هجوم أربيل يرسم خطوط النار بين طهران وواشنطن

الخميس 18 فبراير 202111:02 ص

ورثت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ملفات ملتهبة، ووجدت نفسها تحمل كرة اللهب مبكراً وربما مبكراً جداً... وفي الغالب يكون الشرق الأوسط أوّل مَن يطرح الأسئلة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

مساء 15 شباط/ فبراير، وقبل أن تستكمل إدارة بايدن شهرها الأول، طُرح أحد هذه الأسئلة الصعبة، بعد مقتل متعاقد أجنبي وجرح عسكري أمريكي وسبعة مدنيين، إثر تعرض محيط مطار أربيل، في إقليم كردستان العراق، ومناطق مجاورة لهجوم صاروخي.

انطلقت الصواريخ في ساعة متأخرة من مساء ذلك اليوم من منطقة تقع جنوب مدينة أربيل الرئيسية قرب الحدود مع محافظة كركوك، كما سقطت على بعض المناطق السكنية القريبة من المطار.

وأعلنت مجموعة تطلق على نفسها تسمية "سرايا أولياء الدم" مسؤوليتها عن الهجوم. وعلى الرغم من عدم إعلان هذه المجموعة رسمياً عن أي انتماء إيديولوجي أو عقائدي، إلا أن تقارير إعلامية غير حكومية تقول إنها إحدى فصائل "حزب الله العراقي" المرتبط بإيران والتابع للحشد الشعبي.

ولتزداد الأمور تعقيداً على إدارة بايدن، سارعت إيران إلى نفي أي صلة لها بالحادث. ففي تصريحه لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "فارس"، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زادة: "نفنّد هذه الشائعات بشدة، كما ندين بشدة هذه المحاولة المشبوهة لإلصاق هذا الحادث بإيران".

أدان المتحدث محاولات إلصاق الهجوم ببلاده، غير أنه لم يعبّر صراحة عن إدانته للهجوم نفسه، في إشارة يظنها مراقبون ذات دلالة. فإيران تتجنب المواجهات المباشرة كتكتيك أساسي في مواجهتها مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وتفضل بدلاً من ذلك استخدام ما يمكن أن نسميه الحروب منخفضة التكلفة.

فباستثناء الهجوم على قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق انتقاماً لمقتل الجنرال قاسم سليماني، تفضل إيران استخدام وكيل محلي موالٍ لها لزعزعة الاستقرار، تقدّم له الدعم السياسي واللوجيستي دون أن تتورط في مواجهة مباشرة ودون إعلان مباشر عن مسؤوليتها عن أفعاله.

ميادين جديدة... مواجهة جديدة

كان للهجوم هدف أساسي هو استهداف مصالح أمريكية محتمَلة، لكن مكانه يؤشّر على أن المصالح الأمريكية لم تكن الهدف الوحيد من ورائه. فرغم أنه لم يكن الأول من نوعه على المصالح الأمريكية في العراق، لكنه يؤشر على رغبة في خلق مساحات جديدة للمواجهة وفي تحقيق أهداف فرعية أخرى.

فعلى خلاف المعتاد في مثل هذه العمليات، اختار منفّذو الهجوم ساحة المواجهة في كردستان العراق ومطارها الأهم بما يعني أن الهجوم يهدف أيضاً إلى إحراج حكومة الإقليم التي ترغب في تنسيق أمني أوسع مع الولايات المتحدة.

تتصاعد الخلافات بين الميليشيات الشيعية وحكومة إقليم كردستان المحلية حول مناطق النفوذ، والانتشار، وإدارة ملف التدخل التركي، والتنسيق الأمني مع القوات الأمريكية. وقطعاً، سيزيد هذا الهجوم من الخلافات الكردية-الشيعية.

"بعد الهجوم على مطار أربيل، يجد رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي وحكومته مرة أخرى أنفسهم رهينة تبادل النيران وتبادل الغضب الإيراني-الأمريكي، ما يفرض عليه مرة أخرى محاولة إرضاء أطراف داخلية وخارجية يصعب إرضاؤها معاً"

سيدفع الهجوم حكومة كردستان العراق إلى مزيد من التنسيق مع الولايات المتحدة، نظراً لتنامي التهديد المزدوج من تركيا ووكلاء إيران، وهو تنسيق ربما يحظى برضى شعبي كردي بعد الغضب الشعبي من أماكن سقوط الصواريخ.

فقد سقط عدد من الصواريخ في مناطق سكنية مكتظة، في ما يبدو أنه استهانة بتكلفة الإضرار بالمدنيين في المدن الكردية على خلاف المدن الشيعية التي تكون فيها الهجمات أكثر دقة لتجنب سقوط مدنيين، ما يوحي بأن أولوية تنفيذ ضربات بالوكالة لصالح إيران أكثر أهمية من حساب تكلفة سقوط مدنيين عراقيين، وهو مؤشر يوضح اختلال هائل في الولاءات داخل المشهد العراقي السياسي والعسكري.

على مستوى آخر، أحرج الهجوم حكومة مصطفى الكاظمي التي جاءت بهدف تحييد العراق عن المواجهة الأمريكية-الإيرانية، وهو هدف يتعارض مع رغبات بعض المكونات المسلحة في المشهد العراقي في إبقاء العراق نقطة تماس ومواجهة لتنفيذ رغبات خارجية.

فالكاظمي الذي يهدف إلى كبح جماح الميليشيات الموالية لإيران ويهدف إلى تحقيق توازن قوة يمنعها من فرض أجندتها على الدولة والحكومة، وجد نفسه في وضع حرج، فالهجوم سيستدعي رداً أمريكياً يحاول أن يتجنبه حتى لا تدفع حكومته ثمنه.

بعد الهجوم، يجد الكاظمي وحكومته مرة أخرى أنفسهم رهينة تبادل النيران وتبادل الغضب الإيراني-الأمريكي، ما يفرض عليه مرة أخرى محاولة إرضاء أطراف داخلية وخارجية يصعب إرضاؤها معاً.

فالكاظمي ملتزم بالرد على الهجوم، خاصة أنه استهدف مدنيين عراقيين ومطاراً عراقياً مدنياً. لذلك، وجّه بعد وقوعه بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة بين حكومتي بغداد وأربيل، لتحديد الجهة المسؤولة عنه.

"تفضل إيران استخدام وكيل محلي موالٍ لها لزعزعة الاستقرار، تقدّم له الدعم السياسي واللوجيستي دون أن تتورط في مواجهة مباشرة ودون إعلان مباشر عن مسؤوليتها عن أفعاله"

لكن توجيه إصبع الاتهام لميليشيات على علاقة بالحشد الشعبي (وهو مؤسسة حكومية تتبع للحكومة تنظيمياً، لكنها توالي زعماء شيعة مقربين من إيران إيديولوجيا وعقائدياً) ربما يؤدي إلى تعقيد موقف الحكومة السياسي بين الأغلبية الشيعية، بتأليب الشارع عليها أو بزيادة حدة الاستقطاب الذي يشلّ قدراتها على الحركة في حقل الألغام الإيراني-الأمريكي.

وإذا قرر الكاظمي عدم الرد، ربما يضعف ذلك موقفه كرئيس للحكومة في مواجهة زعماء ميليشيات، ما يهدد بشكل كبير قدرات الدولة واستقلال قرارها أمام زعماء مجموعات مسلحة.

الخيارات الحرجة لإدارة بايدن

تودّ إدارة بايدن استعادة الاتفاق النووي مع إيران بشروط جديدة، لكن الهجوم خلق أزمة حقيقية لها، إذ وضعها في مقارنة في غير صالحها مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فوفقاً لمراقبين، استطاعت إيران ضبط وكلائها في العراق لمنعهم من تنفيذ أي هجوم يؤدي إلى ضربة أمريكية قوية كان يسعى ترامب لها في أواخر أيام إدارته.

وهذا ما أكد عليه الجنرال فرانك ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إذ قال: "تمكّن الإيرانيون إلى حد كبير من إخبارهم (أي وكلائهم في العراق) أن هذا ليس الوقت المناسب لإثارة حرب".

هذا قطعاً خبر سيئ بالنسبة إلى الإدارة الجديدة، فهو يؤشر على أن مقاربة ترامب الخشنة ضد إيران كانت أكثر فاعلية في ردعها. وهو خبر سيئ أيضاً لإيران لأنها لم تترك مجالاً للمناورة للإدارة الأمريكية الجديدة، إلا الرد العنيف حتى تحافظ على مصداقيتها في حماية مصالحها وحتى تحقق الردع المطلوب لمنع إيران ووكلائها من تطوير عملياتهم بصورة أكثر خطورة.

لكن ما هي الخيارات المطروحة امام إدارة بايدن للرد؟ باستبعاد خيار عملية عسكرية موسعة لأنه خيار تسعى كل الأطراف إلى تجنبه، يبدو أننا أمام واحد من ثلاثة خيارات يمكن أن تحدد مساحة الرد الأمريكي:

1ـ عملية أمنية نوعية ضد قادة الميليشيات

الخيار الأول هو عملية أمنية نوعية تستهدف زعماء الميليشيات الموالية لإيران. يمكن أن يتعلم المرء من خصمه أكثر مما يتعلم من صديقه. لذا، ربما تتبنى الولايات المتحدة نفس التكتيك الإيراني أو تكتيك الحرب منخفضة التكاليف، بحيث تقوم بعملية نوعية ضد قيادات عراقية موالية لإيران بدون أن تعلن من خلالها أي مسؤولية عنها، ولكن تبقى أصابع الاتهام موجهة لها دون أن تتحمل تكلفتها. لن ترد إيران رداً مباشراً على هذا التكتيك لكن آثاره الجانبية ربما تظهر من داخل العراق نفسه. ربما يؤدي هذا الخيار إلى تأليب مزيد من التيارات العراقية ضد الولايات المتحدة بصفتها قوة احتلال تنفّذ هجمات على مواطنين عراقيين، وربما يضع القوات الأمريكية في مواجهة مع ميليشيات مدعومة شعبياً على نطاق أوسع، ما يدفعها إلى تقديم مزيد من التنازلات المتعلقة بتخفيض عدد قواتها والحفاظ على مستويات من التنسيق في حدود التدريب والتنسيق الاستخباري.

2ـ عملية أمنية تستهدف قيادات إيرانية

هذا خيار آخر ولكنه مستبعد نظراً لأنه قد يستفز إيران للدخول في مواجهات جديدة. فرغم رغبة القيادة الإيرانية الشديدة في رفع العقوبات وعودة الاتفاق النووي، إلا أنها لا ترغب في الظهور بموقف ضعيف قبل أو أثناء أي مفاوضات جديدة، خاصة أنها تتعرض لضغوط كثيرة للرد على اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة. ومن المستبعد أن تلجأ واشنطن لوضع مزيد من الضغوط على القيادة الإيرانية حالياً قبل الدخول في مفاوضات شاقة.

3ـ مزيد من العقوبات والضغوط الاقتصادية

يبدو أن هذا الخيار هو الأكثر عقلانية لإدارة بايدن، إذا ما أرادت تجنب إشعال مواجهة. فواشنطن يمكن أن تصعّد الضغوط الاقتصادية على إيران بحيث تفك ارتباطها بوكلائها المحليين في العراق. استطاعت إيران أن تتحمل عقوبات إدارة ترامب لكنها قطعاً أصبحت في وضع أضعف اقتصادياً لا تريد استمراره. وضع مزيد من الضغوط الاقتصادية عليها قد يدفعها لمحاولة الوصول إلى حلول وسط تحاول من خلالها كبح جماح ميليشياتها وفتح مسار تفاوضي مع خصومها.

لكن المؤكد أن توقيت الهجوم وضع ضغوطاً على كل الأطراف وفتح احتمالات كثيرة لمواجهات ستحدد مسارات التفاوض وترسم خطوط النار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard