بلوش إيران... أقلية مقموعة أمام خيارين: التطرف أو الإعدام

الاثنين 8 فبراير 202112:32 م

تلتفّ حبال المشانق في إيران حول أعناق الإيرانيين المطالبين بحرياتهم، على طول وعرض جغرافيا بلادهم الواسعة، إلا أنها تشدد على الأقليات الضعيفة البعيدة عن الأضواء في طهران.

يرتفع الخط البياني للإعدامات التي يمتهنها النظام الإيراني في الزاوية الجنوبية الشرقية لإيران في محافظة سيستان وبلوشستان، حيث يثقل الفقر والحرمان المتعمد كاهل أبنائها.

صف الإعدامات والتُهم

سجلت مؤسسة حملة حقوق الإنسان في إيران 16 حالة إعدام خلال شهري كانون الثاني/ يناير 2021 وسابقه، نفّذها النظام الإيراني ضد مواطنين من الأقلية البلوشية، بتهم مختلفة أبرزها سياسية وأمنية ومنها تهريب مخدرات وقتل، دون أن تُعقد لهم محاكم عادلة حسب المؤسسة، فقد منع المتهمون من توكيل محامين للدفاع عنهم.

وكان آخر هذه الإعدامات يوم 31 كانون الثاني/ يناير ضد البلوشي جاويد دهقان خلد، بتهمة الحرابة والتورط في قتل عنصر من الحرس الثوري مع مواطنه عبد الحميد مير بلوشي زهي الذي أعدم بدوره قبل أشهر.

إعدام "خلد" على الرغم من التحذيرات الأممية لطهران من تنفيذ هذا الحكم، يعكس إصرار النظام الإيراني على مضاعفة حجم العنف الممارَس ضد أبناء أقلية البلوش بشكل خاص. وبحسب التقرير السنوي لأحوال البلوش الذي نشرته مؤخراً حملة نشطاء البلوش، ارتفعت نسبة انتهاكات حقوق هذه الأقلية بنسبة 46% في سنة 2020.

سيستان وبلوشستان التي وصفها المرشد الإيراني علي خامنئي منذ ثلاثة عقود بأنها "مضيق أُحُد النظام الإيراني"، لا تخرج عن وصفها ساحة غزوات وهمية للنظام مع أبناء تلك الأرض. تحذير خامنئي الواضح للمسؤولين في طهران من السهو والغفلة أمام الأعداء (أي البلوش) كي لا تتكرر هزيمة المسلمين فيها كغزوة أحد، لا يخلو من الطائفية تجاه الأقلية البلوشية السنّية التي تشكل أغلبية سكان المحافظة التي لا يتجاوز عدد سكانها 2،733،205 نسمة حسب آخر إحصائية أجريت عام 2011.

التعامل الأمني للنظام الإيراني مع هذه المحافظة الحدودية مع أفغانستان وباكستان يختلف عن تعامله مع بقية المحافظات الحدودية، لا سيما بالمقارنة مع خراسان الجنوبية التي تقع شمال سيستان وبلوشستان وتحاذي بدورها أفغانستان. إذاً، الأمر يتخطى سياسة الحرص على الحدود إلى سياسة القمع الاستباقي والتوجس من أبناء الأقليات القومية والمذهبية.

البلوش أبناء مكران وسواحلها

على نقش بيستون الأثري، على مقربة من محافظة كرمنشاه الإيرانية، وثقت الإمبراطورية الأخمينية لحظة مبايعة 23 "ساتراب" (لقب للحكام آنذاك) للملك داريوش الأول عام 521 ق.م. كان ذلك أول ذكر لقوم البلوش أو "غدروش" كما كانوا يُسمّون آنذاك، وكان حاكم ولايتهم المسماة آنذاك باسم "مكا" حاضراً في حفل تتويج الملك الأخميني، وكانت "مكا" تشمل سواحل مكران الحالية، وممتدة على جغرافية وسيعة موزعة اليوم، حالها حال بقية الممالك القديمة، على عدة دول هي أفغانستان وباكستان وإيران.

تراكم التهميش في مناطق البلوش في إيران يحمل وجهين من القهر: الأول تقوقعها حول نفسها بعيداً عن معايير حقوق الإنسان والطفل والمرأة؛ والثاني وصم أبنائها بالتطرف والعدائية والإجرام. وكلا الوجهين يصب في مصلحة النظام الإيراني الذي يقمع أبناءها بلا هوادة

الملامح السمراء والملابس الملوّنة المطرزة للبلوش تتشابه على أطراف الحدود، وهي ملامح يُرجعها الباحث ريتشارد فراي في كتابه "تراث إيران القديم"، إلى أصول هندية هاجرت نحو الغرب قبل دخول الشعوب الآرية لبلاد فارس. وهناك نظريات أخرى حول الأصل العرقي لقوم البلوش، يختلف فيها الباحثون، لكن المؤكد أن البلوش شاركوا إلى جانب بقية الأقوام في تشكيل هوية بلاد فارس على مر العصور، فاللغة البلوشية ذات الأصول الهندوأوروبية هي دون شك الأقرب إلى اللغة البهلوية القديمة، الأم المباشرة للغة الفارسية الحالية، واستمرارها كان عاملاً مهماً في حفظ الآداب القديمة لإيران.

ابتعاد بلوشستان عن مركز إيران جغرافياً وعن العواصم المختلفة التي اختارها الحكام المتعاقبون للبلاد، أبقى هذه المنطقة في حقبة ما بعد الإسلام في شبه عزلة يسودها الحكم الذاتي. حتى في ظل الدولة الصفوية القوية شهدت هذه المنطقة ثورات وغارات.

تحدّت بلوشستان الشاه عباس صفوي قبل أن يتمكن في النهاية من إخضاعها، لكن الأمر لم يستمر بعد وفاته، إذ تعاون البلوش مع محمود أفغان في ثورته ضد الصفويين. وهنا يمكن ملاحظة الاصطفاف المذهبي السنّي-السنّي ضد التشيّع الصفوي.

رحلة البلوش في ربوع القمع

في العهد القاجاري، قسمت المنطقة إلى قسمين: بلوشستان الشرقية والغربية، الشرقية كانت تابعة لباكستان والغربية تابعة لإيران وشكلت لاحقاً جزءاً من محافظة سيستان وبلوشستان الحالية.

وأهم مدن قوم البلوش حالياً هي زاهدان وخاش وميرجاوه وايرانشهر وجابهار، وجميعها تتمتع بموقع استراتيجي أمني تجاري جعلها محط اهتمام رضا شاه بهلوي الذي حاول إخضاعها لحكمه بالقوة وقمع السلطات الذاتية المحلية التي كانت تعتمد نظاماً شبه قبلي بعيداً عن الحكم المركزي للبلاد. حينذاك، تصدّت حكومة مهران خان نوشيرواني المحلية، أبرز أنظمة حكم البلوش الذاتية وقتها، بقوة لجيش الدولة البهلوية لكنها هُزمت في نهاية الأمر، بعد مجازر ارتكبها الجيش بحق هذه الأقلية التي عانت لاحقاً كغيرها من الأقليات من سياسية إعادة توزيع الأقليات في البلاد التي اعتمدها رضا شاه لتعزيز حكمه.

مع وصول نظام الجمهورية الإسلامية الذي يقوم بطبيعته على فكرة ولاية الفقيه والتحيز للغالبية الشيعية في البلاد، بدأت صفحة جديدة من معاناة البلوش الذين يعانون إلى اليوم من اضطهاد سياسي-ديني وتهميش خدمي متعمد

ربما يختلف البلوش بوصفهم مكوّناً قومياً ودينياً في إيران عن بقية المكونات الأخرى، إلا أنهم انخرطوا في مطلع القرن العشرين في التيارات السياسية الإيرانية التي شاعت في المدن الكبرى، فكان منهم نشطاء في حزب "تودة" اليساري الإيراني، وأسس آخرون العديد من التشكيلات اليسارية أشهرها "النجمة الحمراء".

وانعكس الامتداد البلوشي في باكستان على التشكيلات السياسية المنتشرة في الضفة البلوشية في إيران، وكان أشهرها جبهة الحرية فرع بلوشستان التي تأسست عام 1965 والحزب الديمقراطي البلوشي الذي تأسس في بغداد عام 1962 وطالب بدولة مستقلة للبلوش.

ومع وصول نظام الجمهورية الإسلامية الذي يقوم بطبيعته على فكرة ولاية الفقيه والتحيز للغالبية الشيعية في البلاد، بدأت صفحة جديدة من معاناة البلوش الذين يعانون إلى اليوم من اضطهاد سياسي-ديني وتهميش خدمي متعمد.

بالطبع، الأحزاب والتيارات السياسية ما قبل الثورة الإسلامية اختلفت عما بعدها، فالارتباط الجغرافي مع باكستان وأفغانستان وظهور حركات إسلامية متطرفة في هذين البلدين انعكس بدوره على البلوش في إيران فظهرت حركات إسلامية صنف بعضها بالإرهابية، كجماعة جند الله التي أسسها عبد المالك ريغي وجماعة جيش العدل التي استقطبت بعض أبناء المنطقة المضطهدة وأعطت لطهران الأسباب الكافية لمضاعفة التعامل الأمني القاسي معهم.

إلى إين تؤدي صفوف الغاز والخبز والماء؟

على عكس بقية المدن الإيرانية التي تتمتع بفائض وافر من الغاز، يقف البلوش من أبناء هذه المنطقة الباردة في صف يذكّرنا بالمدن المنكوبة بعد الحروب. يضعون إلى جانبهم

جراراهم وعلى وجوههم ملامح الفقر الناجم عن البطالة والحرمان المتعمد.

يعاني سكان هذه المناطق من أبشع أشكال التهميش، لا يوظَّف منهم حَمَلة الشهادات، ولا يُسمح للاستثمارات الأجنبية بافتتاح مشاريع هنالك، كما يعاني قسم كبير من البلوش من أزمة البدون، فلا هوية لهم لأنهم متهمون بتسللهم إلى البلاد من أفغانستان وباكستان.

حتى الماء الذي يحيط بهم من كل جانب غير متوفر للشرب، ما يجبر العديد من العوائل البلوشية على مشاركة التماسيح التي تكثر في هذه المنطقة مستنقعاتها.

تنقل الأخبار الإيرانية من سيستان وبلوشستان دائماً أخباراً لا تشبه تلك التي تأتي من المدن الكبرى، فهنا فتاة أكل يدها التمساح وهي تجلب الماء، وهنالك احترقت مدرسة بسبب سوء تنظيم التدفئة... كلها ضغوط تجبر البلوش على خيارات صعبة فإما أن يهاجروا نحو المدن الكبرى لامتهان التسول، أو أن يعملوا في تهريب المخدرات والبشر كأغلب الشباب البلوشي، أو أن يعيشوا في ظروف صعبة تنتج بحكم الواقع جيلاً متطرفاً ليس لديه ما يخسره ويحمل السلاح، أو يُعدمون بتهمة التفكير بالتغيير.

تراكم التهميش في حالة البلوش يحمل وجهين من القهر: الأول ينعكس داخلياً على أبناء هذه الأقلية فيزيد من تقوقعها حول نفسها بعيداً عن معايير حقوق الإنسان والطفل والمرأة؛ والثاني يرسم فكرة خاطئة عن هذه الأقلية ويصمها بالتطرف والعدائية والإجرام. وكلا الوجهين يصب في مصلحة النظام الإيراني الذي يقمع دون هوادة هذه الأقلية الضعيفة بأقل الخسائر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard