كيف سعت بريطانيا إلى إرضاء شاه إيران من "كيس" الإمارات؟

الثلاثاء 12 يناير 202112:16 م

حاولت بريطانيا نهاية ستينيات القرن الماضي شراء الجزر الإماراتية المتنازع عليها مع إيران وتقديمها هدية إلى نظام الشاه محمد رضا بهلوي بغرض "تسوية النزاع" و"ضمان استقرار المنطقة" التي كانت بصدد إنهاء الحماية عليها والخروج منها.


كشفت هيئة الإذاعة البريطانية عن هذا المخطط، أمس، 11 كانون الثاني/ يناير، استناداً إلى وثائق سرية حصلت عليها حصراً. 


وفي كانون الثاني/ يناير عام 1968، أعلنت بريطانيا اعتزامها الانسحاب من المنطق بحلول نهاية العام 1971. للترتيب لهذه الخطوة، قام ويليام لوس، المبعوث البريطاني الخاص إلى المنطقة، بجولة طويلة ختمها بلقاء شاه إيران، وقدم على إثرها تقريراً للحكومة البريطانية يطرح فيه ثلاثة سيناريوهات لإنهاء الصراع بين النظام الإيراني وإمارة الشارقة (التي تتبعها جزيرة أبو موسى) وإمارة رأس الخيمة (التي تتبعها جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى) بشأن السيادة على الجزر الثلاث. علماً أن بريطانيا كانت تعترف بالسيادة العربية عليها قبل ذلك بعشرات السنين.


شراء الجزر أو الاستيلاء عليها

الحلول الثلاثة المطروحة في التقرير كانت: التوصل إلى اتفاق، وفرض اتفاق، وخيار عدم التحرك. فصّل لوس خيار التوصل إلى اتفاق بأنه يشمل وسائل عديدة بينها شراء بريطانيا للجزر ثم إهداؤها للشاه، أو تأجيرها فترة طويلة لإيران، أو الاتفاق على سيادة مشتركة للعرب والإيرانيين عليها، أو تنسيق الترتيبات الأمنية بينهما عليها.

رغم إقرارها بالسيادة العربية عليها قبل ذلك بـ80 عاماً... وثائق سرية تكشف تخطيط بريطانيا للتحايل على العرب وممارستها الضغوط المستمرة عليهم بالتواطؤ مع شاه إيران لتذهب الجزر الإماراتية إلى إيران

كتب لوس في تقريره: "يمكننا أن نحاول شراء الجزر من الحاكمين المعنيين ثم نسلمها إلى إيران مقابل تعويض مالي أو مجاناً. وقد يشمل ذلك بدائل عدة، منها تأجير بحق الانتفاع فترة طويلة (100 سنة) للجزر من الحاكمين، ثم ‘نؤجرها نحن من الباطن‘ للشاه".


لكن التقرير لم يغفل التساؤلات والاعتراضات التي قد تضعف هذا الاقتراح الذي كان من شأنه أن يكلف الخزينة البريطانية ملايين الجنيهات الإسترلينية، في حين أنه لم يكن مضموناً أن يوافق شاه إيران على فكرة "تأجير" الجزر الذي يرى أنها جزء من بلده. توقع لوس رفض الشاه دفع مقابل "ما يعلن لشعبه صراحة أنها حقوق إيران". مع ذلك، اقترح أن "تُقدّم الصفقة إلى الشاه على أنها إعادة ممتلكات مستحقة لإيران مقابل تعويض خفي تحت غطاء صفقة سلاح حالية أو عبر صفقة تجارية ما".


ولم يتجاهل لوس احتمال رفض حاكمي إمارتي الشارقة ورأس الخيمة عرض البيع أو التأجير طويل الأمد، واعترف بأن تقديم العرض للحاكمين "يحمل مخاطرة هي أنهما ربما يكشفان نهجنا بما ينطوي عليه من ضرر لاحق في علاقاتنا مع العرب الآخرين". وكان مبعث اعتقاده برفض الحاكمين الإماراتيين هو "تركيز الاهتمام في العالم العربي على هذه المسألة".


في نهاية عرضه، خلص لوس إلى أن الحل الأول "غير عملي بسبب التطورات الأخيرة في موقفي حاكمي الإمارتين والشاه"، مرجحاً أن يكون الحل الثاني -فرض اتفاق- فعالاً وفسرّه بأنه يتمثل في لجوء بريطانيا إلى نقل السيادة على الجزر إلى إيران بالقوة في تحول تام عن الموقف الرسمي للمملكة المتحدة الذي يقر بالسيادة العربية على الجزر لـ80 عاماً.


في ختام عرض هذا الحل أيضاً، وجد المبعوث البريطاني أنه "لن يكون في مصلحة بريطانيا إهانة الرأي العربي والدولي لهذه الدرجة"، معرباً عن اعتقاده بأن "كل الوزراء البريطانيين المعنيين بهذا الملف يوافقونه الرأي".


أما عن الحل المقترح الثالث، "السعي إلى تسوية عبر التفاوض بين الحاكمين والشاه. وفي حالة فشل المساعي ‘لا تتخذ بريطانيا أي خطوات استباقية لمنع إيران من الاستيلاء على الجزر بعد انتهاء الحماية البريطانية‘"، فقال إن بلاده لا تزال تدرسه. يتضح مما جرى لاحقاً أن بريطانيا اتبعت هذا النهج إذ امتنعت عن التدخل حيال الاحتلال الإيراني للجزر عقب أربع سنوات من مساعي التسوية.

فاوضت بريطانيا شاه إيران لتقديم "إغراءات" مالية لحاكمي الشارقة ورأس الخيمة للتنازل عن الجزر طوعاً، وفي المقابل خوّفت العرب من أن تأسيس دولتهم -الإمارات العربية المتحدة- لن ينفعهم أو يدعم حظوظهم في حسم هذا الصراع

وفق الوثائق، بنت بريطانيا موقفها من هذا الصراع على عدة أسس هي:


  • بريطانيا تعترف بسيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر لكنها وجدت، في السنوات الأخيرة، أنه لا بد من إنهاء هذه القضية.


  • بريطانيا بذلت أقصى ما في وسعها لحل الأزمة لكن الإيرانيين قرروا أخذ الجزر بالقوة.


  • فشلت مساعي بريطانيا لإقناع حاكمي رأس الخيمة والشارقة لكنهما يرفضان تبني خط معقول، ومن ثم لم نحقق نجاحاً.


  • لا بد أن نكون صرحاء مع الشاه ونبلغه بأننا حاولنا وفشلنا، والإيرانيون يعلمون، أننا حشدنا دعم السعوديين والكويتيين للتوصل إلى تسوية عبر التفاوض.


  • ما زلنا نعتقد أنه يجب تسوية مسألة من هذا النوع بالتفاوض، وسنواصل جهودنا عبر الأمم المتحدة أو أي جهة أخرى للتوصل لحل بالاتفاق.


  • سنظل نحاول فترة أخرى قادمة ممارسة الضغط على الإيرانيين لقبول المقترحات البريطانية.


خلفيات اتخاذ هذا الموقف

حسم لقاء لوس شاه إيران الذي استمر ساعتين ونصف الساعة، في 13 شباط/ فبراير عام 1971، في سويسرا، الموقف البريطاني إذ أفاد المبعوث البريطاني بأن الشاه أكد صراحةً أنه لن يقبل أي درجة من درجات الاعتراف بسيادة عربية على الجزر.


وشدد رضا بهلوي على ضرورة الحصول على الجزر في نهاية المطاف، لافتاً إلى أن أية ترتيبات أمنية مستقبلية قد تشارك فيها إيران لن تطبق إلا عقب تسوية الخلاف على السيادة على الجزر بطريقة مرضية لبلاده.


وشرح لوس في تقريره أن موقف شاه إيران تلخص في أن أي مشروع لتسوية مسألة الجزر عبر ترتيبات أمنية مشتركة "ليس مقبولاً"، وأن أي حل وسط مقترح سيُعدّ "تسوية مؤقتة" وأن الحاكمين الإماراتيين ينبغي أن يكونا على علم بذلك قبل توقيع مثل هذا الاتفاق. وأقر الشاه بأنه على الرغم من أن استيلاء إيران على الجزر قبل نهاية الحماية البريطانية عليها قد يكون له بعض المزايا، فهو لا ينوي فعل ذلك لأنه لا يرغب في إحراج صديق وحليف أو إثارة شجار مع بريطانيا.


وحين اقترح لوس على الشاه "إغراء" الحاكمين الإماراتيين بـ"معونة مالية كبيرة" منه للتوصل إلى تسوية، "أبدى استعداداً ليكون سخياً للغاية"، مشترطاً التأكد من "رضا كامل من جانب الحاكمين بتسليم السيادة على الجزر طوعاً إلى إيران"، وفق ما ورد في التقرير البريطاني. كما حذر من أنه "إذا اضطر إلى الاستيلاء على الجزر بالقوة، فإنهما (الحاكمان الإماراتيان) لن يحصلا على أي شيء على الإطلاق".


خرج لوس من اللقاء باقتناع هو: "التوصل إلى تسوية عبر التفاوض لمشكلة الجزر وفق شروط يمكن أن يقبلها الحاكمان لم يعد ممكناً"، خاصةً بعدما أبلغه الشاه أن "إيران ستحرك ببساطة القوات إلى جزيرتي طنب لدى انسحاب القوات البريطانية من الخليج". إلى ذلك، اتجه البريطانيون إلى إقناع العرب بأنه ما من حل سوى تسوية مع الإيرانيين دون الإصرار على مسألة السيادة.

قال لوس لحاكم الشارقة إنه "ما لم يقبل تسوية هذه المشكلة بالاتفاق، فلن يخسر جزيرته فقط وكل المزايا الأخرى التي تعود عليه من صداقة إيران، بل سيكون أيضاً مسؤولاً عن فشل الاتحاد (دولة الإمارات) وتعريض مستقبل جيرانه ومستقبله هو أيضاً للخطر"

الضغط على العرب

قبل قليل من الموعد المزعوم لإنهاء الحماية البريطانية، في شباط/ فبراير عام 1971، التقى الشيخ خالد بن صقر، نائب حاكم رأس الخيمة، مع لوس لبحث سبل تسوية خلاف الإمارة مع إيران بشأن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. كتب لوس في تقريره أنه أبلغ الشيخ بأن "الشاه عازم على أن يحتل الجزر سواء بحل وسط يبتّ النزاع أو بالقوة".


كما أوضح له أن بريطانيا ترى أنه "يجب أن يصل إلى تفاهم مع الإيرانيين"، منبهاً إياه إلى أن "الشاه لا يناور"، ونصحه أيضاً: "أي شيء يمكن أن تأخذه رأس الخيمة هو أفضل من لا شيء على الإطلاق". ذهب المبعوث البريطاني أبعد في تحذيراته لصقر حين قال له إنه "لن يكون واقعياً أن تأمل رأس الخيمة في أن تجد حلاً لهذه المشكلة عبر إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة لأن الشاه سيعارض تشكيل أي اتحاد يشمل رأس الخيمة حتى تُحل مشكلة الجزر".


تبين الوثائق أيضاً حجم الضغوط المستمرة التي مارسها البريطانيون على حاكم الشارقة آنذاك، خالد بن محمد القاسمي، لقبول تسوية مع الإيرانيين بشأن جزيرة أبو موسى.


في أحد اللقاءات بينهما، قال لوس للقاسمي إنه "ما لم يقبل تسوية هذه المشكلة بالاتفاق، فلن يخسر جزيرته فقط وكل المزايا الأخرى التي تعود عليه من صداقة إيران، بل سيكون أيضاً مسؤولاً عن فشل الاتحاد (يقصد تأسيس دولة الإمارات) وتعريض مستقبل جيرانه ومستقبله هو أيضاً للخطر"، وفق ما أفاد به في إحدى الوثائق سفير بريطانيا لدى البحرين الذي كان حاضراً اللقاء.


في حين أن الوثائق لا تشرح تفاصيل الاتصالات الأخيرة بين بريطانيا وكل من العرب وإيران، إلا أن ما جرى لاحقاً هو سيطرة الجيش الإيراني بالقوة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1971، وقبل يوم واحد من إعلان بريطانيا رسمياً إنهاء حمايتها عليها، وبعد خمسة أيام من إعلان اتحاد الإمارات العربية.


أما جزيرة أبي موسى، التي كانت القوات الإيرانية قد دخلتها بالتزامن وفق اتفاقية لتقاسم السيطرة بين إمارة الشارقة ونظام الشاه، فسيطرت عليها إيران وأقامت فيها منشآت عسكرية عام 1992.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard