لم أمشِ خطوة في شوارع عكّا ببطني الكبير

السبت 27 فبراير 202110:46 ص


قبل أيام، طلبت من أخ زوجي، وهو مصوّر فوتوغرافي، أن يأتي إلى بيتنا لالتقاط صورة لي وأنا حامل إلى جانب زوجي. جاء وطبعاً التقط أكثر من صورة واحدة ونحن "نتمرقح" من الضحك على غرابة الموقف، حيث كان المشهد شبيهاً بأداء قديم، قبل عصر الكاميرات في البيوت أو الهواتف، عندما كان يذهب العرسان (أو مازال) أو العائلة إلى استوديو تصوير في بلدهم، لالتقاط صور تذكارية.

أردت صورة تذكارية لجسمي وأنا حامل. صورة لا تشبه صور السيلفي التي أُرسلها لأمي وأخوتي وصديقاتي، ولا صورة لوحدي يلتقطها زوجي. أريد صورة تصلح لأن تُعلّق على الحائط أو تُرفع على إنستغرام، تشكّل إثباتاً لكل من يراها، بأني حامل.

فأنا امرأة حامل في الغربة، في بلد جديد وفي وقت لا يزور فيه أحد الآخر. حتى صاحب الدكان القريب لا يعرفني وأنا حامل، لأن الخروج إلى الشارع يشكّل خطورة ما بالتقاط الفيروس، وكذلك استحالة الخروج من البيت في البرد ابن الكلب أصلاً في هذه البلاد. 

أين هو البيت؟ في المكان الذي أعيش فيه حميمية حملي، أم ذلك البعيد الذي يحوي كل رغبات الوحام، كاللبنة مثلاً؟

لا أنكر أني في فترة الحمل الأولى، كنت مرتاحة لفكرة "إخفاء البطن". رغبة بأن أعيشه وحدي لبعض الوقت، أستوعب ما يحدث بداخلي، أعيد التفكير في فحص الألتراساوند الأوّل الذي ترى فيه الطبيبة نبض قلب الجنين، وأعيد التفكير بلحظة إبلاغي أن في داخلي نبضين. وأصرف الوقت بأن أتذكر وجهي الذي ما زال يستوعب الحياة في الغربة، بأنه خلق قلبين يشكّلان بيته الدافئ الذي سيخفف ثقل أيام قادمة، كالتي أحضرها كورونا، وأحاول أن أستوعب فعلاً.فلم يرَ بطني الذي يكبر أحد، عدا زوجي وحيطان البيت، حتى مكالمة الفيديو مع أمي التي لم أرها منذ أكثر من عام، لا تُظهر بطني الكبير، بل وجهي فقط، وعليّ كل مرة أن أبعد الكاميرا عني كي ترى تطوّرات حجمه وهو يحتضن التوأم داخله.

 كأن ضجيج الحياة الذي اختفى، والانتقال إلى مدينة جديدة لم أعش فيها "صياعتي"، وغياب شبكة أماني، من عائلة وصديقات وأصدقاء، كانت كلّها مشقات وتحديات يومية كرهتها، لكنها أتاحت لي استيعاب أني امرأة حامل، فساعدتني الغربة على ذلك، وأعجبتني حياة "الزووم" واجتماعات الواتساب، وتجنّب الروائح التي زادت حساسيتي تجاهها مع الحمل.

لكن في لحظة ما، أردت صورة تذكارية تفسّر لكل بيوتي المكوّنة من بشر وبلاد، كيف سأصبح أمّاً عمّا قريب. كان عليّ أن أبحث عن دليل مرئي وغير مكتوب كهذا، لأن الناس يصدقون الصور أكثر للأسف، حتى في عصر الفوتوشوب، أردت دليلاً يشرح للعالم كيف سيصبح عندي بنتان.

لماذا هذا الهاجس؟ لأن في الغربة نتعلّم أن نبني بيوتاً. 

أنا امرأة حامل في بلد جديد وفي وقت لا يزور فيه أحد الآخر. حتى صاحب الدكان القريب لا يعرفني وأنا حامل، لأن الخروج إلى الشارع يشكّل خطورة ما بالتقاط الفيروس، وكذلك استحالة الخروج من البيت في البرد ابن الكلب أصلاً في هذه البلاد

عُرف أهل مدينتي عكّا، وهي مدينة فلسطينية بحرية تقع على ساحل المتوسط، محاطة بأسوار من جهاتها الثلاث، بأنهم حين تخطو رجلهم خطوة خارج السور، يقسمون "وحياة غربتي". وأحياناً يقسمون بها وهم على أسطح بيوتهم التي ما زالوا يسكنونها، إن لم تستولِ عليها سلطات الاستعمار الإسرائيلي بعد.

وعُرفنا كفلسطينيين في أراضي الـ48، بأننا غرباء في وطننا. أي نحن في بيتنا، لم نُهجّر منه أبان النكبة، أو هُجّرنا منه إلى بيت آخر داخل حدود فلسطين، لكننا نعيش في غربة فيه. فالبيت حين يغيب سكّانه يصبح غريباً، والغربة ليست بالضرورة منفى أو شتات أو مهجر، ولا هي مربوطة ارتباطاً وثيقاً بحركة البشر إلى أماكن جديدة فحسب، سواء كانت اختيارية أو قسرية، بل بإمكانها أن تتجسّد بشعور امرأة غاب حبيبها عن البيت.

فأنا ابنة غربة غير اختيارية أوّلاً، وابنة غربة اختيارية في بداية الثلاثينيات من عمري، حين تركت بلدي باتجاه الغرب، الغربة، لأصبح غريبة تبحث عن بيت جديد.

لكن غربتي الأولى، مدينتي، والبحر القريب من بيت أهلي، لم يعرفوني كامرأة حامل. أي لم أمشِ خطوة على "الشاطئ الغربي" من بيتنا باتجاه بيت عمتي في البلد القديم، داخل السور، ببطني الكبير. لم أسلّم على المارين من أهل بلدي، ولم يسألني أحد: "شو؟ وين صرنا؟"، استفساراً عن أسبوع الحمل، ولم تركض عمتي إلى المطبخ تجهز لي ما يشتهيه الوحام. إذن، أين هو البيت؟ في المكان الذي أعيش فيه حميمية حملي، أم ذلك البعيد الذي يحوي كل رغبات الوحام، كاللبنة مثلاً؟

سألتني أمّي عن الوحام، وقلت لها بأني لم أشعر به أبداً. لا أعرف إن كنت فعلاً لم أشعر به، أو كانت هذه آلية تعامل مع حقيقة أن كل ما يشتهيه وحامي الفلسطيني غير موجود في الغربة. من أين ستأتيني وجبة سمك "سلطان إبراهيم"؟ فالبيت الأوّل وسمكه، أو الغربة الأولى، بعيد جداً، وحتى البيت الذي كان محطّة بين بيتين، أي بين عكّا وأمستردام، ألا وهو برلين، وفيه تجد الحبالى من بلادنا ما تشتهيه في "شارع العرب"، يحتاج إلى ست ساعات بالقطار، وفي كورونا أصبح السفر صعباً.

بالعودة إلى اللبنة، كانت أوّل ما بحثت عنه في أمستردام. مع بداية الحمل، ذهبت إلى حوالي 10 بقّاليات تركية في محاولة لأجد لبنة، حتى لو كانت تركية، لكني وجدت الطحينة بدلاً منها. لم تكن المسألة سيئة، لكني أريد اللبنة على وجه الخصوص.

 كانت أمّي قد أعطتني في وقتٍ ما "كيس لبنة" كي أجهزها في البيت. ولم أستخدم الكيس في برلين لسهولة الحصول على اللبنة هناك مقارنة بهنا، فكان أول استخدام له في أمستردام، وقد نجحت العملية. لكن فكرة غياب علبة لبنة في مدينتي الجديدة، كالخنجر في القلب.

في مرة، زرنا أنا وزوجي صديقتنا اللبنانية والمقيمة في أمستردام. وبعد أن سألتها عن حالها، قلت: "في محل تشتري منه لبنة؟". لم تجبني، بل ذهبت إلى الثّلاجة وأخرجت علبة لبنة كالتي تُباع في برلين، ووضعتها أمامي. كانت سعادتي أكبر من فرح عودة الشمس إلى هذه البلاد. وعرفت أنها تشتريها من دكان جديد، صاحبه سوري، بالقرب من بيتنا، والذي أصبح مزارنا الأسبوعي فيما بعد، لشراء اللبنة، الزيت السوري، الزيتون، المكدوس الجيّد والملوخية الورق، لأن العائلات المسيحية في فلسطين تطبخ الملوخية ورقاً، والعائلات المسلمة تطبخها مفرومة (ما حدا فاهم ليش)، وأنا بالعموم أتبع وصفات أمّي بالطبخ. ولربما الملوخية هي من الأشياء القليلة التي تكشف الديانة التي تنتمي لها عائلتي، هذا في حال زرتنا في البيت وقررت أن تفتح الفريزر! 

المهمّ، وجود اللبنة الدائم في الثلاجة، جعل الغربة أقرب من البيت. وعندما قررت في صباح ما أن أخلط اللبنة مع قطع من البصل، وأضع عليها الملح والفلفل الأسمر، ومن ثم أدهنها على شرائح من الخبز وأخبزها في الفرن، لتصبح قريبة من رائحة منقوشة اللبنة والبصل لجدّتي سلمى، أصبحت الغربة بيتاً أكثر.


سألتني أمّي عن الوحام، وقلت لها بأني لم أشعر به أبداً. لا أعرف إن كنت فعلاً لم أشعر به، أو كانت هذه آلية تعامل مع حقيقة أن كل ما يشتهيه وحامي الفلسطيني غير موجود في الغربة. من أين ستأتيني وجبة سمك "سلطان إبراهيم"؟

في غربتي الاختيارية، وبالتزامن مع التغييرات التي أحضرها كورونا إلى العالم، أردت أن أبني بيتاً، وداخل البيت عائلة، والعائلة هي البيت أيضاً. كأن الكارثة التي ألمت بالعالم كلّه، أعادت ترتيب سُلّم أولوياتي، ولم تخيفني الغربة كإطار لبناء هذا البيت، فأنا غريبة بالسليقة: ولدت في غربة داخل بيتي، وصنعت في سفري بيوتاً كثيراً مؤقتة ودائمة، وحاربت على خلق مساحة لسردياتي كامرأة، في منظومات كاتمة للأصوات وقامعة للأجساد. وبهذه المعارك، صنعت بيوتاً أيضاً، فأنا جاهزة للأمومة الآن. وبالعموم، في زمن كورونا لا يحدث شيء، والبارات مقفلة، وبالتالي، هذا الزمن هو الفرصة الذهبية للحمل لمن هن مثلي، اللاتي احترفن صناعة بيوتاً من حكايات الليل في البارات.

بعد التقاط صورة الحمل مع زوجي، نشرتها عبر إنستغرام. خروج بطني إلى العلنية كان مفاجئاً لي أيضاً، بالرغم من أنه يعيش معي، على جسدي وفي بيت واحد. مع لحظة العلنية هذه، يأتي إدراك الغربة التي عاشها بطني أكثر مني. فأنا اعتدت الغربة، لكنه جديد على مفهوميْ البيت - الغربة. فأنا بيته، لكنه لا يعرف ماذا تعني "الغربة"، ولم يكن يعرف بعد كل بيوتي، من بشر وبلاد، فإدراك الثنائية هذه حصل عند لحظة العلنية، وما وصلنا، أنا والتوأم وزوجي، من حبّ بلهجات وكلمات متنوعة. حاولت أن أقرأها له على الملأ، علّه يستوعب ما تخسره امرأة حامل في الغربة لم تمش ببطنها الكبير في شوارع بلدها، تسلّم على الجيران وتضحك على أسئلتهم الحشرية، وتشتمهم سراً.

فكان نشر الصورة بيتاً في الغربة، مرفقاً بأمنية سرية كأمنياتنا الأقرب إلى القلب، مفادها: ليت التكنولوجيا تتطوّر كي تجد طريقاً لأن توصل الصورة إلى أبي. فلا غربة أقسى من أنه لن يراني يوماً وأنا امرأة حامل. فقد رحل قبل أن أخبره بأني تعلّمت كيف أخلق بيتاً في الغربة، وهذا درسٌ مكتسب لا علاقة له بالبحث والإيجاد، أو حتّى بما فُرض علينا، هذا درسٌ تُعلّمه غربة فقدان الأب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard