هزيمة يونيو 1967 ونهاية الحكم الشمولي في مصر

الخميس 4 يونيو 202010:49 ص

تُعَدّ حرب يونيو 1967 من أهم الأحداث في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. أصبحت الأراضي التي احتلتها إسرائيل أساساً لسياساتها في ما يتعلق بالعرب وبقية العالم. وحتى اليوم، الموقف الرسمي الفلسطيني، بدعم من جامعة الدول العربية، على أساس المبادرة السعودية لعام 2002، هو إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية التي احتلتهما إسرائيل في حرب يونيو.

لذلك، ليس من المستغرب أن تعتبر جميع الأطراف المعنية أن المنطقة لا تزال تعيش في أعقاب تلك الحرب.

على الرغم من كون مصر واحدة من الجهات الفاعلة الرئيسية في الحرب، إلا أن معظم المصريين بالكاد يعترفون بآثارها البعيدة. بالنسبة إلى غالبية المصريين، تُعتبر حرب يونيو حدثاً كارثياً أدى إلى خسارة شبه جزيرة سيناء. موقف مؤسف تم تصحيحه من خلال قوة الجيش المصري وأدائه في حرب أكتوبر 1973 و"دهاء" الرئيس أنور السادات في المفاوضات التالية. بالنسبة إلى غالبية المصريين، هذه هي نهاية القصة.

ما يفشل العديد من المصريين في إدراكه هو أن التأثير البعيد المدى لحرب يونيو في ما يتعلق بمصر كان تأثيراً داخلياً. ولعل أهم نتائج هزيمة 1967 هي التغيير التاريخي في مصر من وجود حاكم لديه أيديولوجية قومية وسيطرة على جميع جوانب الحياة الاجتماعية ودعم مطلق من قبل غالبية المواطنين إلى وجود حاكم يحتكر السلطة السياسية فقط، وليس لديه وهم بالدعم الشعبي الشامل، وأكثر اهتماماً بالنظام الداخلي من الشؤون الخارجية.

منذ انقلاب 1952 واستيلاء جمال عبد الناصر على السلطة بعد ذلك بعامين، كان من غير المعقول لكل من الحاكم والمحكوم تصوّر أن جماهيرَ من المصريين الساخطين يمكن أن تخرج إلى الشوارع ضد أبيهم الروحي، أي رئيسهم. قبع المعارضون السياسيون في السجون، وسيطر الناصريون على وسائل الإعلام والنقابات، وأثبتت المباحث العامة أنها أكثر من كافية لسد أي فجوة أمنية. كانت بلا شك ديكتاتورية، ولكنها مع ذلك كانت مدعومة، وبشكل متعصب، من قبل الأغلبية المطلقة في البلاد. ولو قرر الشيوعيون أو مؤيدو الإخوان المسلمين التظاهر في الشوارع ضد عبد الناصر، لكانت الجماهير قد مزقتهم إرباً.

انتهى كل هذا في أعقاب هزيمة يونيو.

بعد الحرب مباشرة، كان الشعور العام هو أنه بما أن الرئيس الأب لم يكن بالتأكيد مسؤولاً عن مثل هذه الكارثة، فمن المؤكد أن المجموعة غير المؤهلة حوله هي المسؤولة عن ذلك. كان من المسلَّم به في كل مكان أن فشل الجيش المصري يرجع إلى تدمير سلاحه الجوي في بداية المعركة. بدون غطاء جوي، كان من المستحيل على القوات البرية القتال. وبناءً على ذلك، كان قرار الانسحاب أمراً لا مفر منه وخسرنا الحرب.

"لعل أهم نتائج هزيمة 1967 هي التغيير التاريخي في مصر من وجود حاكم لديه أيديولوجية قومية وسيطرة على جميع جوانب الحياة الاجتماعية ودعم مطلق من قبل غالبية المواطنين إلى وجود حاكم يحتكر السلطة السياسية فقط، وليس لديه وهم بالدعم الشعبي الشامل"

تغاضى الجميع عن أخطاء عبد الناصر السياسية الفادحة وتفضيله أهل الثقة على أهل الخبرة وألقي باللوم على قادة الجيش الذين كرههم الشعب وشيطنهم، ليس فقط لخسارة الحرب وسيناء، ولكن أيضاً لوضع الأب عبد الناصر في مثل هذا الموقف المهين. وفاءً لهذا الاستنتاج المرضي، تظاهر ملايين المصريين في الشوارع رافضين تنازل عبد الناصر عن السلطة. وبعد ذلك تراجع الشعب وانتظر كبش الفداء.

في فبراير 1968، عندما انتهت محاكمة قادة القوات الجوية بما اعتبره الكثيرون أحكاماً مخففة على عدد محدود من القادة وتبرئة آخرين، كانت مصر كلها في حالة غضب. تظاهر عمال المصانع من حي حلوان الصناعي في ضواحي القاهرة في الشوارع وأحاطوا بمركز شرطة قريب وأطلق الجنود النار مما أدى إلى إصابة أكثر من عشرين شخصاً. عندما وصلت أنباء هذا الحادث إلى الجامعات، نزل الطلاب إلى الشوارع وانضمت إليهم جماهير من السكان. ولعدة أيام، كانت هناك أعمال شغب واشتباكات أصيب فيها عشرات الطلاب وأفراد الشرطة. في النهاية، لم يجد النظام مفراً من التراجع عن موقفه وأعلن أنه ستُعاد المحاكمات.

لكن ذلك لم يكن نهاية الأمر.

"بعد حرب يونيو، تغاضى الجميع عن أخطاء عبد الناصر السياسية الفادحة وتفضيله أهل الثقة على أهل الخبرة وألقي باللوم على قادة الجيش الذين كرههم الشعب وشيطنهم، ليس فقط لخسارة الحرب وسيناء، ولكن أيضاً لوضع الأب عبد الناصر في مثل هذا الموقف المهين"

إن إمكانية الحركة الشعبية الجماهيرية ضد عبد الناصر، والتي لم يكن من الممكن التفكير فيها قبل ذلك، عرضت نفسها فجأة بقوة. ما زاد الطين بلة وعزز مخاوف النظام هو عدم قدرة قوات الشرطة غير المدربة على التعامل مع الجماهير. عندما اندلعت أعمال شغب جديدة من قبل الطلاب في نوفمبر من نفس العام، تم اتخاذ القرار بوضع قطاع من المجندين في الجيش تحت إمرة الداخلية وأنشئت قوات الأمن المركزي المصرية بعدها ببضعة أشهر.

إن إنشاء قوات الأمن المركزي له أهمية تاريخية قصوى. لقد شكّل تحولاً من الاعتقاد بأن النظام مدعوم شعبياً وبأن قوات الشرطة التابعة له كافية لحمايته من المعارضة المجزأة إلى الاعتراف والتسليم بأن النظام غير مدعوم شعبياً ويحتاج إلى الحماية من الحركات الشعبية الجماهيرية.

بعد عهد عبد الناصر، لم تعد العلاقة بين رئيس الدولة والشعب قط إلى قوتها السابقة. أمر السادات بمضاعفة عدد القوات بعد انتفاضة الخبز عام 1977 واتفاقية كامب دافيد في العام الذي تلاه، وأثبتت الأنظمة التالية أنها ليست راغبة أو مهتمة في تقديم أيديولوجية تجذب دعماً شعبياً هائلاً. بدلاً من ذلك، ركزوا على احتكار السلطة السياسية، والقضاء على البديل السياسي، وتخوين المعارضة، والاستمرار في الاختباء وراء قوة الأمن المركزي.

أصبح وهم الدعم الشعبي الجماهيري شيئاً من الماضي وزاد عدد القوة بشكل كبير على مدار العقود ليتعدي الآن 300 ألف فرد، جيش كامل غرضه الوحيد حماية الدولة من شعبها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard