الرعب! الرعب!... متلازمة ستوكهولم التي وَرِثناها عن جيل النكسة المهجّن

الأحد 14 يونيو 202010:00 ص

في نهاية رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد، يهمس الكولونيل كورتز بطل الرواية: الرعب! الرعب! ويلفظ أنفاسه الأخيرة. هذا حال لسان القائمين والمسيطرين على سوريا حالياً: الرعب والرعب فقط.

درع الصمود

عشر سنوات مرّت ومئات الآلاف قضوا في ساحات المعارك أو ببرميل أو صاروخ سقط على غفلة من السماء أو سلاح آخر. آلاف المخبرين يتجّولون في الأحياء وآلاف المخفيين والمعتقلين. حملات ترهيب وتخوين ومئات الملايين صُرفت على ميزانية إعلامية فاشلة ومسرحيات انتخابية أفضت إلى تسيُّد أشخاص هم أقرب إلى "كومبارس" للمشهد السياسي والإعلامي.

رغم كل ما سبق، ما زال الفشل الحليف الأصدق لنظام الحكم في البلاد، بدليل حالة الذعر التي يعيشها هذه الأيام بسبب التظاهرات التي خرجت في السويداء، والتعاطف العام الذي حازت عليه في أنحاء البلاد، وسط غياب أي حجة يستقوي بها هذا النظام وأتباعه، فهذه التظاهرات لم تخرج من جامع، وإنما من مدينة تعيش فيها أقلية، مثل مدينة اللاذقية أو طرطوس، أقلية لطالما استخدم النظام حجة حمايتها والذود عنها ضد الإرهاب والإرهابيين وجَعَلها درعه الواقي للاستمرار.

لا تجعلوا من أنفسكم شمّاعة

مؤسفة هي ردات فعل رعايا الطواغيت، أو مثيرة للشفقة. لنتخيّل حال ابن (أو ابنة) رجل بلطجي عليه أن يبرّر للناس تصرفات والده في كل مرة يرتكب سلوكاً شريراً كضربه أو ضرب والدته أو جيرانه. قد يتذرّع مرّة بالخمر، ومرّة أخرى بالمخدرات أو بالغضب، ولكن في مرحلة معيّنة سينتهي قاموس الذرائع لديه.

لنتخيّل مرة ثانية رقعة جغرافية تحكمها عائلة منذ خمسين عاماً وتقطنها مجموعة من الناس، سنسميهم شعباً، بحكم الأمر الواقع. لنسقط العلاقة بين الأب البلطجي وابنه على هذه الرقعة الجغرافية. ما مقدار بؤس الابن حتى يستمر بالتبرير للجلاد؟ ما مقدار تعاسته حين يعمي عينيه عن رؤية قاتله المترصد له خلف الباب؟ بأي قطن يصمّ أذنيه عن سماع أنين الموت؟

ما أشبه اليوم بأمس بدايات الثورة البعيد. حملات افتراضية لصفحات محلية خاصة بالمحافظات تدعم "القائد" وتبرر لإعفائه من مسؤولية ما يجري من انهيار معيشي ونقدي، وتحمّل المسؤولية كاملة للحكومة والوزراء. ما أشبه اليوم بالأمس: اتهامات تُرمى ذات اليمين وذات الشمال وسط فقدان للمواد الأولية والأدوية وفقدان الشماعات التي اعتاد النظام تعليق خطاياه عليها. الآن، لا يوجد تنظيم داعش ولا عمليات قتالية ولا تفجيرات.

ستوكهولم-دمشق

ما يثير الاستغراب حقاً هو استمرار شريحة معيّنة من الناس بدعمها العميق للنظام القمعي وطغمته الحاكمة، حتى ولو كان جزء كبير منها مستفيداً منه أو كان. يستدعي الأمر التوقف والتأمل في تمسك هذه الفئة بالدفاع عن النظام حتى الرمق الأخير. ربما هي حالة ما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم، أي متلازمة تضامن الضحية مع جلادها.

شعور الشفقة على بلدنا يلازمنا، بلدنا الذي ضحى به جيل الآباء، جيل النكسة الذي رضخ وتم تهجينه، وسلّم الراية ومزّق أوراقه

كل يوم، تظهر مناشدات واستجداءات وهمية تحث الرئيس السوري على التدخّل وإنقاذ الناس من هلاكها الاقتصادي، عن طريق محاسبة الحكومة التي عيّنها وضبط التجار الذين يحميهم، رغم أن تغيير الحكومة لن يغيّر في الواقع شيئاً. تصرّ الشريحة سابقة الذكر على تبرئة الرئيس من أي خطأ وتنزيهه عن محيطه.

العود الأبدي

يستيقظ السوريون صباحاً. يتفقّدون أجسادهم خوفاً من فقدان جزء ما. الجسد مكتمل. لم يُفقد منه أي جزء خلال الليل. ينهضون كالموتى في سعي لتوفير الطعام، كما في الفيلم الإسباني القاسي "المنصة"The Platform الذي يتنقل أبطاله الموجودون في سجن عموديّ فريد من نوعه كل فترة إلى طابق مختلف، وكلّما كان الطابق أدنى كلّما قلّ الطعام حتى يختفي نهائياً في الطوابق السفلى. تتحول حياتهم خلال فترة محكوميتهم إلى سعي دؤوب عن الطعام. لا شيء آخر. فقط الطعام للبقاء على قيد الحياة.

هي حالة تشبه فكرة "العود الأبدي" الفلسفية. يكرر النظام نفس السيناريو ويمارس نفس الترهيب. ويكرر أتباعه والمستفيدون منه نفس القصيدة الرديئة: "نحن معاك للموت". هل تريد الموت على بطن فارغة؟ هل تقبل الموت فقط لمجرد خوفك من الآخر؟ الآخر الذي لا يريد شيئاً سوى العيش في دولته عزيز النفس بكرامة.

في نهاية رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد، يهمس الكولونيل كورتز بطل الرواية: الرعب! الرعب! ويلفظ أنفاسه الأخيرة. هذا حال لسان القائمين والمسيطرين على سوريا حالياً: الرعب والرعب فقط

الآن وقد جعت، وجاع ولدك ووالدك ووالدتك، ماذا بقي لديك لتخسره بعدما كنت قد فقدت حريتك وأرواح أحباء قُتلوا على جبهات القتال؟ بطاقات التموين وصفوف انتظار تسلّم عبوات الغاز والوقود وتقنين الكهرباء؟

شعور الشفقة على بلدنا يلازمنا، بلدنا الذي ضحى به جيل الآباء، جيل النكسة الذي رضخ وتم تهجينه، وسلّم الراية ومزّق أوراقه. إنه جيل خسر حروب الأمة كلها وانبرى على الشاشات يرفع سبابته مهدداً ومدافعاً عن خمسين عاماً ركض ويركض فيها خلف قوت يومه كحمار المطحنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard