النكسة والشعراء المصريون... كيف خلقت الهزيمة قصائد الرفض؟

الجمعة 5 يونيو 202010:55 ص

مع الذكرى الثانية والخميسن لنكسة 5 يونيو 1967 لمصر، في حربها ضد الاحتلال الإسرائيلي، نسترجع ترويج إعلام الدولة الناصرية للانتصارات الوهمية على العدو، وعندما كانت الدولة العسكرية لا تسمح إلا بظهور شاعر يرضى عنه نظامها، للترويج لأفكار ومبادئ ثورة يوليو، ومدح الرئيس جمال عبد الناصر. لكن مع انكشاف خبر الهزيمة وخداع السلطة للشعب، اعتبر هذا من أهم الأسباب السياسية لظهور شعراء الرفض بقصائدهم التي تحدثت عن الخيبة، والإحباط، والغضب، وتلك الساخرة من الانتصارات الوهمية وأخرى لم تتنازل عن الأمل... وفي الفقرات التالية نستعرض أبرز شعراء وقصائد تلك الفترة.

صلاح جاهين… شاعر ثورة يوليو

كان الشاعر الأول لثورة يوليو هو صلاح جاهين، بسبب حماسه وتأييده لمبادئها وتغنيه بالرئيس جمال عبد الناصر في كلمات أغانيه وأشعاره، وبعد وقوع نكسة يونيو 1967، اكتأب وانطفئ حماسه الذي كتب به أغاني مثل: "يا أهلا بالمعارك" و"والله زمان يا سلاحي" وغيرها من الأغاني الحماسية، لشحذ همم الجنود والشعب، وكما ظهر في فيلم "حليم" في المشهد الذي قام بأدائه ابنه "بهاء" وقال فيه: "يا حليم إحنا جينا نغني للناس غنينا عليهم".

لكن ربما كان صمته هذا هو أبلغ تعبير في تلك المرحلة، برغم عدم انقطاعه عن الكتابة بشكل تام، ولكنه ابتعد عن الكتابة الوطنية إلا في بعض الاستثناءات القليلة، وهناك موقف متداول معبر، عندما كتب عام 1972 فيلم "خلي بالك من زوزو"، وبعد حرب أكتوبر 1973، كتب فيلم "أميرة حبي أنا"، الذي أثار غضب نجيب سرور الذي عندما سمع أغنية "بمبي" ذهب لبيته ليعاتبه بحنق وحسرة: "بمبي يا صلاح!؟ بمبي ولسه البلد خربانة، ولسه دم خواتنا مابردش..." لم يستطيع جاهين الرد، لكن ربما جاء وصف حالة تلك المرحلة كما جاء في قصيدته "أنغام سبتمبرية":

"وقف الشريط في وضع ثابت

دلوقت نقدر نفحص الصورة

انظر تلاقي الراية منشورة

مِتْمَزّعة لكن ما زالت فوق

بتصارع الريح اللي مسعورة"


 مع انكشاف خبر الهزيمة وخداع السلطة للشعب، اعتبر هذا من أهمّ الأسباب لظهور شعراء الرفض بقصائدهم التي تحدثت عن الخيبة، والإحباط، والغضب، وتلك الساخرة من الانتصارات الوهمية وأخرى لم تتنازل عن الأمل... وفي الفقرات التالية نستعرض أبرز شعراء وقصائد تلك الفترة

عبد الرحمن الأبنودي… موال النهار

كانت الأجواء في أوج الاستعداد لقصائد الغضب والرفض والإحساس بمرارة الهزيمة مع اختلاف زوايا طرحها، بعد صدمة الهزيمة ورفض جاهين الكتابة لعبد الحليم عقب النكسة، كتب الشاعر "عبد الرحمن الأبنودي" بعد علمه بالخبر "موال النهار" التي لحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم.


وجاءت كلماتها بمفردات من البيئة الصعيدية مغلفة بمجاز شعري حالم، رغم تحميلها بمشاعر مرارة الهزيمة واللحن المليء بالحزن في نصفها الأول والحلم بالعبور من الأزمة في نصفها الثاني.


أما القصيدة غير المشهورة نسبياً، ألا وهي "كباية شاي"، المنشورة في ديوان "الزحمة"، والتي عند قراءتها لأول مرة دون معرفة سياقها الزمني والسياسي، نشعر أن الأبنودي يهرتل، لكن عندما نعرف أنها توصف حال القاهرة بعد النكسة نندهش، حيث يرصد مشاعر الناس بكاميرا تشبه الفيلم التسجيلي الخالي من الأحداث المهمة، وتشعر فيه بمنتهى الملل والركود.

لكنه رصد لحالة المجتمع، وربما لهذا جاء بناء القصيدة شبه نثري، ولغتها تخلو من المجاز، تبدأ القصيدة من جلوسه على قهوة في شارع شبرا، ويبدأ في التقاط التفاصيل المملة، حيث كباية الشاي الماسخ ويستكمل "من مده طويله مشافتش حي... كان الشارع نابض فيه الدم المطفي وحي"، ويلتقط الرجل والبنت والست والولد يجتمعون في وصفه، بين الصمت والتعب والسلبية وقلة الحيلة، وينهيها بتلخيص ذلك في مشهد "عدى الراجل اللي منزلشي من ع العجلة بقي له ست سنين... كان تعبان جداً... وموطي ومش بيبدل خالص"، بينما يتعجب الجرسون عندما يأخذ منه البقشيش، في تكرار لمتلازمة "خالص خالص خالص".

ربما كان سبب اختلاف موقف/ طرح شعراء مثل جاهين والأبنودي، هي شخصيتهم الدبلوماسية التي تستخدم في كل مقام مقال، أو تعرف المراوغة السياسية، في اختلاف طرحهم بين الأغاني الحماسية الجماهيرية والقصائد الذاتية المقهورة الكئيبة.

أحمد فؤاد نجم… ميلاد شاعر الغضب

أما على الجانب الآخر، فكان الشاعر المهمش أحمد فؤاد نجم، والذي لم يكن له علاقة بالشعر السياسي قبلها، وقد بلغ الثامنة والثلاثين من عمره ويقترب من سن الكهولة التي تنفذ على مشارفه عادة طاقة التمرد، بينما يجوب الأفراح وحفلات الطهور وجلسات المزاج مع الشيخ إمام، حدثت النكسة لتغير عالمه وتعلن عن ميلاد شاعر الغضب.

فقد هجر كل ذلك واختفى بحجرته الضيقة أياماً، وخرج بعدها وقد كتب البلاغ رقم واحد لتمرد الجيل، وفي ساعات كان صديقه الشيخ إمام قد لحن القصيدة وغناها حيث يقول في بدايتها: "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا... يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار... (...) إيه يعني لما يموت مليون... أو كل الكون... العمر أصلاً مش مضمون... والناس أعمار (...) إيه يعني فى العقبة جرينا... ولا فـ سينا... هي الهزيمة تنسينا... أننا أحرار (...) أشعار تمجد وتماين... حتى الخاين... وإن شاء الله يخربها مداين... عبد الجبار".

كانت الأغنية إدانة صريحة للبيروقراطية العسكرية، بسخرية زجلية لاذعة خرجت من لغة الحواري من سياسات النظام، بما فيها، كما يقول في النهاية، الأشعار التي غيبت الشعب، وقد أمضى فيما بعد منذ عام 1968 حتى 1971 معتقلاً في سجن القناطر الخيرية بسبب أشعاره السياسية، ورفضه أن يكون بوق لإعلام الدولة.

أمل دنقل… معارض دائماً

أما أمير شعراء الرفض أمل دنقل، والذي كان يعلن رفضه القاطع لما سماه الشِعر التابع، الذي يكتبه الشاعر بما يتلاءم مع ما يصله من بيانات الدولة الإعلامية، ويرى أن الشاعر لابد أن يكون معارضاً دائماً، حتى وإن كان الواقع مستقراً وجميلاً فهو يطمح للأجمل، فما بالك إن كان الوضع وضع سوء وهزيمة.

في قصيدته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" استدعى الرمز من الميثولوجيا العربية (التي كانت معادل لقوميته السياسية)، زرقاء اليمامة هي قصة شعبية قديمة تداولتها الأجيال، وكانت زرقاء العينين ترى الشخص على مسيرة ثلاثة أيام، أنذرت قومها من العدو فلم يصدقوها، واستتر العدو بالأشجار وحملوها أمامهم، وعندما وصلوا إلى قومها أبادوهم وفقؤوا عينيها، فزرقاء اليمامة هنا الشخصية المتمردة المتجاوزة لواقعها وزمنها، يمكن أن ترمز لأصوات المعارضة من المثقفين والسياسيين، متمثلة في الشاعر الذي ربما يواجه نفسه، والذي يتفاعل مع ضحايا الحرب متمثلة بالجندي الذي حمل العار دون أن يقتل نفسه، ويترجى العرافة المقدسة أن تتكلم بلا جدوى، لكن قد أصابها العمى كما أصاب الشعب بعد أن غفلت السلطة عن رؤية الحقيقة وخدعته.

"أيتها العرافة المقدَّسة...

جئتُ إليك.. مثخناً بالطعنات والدماءْ

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

أسأل يا زرقاءْ.."


بين اختلاف زوايا طرح الشعراء المرتبط باختلاف توجههم السياسي، للتعبير عن الانفعال الذي ولدته مرارة الهزيمة، نرى كيف أثارت إبداعاً شعرياً بين قصيدة العامية والفصحى، بشكل مغاير لما سبق النكسة، يمكننا من خلاله رصد حال الشعب من ذاكرته الشعرية

فؤاد قاعود… شاعر الرفض أيضاً

أحد رواد شعراء العامية، فؤاد قاعود، الملقب بشاعر الرفض أيضاً، والذي كان شعره يتسم بطابع فلسفي وجودي، وكان يرفض الشهرة، ربما لذلك لم يكتب عن النكسة في عام وقوعها، لكن حين تقرأ قصيدته "الصدمة" التي يكرر فيها شعوره بين فقدان الشغف بالحب والفن، والإيمان بالحزن العميق، ولا جدوى الكلام والأرق، وفقدان الدهشة منذ عام على كل المستويات.

وهذه القصيدة المدهشة بشكل عام، حتى إن قرأتها خارج سياقها الزمني والسياسي، لكنها تجعلك تتساءل لماذا حدث كل ذلك منذ عام تحديداً؟ وعندما تعرف أنه كتبها في أول ذكرى لنكسة يونيو 1968 تعرف الإجابة وتندهش أكثر، ربما لذلك هو الأثرى فنياً بين شعراء العامية الآخرين، فابتعد فيها تماماً عن المباشرة وكانت شديدة الذاتية والشاعرية، تصف المعنى بشكل سوريالي، حيث يقول بآخر مقطع:

"لو النجوم تنزل وتمشي في الشوارع

ولو العمارات تطير

ولو الضفادع في الشتا عرقت

والجو في أغسطس أصبح مطير

ولو الحمير اتكلمت بفصاحة

والنملة صبحت في ضخامة الفيل

مش هاندهش

بعد اللي فات

علشان أنا من سنة

إحساسي بالدهشة مات"

بين اختلاف زوايا طرح الشعراء المرتبط باختلاف توجههم السياسي، للتعبير عن الانفعال الذي ولدته مرارة الهزيمة، نرى كيف أثارت إبداعاً شعرياً بين قصيدة العامية والفصحى، بشكل مغاير لما سبق النكسة، يمكننا من خلاله رصد حال الشعب من ذاكرته الشعرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard