هل تقبل العرب الهزيمة؟

الأحد 11 أبريل 202111:07 ص

منذ لحظة مبكرة في تاريخ الإنسانية الطويل، عرف البشر أن ثمة علاقة وطيدة تربط بين العالم المادي المحسوس من جهة، وعالم الوجدان والشعور من جهة أخرى، وظهر ذلك بشكل واضح في الكثير من الأفعال والممارسات التجريبية، والتي اكتسبت زخماً هائلاً من المشاعر الإيجابية أو السلبية في اللاوعي الإنساني الجمعي.

الهزيمة كانت أحد تلك الممارسات التي انتقلت من الميادين العملية إلى ساحة الأنطولوجيا. فمنذ فجر الحضارة، عرف الناس أن هزيمتهم ليست مجرد خسارة مادية، أو فشل في تحقيق غاياتهم، بل إنها في الحقيقة أمر كارثي اعتاد أن يورث أصحابه الحزن، وأن يؤدي بهم لغيابات الضياع والعدم.

بمعنى أدق، فهم بنو الإنسان أن الهزيمة تفتح الباب واسعاً أمام العديد من الأسئلة الأنطولوجية التي لا تهدأ في عقول أصحابها، فما بين السؤال عن القدر وما بين السؤال عن المصير المجهول، اعتاد الإنسان أن يلملم شتات نفسه عقب كل هزيمة مدوية، ليتفكّر ملياً في كل الجوانب الميتافيزيقية في حياته، وهو الأمر الذي ظهر بكثافة في مدونات التاريخ والأدب والدراما.

سفر المكابيين الأول: مقتل يهوذا المكابي والتيه اليهودي المتجدد

عرف التاريخ اليهودي، تكراراً لتيمة التيه والحيرة، فاليهودي الذي اتبع النبي موسى خارجاً من مصر، وتاه في البرية لمدة أربعين عاماً كاملة، ورّث لذريته الإحساس بالضياع وانعدام الاستقرار، وما بين السبي الأشوري والسبي البابلي والاضطهادات السلوقية والرومانية، انحفرت ذكرى الهزيمة المريرة في ذاكرة اليهود عبر تاريخهم.

الهزيمة في الوجدان اليهودي صارت مع الوقت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية المقدسة. حتى في تلك اللحظات النادرة التي تمكن اليهود فيها من تحويل هزيمتهم لانتصار، أثارت الهزيمة بعض الأسئلة الوجودية المهمة.

الهزيمة تفتح الباب واسعاً أمام العديد من الأسئلة الأنطولوجية التي لا تهدأ في عقول أصحابها، فما بين السؤال عن القدر وما بين السؤال عن المصير المجهول، اعتاد الإنسان أن يلملم شتات نفسه عقب كل هزيمة مدوية، ليتفكّر ملياً في كل الجوانب الميتافيزيقية في حياته

واحدة من تلك اللحظات، كانت لحظة مقتل البطل اليهودي يهوذا المكابي في عام 160ق.م، بحسب ما ورد في سفر المكابيين الأول، فإن يهوذا المكابي قد استلم راية الثورة من يد أبيه الكاهن متتيا بن يوحنا بن سمعان، ليشن ثورة يهودية عارمة ضد الحكم اليوناني السلوقي في فلسطين بقيادة أنطيوخس الرابع.

العهد القديم يصور يهوذا في هذا الوقت على كونه البطل المغوار الذي نهض بكل قوة ليناضل في وجه المعتدي اليوناني الذي يحاول أن يطمس الهوية اليهودية، ومن هنا فإن العهد القديم يقدم صورة مشرقة لذلك القائد الجديد:

"فقام مكانه يهوذا ابنه المسمى المكابي، ونصره كل إخوته وجميع الذين انضموا إلى أبيه، وكانوا يحاربون حرب إسرائيل بفرح. بسط مجد شعبه ولبس درعه كجبار وتقلد سلاح القتال وشنّ الحروب وبسيفه حمى المعسكر. كان كالأسد في مآثره وكالشبل الزائر على فريسته. تعقب الآثمين في آثارهم والذين يفتنون شعبه أحرقهم بالنار.

قُضي على الآثمين لخوفهم منه واضطرب جميع فعلة الآثام ونجح الخلاص عن يده. أذاق الأمرّين لملوك كثيرين وفرح يعقوب بأعماله. فصار ذكره مباركاً أبد الدهور. جال في مدن يهوذا وأباد الكافرين منها وصرف الغضب عن إسرائيل. ذاع صيته إلى أقاصي الأرض وجمع المشرفين على الهلاك...".

المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، والذي أرخ للثورة المكابية بعد نشوبها بنحو قرنين من الزمان، تحدث في كتابه "تاريخ اليهود" عن الروح المعنوية التي سرت في نفوس الثوار المنضوين تحت لواء يهوذا المكابي، فقال في معرض وصفه لأحد المعارك التي دارت بين اليهود والسلوقيين:

"فنظر يهوذا شخصاً راكباً فرساً من نار ولباسه يلمع كالذهب وبیده رمح وهو متوجه لعسكر اليونانيين كأنه يحاربهم، فعلم يهوذا أنه ملاك مرسل من الله لينصره فقوي قلبه وقلوب من معه بذلك، وهجموا على عسكر اليونانيين بالليل، فقتلوا جماعة منهم وأوقع الله في قلوبهم الخوف والرعب فانهزموا...".

هذا التأييد الإلهي يصل لذروته، مع قيام يهوذا بتحرير أورشليم وتطهير الهيكل المقدس في 164ق.م، ليستعيد اليهود ذكريات المملكة الموحدة القوية في زمن كل من داود وسليمان، ولكن وعلى عكس سير الأحداث، قُتل يهوذا المكابي في واحدة من المعارك البطولية سنة 160ق.م، ليبكيه الشعب كثيراً، وليستعيد اليهود الغصة التي لطالما كانت في حلوقهم.

عرف التاريخ اليهودي، تكراراً لتيمة التيه والحيرة، فاليهودي الذي اتبع النبي موسى خارجاً من مصر، وتاه في البرية لمدة أربعين عاماً كاملة، ورّث لذريته الإحساس بالضياع وانعدام الاستقرار

وفي ذلك يقول كاتب الإصحاح التاسع من سفر المكابيين الأول: "فبكاه –أي يهوذا المكابي- شعب اسرائيل بكاءً عظيماً ولطموا عليه وناحوا أياماً وقالوا كيف سقط البطل مخلص إسرائيل؟!".

ثم يسترسل المؤلف بعدها شارحاً الضائقة العظيمة التي ألمت باليهود، فقال: "وكان بعد وفاة يهوذا أن المنافقين برزوا في جميع تخوم إسرائيل وظهر كل فاعلي الإثم، وفي تلك الايام حدثت مجاعة عظيمة جداً فتخاذلت البلاد إليهم، فاختار بكيديس –عدو يهوذا المكابي- الكفرة منهم وأقامهم رؤساء على البلاد، فكانوا يتطلبون أصحاب يهوذا ويتفقدونهم ويأتون بهم الى بكيديس فينتقم منهم ويستهزئ بهم، فحل بإسرائيل ضيق عظيم لم يحدث مثله منذ لم يظهر فيهم نبي".

وهكذا تسبب مقتل يهوذا في إثارة الأسئلة عن المصير القاتم الذي ينتظر اليهود، ورغم انتصار الثورة المكابية في نهاية الأمر، إلا أن الذاكرة اليهودية الجمعية قد سلطت الأضواء على لحظة مقتل المكابي تحديداً، ولا يزال اليهود ينظرون إليه بفخر وتمجيد ممتزجين بالأسى والحزن بعد كل تلك القرون.

المنقذ من الضلال: رحلة الغزالي إلى التصوف

مما لا شك فيه أن الإمام أبا حامد الغزالي، كان واحداً من أهم وأعظم علماء المسلمين على الإطلاق، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً من خلال لقبه الأشهر "حجة الإسلام".

الغزالي، والذي عُرف بدعمه وتأييده المطلقين للخلافة العباسية والدولة السلجوقية، شنّ حملة شعواء على أعدائهم من الشيعة الإسماعيلية، الذين كانوا منتشرين في جهات متفرقة من الأراضي الإيرانية في القرن الخامس الهجري.

في 485هـ، وقعت حادثة خطيرة أثرّت في سيرة أبي الحامد الغزالي، وذلك عندما تم اغتيال الوزير السلجوقي السني، نظام الملك الطوسي –الذي قرب الغزالي من دوائر السلطة والحكم وعهد إليه بالتدريس- على يد مجموعة من فدائيي الإسماعيلية

كان كتاب "فضائح الباطنية" هو أهم الكتب التي صنفها الغزالي في تلك المرحلة، إذ عمل فيه على نقد الإسماعيلية ونقض مذهبهم بالكلية، وأخرجهم من دائرة الإسلام، واتهمهم بالكفر والنفاق.

في 485ه، وقعت حادثة خطيرة أثرّت في سيرة الغزالي، وذلك عندما تم اغتيال الوزير السلجوقي السني، نظام الملك الطوسي –الذي قرب الغزالي من دوائر السلطة والحكم وعهد إليه بالتدريس- على يد مجموعة من فدائيي الإسماعيلية الذين أرسلهم الحسن بن الصباح الحميري.

تلك الحادثة الكارثية والتي عصفت باستقرار الدولة السلجوقية، أودت بالاستقرار النفسي للإمام الغزالي، فنراه في كتابه المسمى "المنقذ من الضلال"، يتحدث عن حالة الاكتئاب التي أصابته، وكيف أن العديد من الأسئلة الأنطولوجية قد تملكت من عقله، ومنعته من ممارسة حياته الطبيعية التي اعتاد عليها من قبل.

يشرح الغزالي ما ألم به في تلك الفترة فيقول: "لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي- وأحسنها التدريس والتعليم – فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هارٍ، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال...".

ويتابع حجة الإسلام وصف الهاوية النفسية التي وجد نفسه يهوي إليها: "فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار؛ إذ قفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب:

كانت الهزيمة المتمثلة في اغتيال الوزير السلجوقي، هي الطريق الذي أثار كل الأسئلة الوجودية في نفس أبي حامد الغزالي دفعة واحدة، وهو الأمر الذي غيّر تماماً من أفكاره، وحدا به ليحول قلبه ناحية الصوفية والتصوف

فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم  لي لقمة؛ وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: (هذا أمر نـزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم)، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر، الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب".

وهكذا، كانت تلك الهزيمة الواقعية المتمثلة في اغتيال الوزير السلجوقي، هي الطريق الذي أثار كل تلك الأسئلة الوجودية في نفس الغزالي دفعة واحدة، وهو الأمر الذي غيّر تماماً من أفكار الغزالي، وحدا به ليحول قلبه ناحية الصوفية والتصوف، ليغادر حجة الإسلام بغداد في رحلة تأملية طويلة، وليعود بعدها صوفياً خالصاً بعدما كان فقيهاً حاذقاً.

سقوط بغداد: حيرة العقل الإسلامي

كان سقوط العاصمة العباسية بغداد على يد القوات المغولية في 656ه/ 1258م، حدثاً كارثياً في تاريخ الإسلام. المسلمون الذين اعتادوا أن يأمنوا في دار السلام، وجدوا نفسهم في ليلة وضحاها وقد وقعوا بين براثن جحافل المغول المندفعة، والتي اعتادت أن تدمر كل ما يقف أمامها من عوائق.

المؤرخ كمال الدين ابن الفوطي، كان واحداً من شهود العيان على وقائع الغزو المغولي لبغداد، وقد اهتم أن يذكر بعض المقتطفات من مشاهداته لوقائع ذلك الغزو في كتابه "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة"، ومن ذلك قوله:

"ووضع السيف في أهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب مدة أربعين يوماً، فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال فلم يبق من أهل البلد ومن التجا إليهم من أهل السواد إلا القليل...".

هذه المشاهد المؤسفة، كانت بمثابة نكسة وهزيمة مدوية للعقل المسلم السني الجمعي، ذلك أن الكثير من الأخبار التي وردت في المصادر التاريخية أكدت على أن ما وقع بالعباسيين في بغداد قد أذهل المسلمين وأصابهم بالحيرة، خصوصاً أن طول عمر الدولة العباسية، وتمكن خلفائها من الحفاظ عليها لما يزيد عن الخمسة قرون –من 132 إلى 656ه- قد حدا بالبعض ليظن أنها ستبقى قائمة حتى تقوم الساعة.

سقوط العاصمة العباسية بغداد على يد القوات المغولية،  كان بمثابة نكسة وهزيمة مدوية للعقل المسلم السني الجمعي، ذلك أن الكثير من الأخبار التي وردت في المصادر التاريخية أكدت على أن ما وقع بالعباسيين في بغداد قد أذهل المسلمين وأصابهم بالحيرة

من هنا فأننا نجد بعض الشعراء والأدباء الذين رثوا بغداد بمجموعة من الأعمال الأدبية التي تفوح منها رائحة الأسئلة الأنطولوجية العميقة، ومنهم على سبيل المثال، الشاعر الكوفي الواعظ شمس الدين محمد بن عُبيد الله، والذي عبر عما في نفسه فقال:

يا نكبة ما نجا من صرفها أحد... من الورى فاستوى المملوك والملك

تمكنت من بعد عز في أحبتنا... أيدي الأعادي فما أبقوا ولا تركوا

لو أن ما نالهم يُفدى فديتهم... بمهجتي وبما أصبحت أمتلك

ربع الهداية أضحى بعد بعدهم... معطلاً ودم الإسلام منسفك

أين الذين على كل الورى حكموا... أين الذين اقتنوا أين الأولى ملكوا

وقفت من بعدهم في الدار أسألها... عنهم وعما حووا فيها وما ملكوا

أجابني الطلل البالي وربعهم... الخالي نعم ها هنا كانوا وقد هلكوا

ثلاثية غرناطة: أسئلة مريمة اليائسة

بقي الإسلام قائماً في شبه الجزيرة الأيبيرية لمدة تزيد عن الثمانية قرون، فمنذ دخل المسلمون الأندلس في عهد الأمويين في 92ه إلى أن خرجوا منها بعد سقوط حكم دولة بني الأحمر في 897ه. احتفظت الثقافة الإسلامية لنفسها بمكاناً بارزاً في الذاكرة الأيبيرية (الإسبانية والبرتغالية)، وتمكن الأمراء والخلفاء العظام، من أمثال عبد الرحمن الداخل، عبد الرحمن الناصر، والحاجب المنصور والمعتمد على الله بن عباد، من إيجاد موضع مهم لهم في التاريخ الأيبيري.

سقوط غرناطة، وانتهاء التواجد الإسلامي في الأندلس، بقي واحداً من أكثر اللحظات تأثيراً في الذاكرة الإسلامية خصوصاً، والذاكرة الإنسانية بوجه عام، إذ احتفظت كل من المدونة الإسلامية والأرشيف الإسباني بوقائع الاضطهاد التي عانى فيها المورسيكيون من جراء حملات التنصير الممنهجة التي مارسها ضدهم ملوك قشتالة وأراجون.

في روايتها الرائعة "ثلاثية غرناطة"، ألقت الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، الضوء على تلك الأحداث المؤسفة، من خلال استعراضها لتاريخ ثلاثة أجيال من أسرة واحدة، قُدر لها أن تعايش فترة الاستيلاء الإسباني على غرناطة، أخر معاقل الإسلام في الأندلس.

واحدة من أهم وأعظم المقاطع المبكية في الرواية، هي تلك التي تحكي عن انهزام ثورة "البشرات" سنة 1569م، وهي الثورة التي أشعلها المورسيكيون رفضاً للأحكام الجائرة التي مارستها السلطة الإسبانية بحقهم.

 عاشور اختارت أن تصور اللحظة الصادمة التي تصل فيها أخبار انهزام الثورة ومقتل زعيمها الأموي محمد بن أمية، إلى مسامع مريمة، تلك العجوز الهرمة التي كانت تمني نفسها بانصلاح الأحوال أخيراً بعد طول هوان وذل، فإذا بها تعرف خبر انهزام الثوار لتفقد بارقة الأمل الأخيرة لديها، ولتسأل نفسها بمرارة مجموعة من الأسئلة الأنطولوجية القاسية:

سقوط غرناطة، وانتهاء التواجد الإسلامي في الأندلس، بقي واحداً من أكثر اللحظات تأثيراً في الذاكرة الإسلامية خصوصاً، والذاكرة الإنسانية بوجه عام

"لم تستمع مريمة لذلك الخبر الأخير، إذ انهمكت في الإمساك بعصاها ومحاولة القيام، ودخلت الدار وأغلقت الباب وراءها. جلست في الرواق وكشفت رأسها وتطلعت إلى السماء وتحدثت بالصوت المسموع: ما عدنا نطيق، والله ما عدنا نطيق، فلماذا تبلونا بكل هذا البلاء؟ هل طلبنا منك الكثير؟ لم أطلب جاهاً ولا مالاً. ما طلبت سوى أن أكحل قبل الموت عيني برؤية الصغار وأن أدفن بعد الموت بما شرّعته من غسل وكفن وآيات من آياتك تُقرأ في العلن علي. فلماذا تضن وأنت الكريم؟ ولماذا تستبد وتقهر وتتجبر، وأنت الرحمن الرحيم؟".

لعبة العروش: العدل لا يتحقق على الأرض

أثار مسلسل Game Of Thrones والذي تم عرضه بأجزائه الثمانية في الفترة ما بين 2011م إلى 2019م، إعجاب الملايين من المشاهدين والمتابعين حول العالم.

بالنسبة للكثيرين ممن شاهدوا المسلسل، كانت لحظة مقتل الأمير أوبرين مارتل على يد الجبل، في الموسم الرابع، هي أعظم لحظات المسلسل على الإطلاق، وذلك لم أكتنفها من تداخل قوي ومؤثر بين مجموعة من المشاعر المضطربة والقلقة.

في هذا المشهد يتطوع الأمير أوبرين مارتل لقتال الفارس القوي المعروف باسم الجبل، وبعد أن يحقق تفوقاً ملموساً في القتال ويقترب من الإجهاز عليه بشكل تام، يبدأ الأمير أوبرين في أداء مونولوج يوضح فيه أسباب تطوعه للقتال، فيقول: "أنا شقيق إيليا مارتل... هل تعرف لماذا أتيت على طول الطريق إلى هذه الكومة النتنة من المدينة؟ لقد جئت لك. سأسمعك تعترف قبل أن تموت. لقد اغتصبت أختي. لقد قتلتها. لقد قتلت أطفالها. قلها الآن ويمكننا إنهاء هذا بسرعة.

انتظر هل تحتضر؟ لا لا لا. لا يمكنك أن تموت بعد. أنت لم تعترف.

قلها. قل اسمها. إيليا مارتيل. لقد اغتصبتها. لقد قتلت أطفالها. إيليا مارتيل.

من أعطاك الأمر؟ من أعطاك الأمر؟ قل اسمها! لقد اغتصبتها! لقد قتلتها! لقد قتلت أطفالها! قلها! قل اسمها!".

وهكذا، يكرر الأمير أوبرين كلماته، مطالباً الفارس المُسجى أمامه بالاعتراف قُبيل الإجهاز عليه، وفي الوقت الذي تقترب فيه العدالة الشاعرية من التحقق، تحدث المفاجأة، ويتمكن الجبل من إسقاط الأمير أوبرين، ثم يرفعه بيديه العاريتين، ويخاطبه: "إيليا مارتيل! لقد قتلت أطفالها! ثم اغتصبتها! ثم حطمت رأسها هكذا!"، وأمام أعين المشاهدين التي تسارعت دقات قلوبهم، يقوم الجبل بتحطيم رأس أوبرين الذي يصرخ مذعوراً من هول الألم والمفاجأة. وهكذا، في مشهد واحد فقط، يتحول الوعد بتحقيق العدالة والحق، إلى كابوس ينتصر فيه الشر بأفظع صورة ممكنة.

أتذكر جيداً أنني لم أستطع النوم لعدة ليالٍ بعد أن انتهيت من مشاهدة تلك الحلقة، إذ ظلت أصداء صرخة أوبرين المذعورة تترد في أذني لتخبرني كم هي قاسية تلك الحياة، وكيف أننا لا نعيش في دنيا طوباوية، من اللازم أن ينتصر فيها الحق في نهاية المطاف!!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard