الاقتراض.

ذلك علاوةً على أنه لا يعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي تؤدي إلى الاستدانة، بل يفاقم الأعباء على كاهل الحكومة الأردنية والمدين وأسرته.

تدهور مستوى المعيشة في عداد أبرز النتائج المباشرة لسجن المدين أو تهديده بالسجن إذ يؤدي ذلك إلى تقويض وضعه الاقتصادي والاجتماعي ووضع الأشخاص الذين يعيلهم أو يرعاهم. 

سجن أرباب الأسر مثلاً، غالباً ما يترك الأسرة بأكملها من دون وسائل لتأمين الضروريات الأساسية، ويخلق مزيداً من الضغط المجتمعي عليهم وعلى الدولة. قال 19 ممن قابلتهم هيومن رايتس ووتش إنهم خسروا وظائفهم وقدرتهم على إعالة أسرهم نتيجة حبسهم أو لكونهم مدينين. في سبع حالات منها، غادر الرجال البلاد لتجنب السجن، تاركين وراءهم زوجاتهم وعائلاتهم ليغطوا نفقاتهم.

دائرة مغلقة 

الحلقة المفرَغة للديون هي سمة منتشرة في الأردن حيث باع العديد من الأشخاص أغراضاً شخصية أو منزلية، أو اقترضوا ديناً جديداً من الأقارب أو طلبوا من زوجاتهم/ أزواجهم وأفراد آخرين من الأسرة الاقتراض لسداد الدين وتفادي السجن. تورط آخرون من العائلة في الديون بسبب "كفالتهم" أقرباءهم الذين عجزوا عن تسديد الدين.

علاوةً على ذلك، يقترن السجن بـ"وصمة عار" اجتماعية متمثلة في اعتبار المدين "نصاباً". كما يؤثر على تنقله بحرية داخل البلاد حتى عقب قضائه العقوبة. 

أحد الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس هو أردني يقيم في مصر حالياً قال إن أطفاله تعرضوا للتنمر بشدة في المدرسة لأنه سُجن لعدم سداد دين عليه. آخرون يعجزون عن الحصول على عمل أو زواج للوصمة نفسها. وهو واحد من آلاف الأردنيين المثقلين بالديون الذين اضطروا إلى الهرب خشية السجن نتيجة عجزهم عن سداد الديون. 

الاضطرار للهرب خارج البلاد لا يضع نهاية لمحنة هؤلاء، إذ يظل الفارون غير قادرين على تجديد جوازات سفرهم، وهذا ما يترتب عليه مصاعب قانونية وأمنية أخرى في بلد الهجرة، بما في ذلك فقدان العمل النظامي والإقامة الشرعية وحرمان الأطفال من التعليم والحصول على الخدمات الأخرى في حال مرافقة الأسرة.

تحصيل القروض الهادفة إلى تمكين النساء أو استدانة الأردنيات أدى في بعض الحالات إلى حبس النساء أو تهديدهن بالحبس. و"لا يمكن التقليل من الأثر المرتبط بالنوع الاجتماعي لحبس المدين"، وفق هيومن رايتس. علماً أنه في بعض الحالات أجبر الأقارب الذكور النساء على الاقتراض.

عام 2019، وجدت دراسة أجرتها "مؤسسة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية" (أرض)، وهي منظمة للمساعدة قانونية، مقرها الأردن، أن الدين أحد أكثر العوامل الملحة التي تعوق التمكين الاقتصادي للمرأة. قال محامٍ للمنظمة إن ابن موكلته هددها بالقتل إن لم تقترض لأجله، ففعلت وعجزت عن السداد فقُدّمت شكاوى عديدة بحقها. في حالات أخرى، تورطت نساء بعدما اضطررن إلى كفالة أزواجهن أو أبنائهن.

ما الحل؟

في ختام تقريرها، قدمت هيومن رايتس عدداً من التوصيات لتخفيف حدة الأزمة. بدايةً، طالبت الحكومة الأردنية ومجلس النواب بـ"إلغاء المادة 22 من قانون التنفيذ الأردني التي تجيز حبس من تخلفوا عن سداد ديونهم"، وفي المقابل "إصدار تشريع يوفر وسائل بديلة للدائنين لاسترداد الديون، ويلزم القضاة بضمان إعطائها [تلك السُبل] الأولوية على السجن"، بما قد يشمل أنظمة الدفع المشترك، أو الاقتطاع من الأجور بما لا يهدد معيشة الفرد المتعسر.

وحمّلت الحكومة والبرلمان مسؤوليتهما في توفير شبكة حماية اجتماعية للمواطنين ومعالجة أزمات الاقتصاد. كما حثت المجلس القضائي ووزارة العدل في البلاد على توجيه السلطة القضائية المعنية بمطالبات الديون إلى تقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمقترضين وقدرتهم على السداد، والعمل مع الدائن والمقترض على وضع خطة سداد تستند إلى القدرة المالية للمقترض، والشروع في إجراءات احتيال جنائية قد تشمل السجن ضد من يعمدون إلى عدم السداد فقط.

أما البنك المركزي الأردني، ففد خاطبته من أجل "تنظيم عمل جميع مؤسسات التمويل الأصغر والإقراض وإلزامها بالتسجيل" لديه، وعدم حبس الأفراد المتخلفين عن سداد قروضهم، توازياً مع "فرض العقوبات وتوسيع قدرات التفتيش، والرقابة، والإنفاذ لتحديد مؤسسات التمويل الأصغر والإقراض التي تنتهك حقوق المدين" و"تحديد أسعار الفائدة" التي تفرضها مؤسسات التمويل والإقراض بمستوى معقول، ومراقبة ذلك.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard