أبحث عن بيروت ولا أجدها

الأحد 14 مارس 202110:47 ص

في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2020، كنت في ميشيغان، أمشي بين الأموات في مقبرة الحيّ الذي أقطنه. كان الطقس لطيفاً. فكّرت كثيراً في بيروت وفي الموت. كانت المرّة الأولى التي أشعر فيها بالسلام والهدوء في مقبرة، لا بآلام في المعدة ناتجة عن الخوف، وهذا موضوع آخر يرتبط بتعامل الشعوب المختلف مع الحداد والرحيل.

استمعتُ إلى وردة وبليغ حمدي يغنيّان "العيون السود". نسختهما المسجّلة سوياً هي الأحبّ على قلبي. دوّنتُ على هاتفي جملاً عشوائية:

"هناك، على مسافة تبعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، وُلدتُ

في بلد يطول فيه بقاء الشمس

حيث يموت الناس وهم أحياء

هنا،

على رخامة قبر رجل أميركي

صورة له في سيارته الكلاسيكية

كُتب تحتها oh I’m fine أنا جيّد

والابتسامة تعلو وجهه

كان سعيداً. هكذا يبدو

يراسلني صديقي: "انبسطي، الحياة قصيرة"

أنتبه

 لم نطلب سوى أن نقول إننا بخير

في حياتنا القصيرة هذه

وألا نموت قتلاً أو قهراً

وأن نستمع لألحان بليغ ما حيينا

فغداً نموت

ولا يبقى لنا سوى الشجر".

كنت أكتب كثيراً كلّما شعرتُ بالغضب أو الحزن أو الفقد. دوّنت أحلامي، وفي كل مرّة أعود إلى قراءتها أشعر بالخوف. كلّها كوابيس لا تنتهي، حروب ودماء، وجثث، وملاحقات، وإرهاب، وقصف، إلا أن الكابوس الأبشع كان بعد انفجار بيروت وتوالي الأخبار والمآسي: رأيت امرأة حيّة تحت التراب، وحاولت جاهدة أن أنتشلها، كانت مهمّة شاقّة، وفجأةً وجدتُ طفلاً صغيراً بجانبها، حملته واستيقظت.

عدت إلى بيروت بعد سنة. العودة بعد هذا الغياب كانت أشبه بزيارة قبر شخص أحببته وتوفّي. لن تجده ولم تحظَ بفرصة المشاركة في تأبينه أو في محاولة إنقاذه. في فيلم "سينما باراديزو" (1988)، يعود سلفاتور، بعد أكثر من عشرين عاماً، ليشهد على عملية هدم مبنى السينما الذي أحبّه وعمل فيه. انمحت ذكرياته أمامه بلمح البصر، ونحن كنّا قد شهدنا على سقوط الكثير من الأمكنة في مدينتنا، لكننا لم نتوقع أن تتهاوى فوق رؤوس أبنائها هكذا... دفعة واحدة.

"أسترجع سنيني الخمس في بيروت وأردّد: أيُعقل أننا سهرنا، مشينا، ثملنا، قبّلنا، تظاهرنا، ضحكنا، بكينا، قرأنا، تشاجرنا في مدينة كانت عبارة عن قنبلة موقوتة، وكانت لتنفجر فينا في أي لحظة؟!"

عدتُّ إلى هنا، حيث وُلدت، إلى بيروت ولم أجد إلّا شوارع فارغة، أصدقاء يائسين، وأمكنة جمعتنا لليالٍ وأيام تُغلق أبوابها الواحد تلو الآخر. لم يبقَ لي سوى عائلة وأصدقاء يحلمون أو يخططون للرحيل. لي ذكريات بداية عشريناتي عندما كنت فتاةً مندفعة وشغوفة. أسترجع سنيني الخمس في بيروت وأردّد: أيُعقل أننا سهرنا، مشينا، ثملنا، قبّلنا، تظاهرنا، ضحكنا، بكينا، قرأنا، تشاجرنا في مدينة كانت عبارة عن قنبلة موقوتة، وكانت لتنفجر فينا في أي لحظة؟! يصعب استيعاب مثل هذا الأمر، ثمّ ما معنى أن تستمرّ الحياة فوق كل هذه الدماء؟ لا أظنّ أنّها استمرّت. أن تلمس الكآبة الجماعية على وجوه الناس لا يعني أنّ الحياة استمرّت. الأيام هنا تمضي وحسب.

"يقول أمين معلوف في رواية ‘بدايات’: ‘المسافة تصون الحب’. نعم المسافة تصون الحبّ تجاه هذا البلد، والحنين أخفّ وطأةً على الروح من القلق، ومن كثافة الأحداث السياسية، فنحن كلبنانيين، مع كل ما يفرّقنا من انتماءات لا تجمعنا سوى التروما"

يقول أمين معلوف في رواية "بدايات": "المسافة تصون الحب". نعم المسافة تصون الحبّ تجاه هذا البلد، والحنين أخفّ وطأةً على الرّوح من القلق، ومن كثافة الأحداث السياسية، فنحن كلبنانيين، مع كل ما يفرّقنا من انتماءات لا تجمعنا سوى التروما. صدمة تلو الأخرى، من جيل الأجداد والأهل وصولاً إلينا: اجتياح اسرائيلي، حروب أهلية، اغتيالات، انفجارات، أزمات اقتصادية، واليوم لا نتحدث في أي شيء سوى عن كم أننا متعبون.

عندما سافرت، لاحظت في البداية أنني عاجزة عن الشعور بالاستقرار، أنني أبحث دائماً عن شيء ما ينقصني. كنت أبحث عن مدينتي. ولكن عندما عدت إلى زيارتها، أيقنت أنني لن أجدها وصرت أبحث عنها فيها، بدون أن أتمكن من الشعور بما كنت أشعر فيه في شوارعها. الحياة، الأماكن، الضجة، والأصحاب ما عادوا موجودين.

نحن أبناء الفقد، سنغادر وسيبقى شيء ناقص في داخلنا مهما حاولنا، سنتيّقن في لحظة ما أننا لن ننجو، سنبقى كالمعلَّقين في الهواء، إذ بتنا لا ننتمي لا إلى هنا ولا إلى هناك، حيث سنهرب. ربّما فقط سنكون نسخاً أفضل عن أنفسنا، وسنظلّ نحسّ بحسرة في القلب عند الجلوس مع أصدقاء من جنسيات مختلفة كبروا في ظروف طبيعية، وسنسأل دائماً لمَ كُتب علينا نحن كل هذا؟

هل سيتسنّى لنا أن نقول إننا بخير على غرار الرجل الأميركي في سيارته الكلاسيكية؟ لسنا كذلك. لسنا بخير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard