"إسبرطة الخليج"... عن سعي الإمارات الحثيث إلى امتلاك أوراق قوة

الأربعاء 10 مارس 202112:18 م

في المسلسل الأمريكي "بيت البطاقات" House of Cards، تقول الشخصية الميكيافيلية فرانك أندروود: "القوة ليست مُلكية عادية. يتعلق الأمر بالموقع، الموقع، الموقع... كلما كنت قريباً من المنبع، زادت قيمة هذه القوة". إلى حد قريب، كانت هذه سياسة دولة الإمارات، خاصة بعد اجتياح الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للكويت: علاقات قوية مع الولايات المتحدة، إسرائيل... لكن مع مطلع الألفينات، قررت الإمارات بعث منبعها الخاص.

في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، عام 2014، يصف جنرالات أمريكيون، من بينهم مسؤول القيادة الوسطى الأميركية Centcom وقتها جيمس ماتيس، الإمارت بـ"إسبرطة الصغيرة"، في تشبيه لها بالدولة-المدينة الإغريقية القديمة التي اشتهرت بقوتها العسكرية. أيضاً، تناولت تقارير دولية كثيرة سياسة التسلّح الإماراتية، وتضمنت انتقادات لاذعة واتهامات لسياسة الدولة الخليجية الخارجية عموماً وفي العالم العربي خصوصاً.


أعطني سلاحي أطلق يديّ

في منتصف الألفينات، وتحديداً عام 2004، تقدّم جيل جديد طَموح لقيادة الإمارات: خلف خليفة بن زايد أباه رئيساً للإمارات، وتقدّم أخوه محمد بن زايد ولياً للعهد، وتقلد محمد بن راشد آل مكتوم حاكمية إمارة دبي سنة 2006. ارتاحت واشنطن لهذا التحوّل، وأطلقت أبوظبي خطة "رؤية 2020"، لتنويع مصادر اقتصادها وتقليل ارتباطه بالنفط من خلال الاستثمار في السياحة والترفيه، العقارات، أسواق الأموال، الخدمات وصناعة وتجارة السلاح.

وبحلول أيلول/ سبتمبر 2020، أدرجت شركة "إيدج" الإماراتية ضمن قائمة الـ25 الأوائل في التصنيع والمبيعات العسكرية.

ربطت الإمارت منذ تأسيسها علاقات وثيقة بالأمريكيين وببقية دول المحور الغربي. وسعياً لتمتين وتوطين صناعتها العسكرية، اعتمدت سياسة التشاركية الصناعية Offsets: مقابل عقود وصفقات الأسلحة، يتكفل المزوّدون الأجانب بتكوين الخبرات والهياكل الإماراتية.

في هذا السياق، ومقابل صفقة 24 طائرة أف-16 سنة 2000 وصفقة منصات مضادة للصواريخ "THAAD" سنة 2013، ساهمت شركة "لوكهيد مارتن" الأمريكية تقنياً في إحداث شركة "أمرك" ذات الرأسمال الإماراتي في سنة 2010، وهي شركة متخصصة في صيانة الطائرات.

طيلة عشر سنوات، ومع طاقم غني بالخبرات المستوردة، تطورت الكفاءات المحلية الإماراتية، حتى أعلنت عن إحداث شركة Edge سنة 2019، وتمثل حالياً رائدة الصناعات العسكرية بين المجموعة الخليجية.

كذلك، استقطبت الإمارت العديد من المستثمرين وصناع الأسلحة الأجانب عبر تحفيزات وتشجيعات مغرية. كما استفادت من المعاهدة الأبراهامية للتطبيع: صفقات وعقود... ما أهّلها لتكون عاصمة صانعي الأسلحة في العالم، كما عنونت مجلة "فوراين بوليسي" مقالاً نشرته.

وبهذا، صارت الإمارات المنبع الذي تحدث عنه أندروود: تركز كبير لشراكات الأسلحة متعددة الجنسيات. انطلقت "إسبرطة الخليج" في التصدير، ما يعني أنها صارت مزوداً عالمياً للأسلحة، مثل صفقتها مع الجزائر وتزويدها بـ200 عربة مصفحة "نمر"، إضافة إلى صفقات أخرى في إفريقيا وخصوصاً في السوق الليبية، مع ما يعنيه ذلك من خرق للحظر الدولي على ليبيا، إذ قامت بتزويد الجنرال خليفة حفتر بأسلحة ومعدات، حسبما جاء في تقرير لمعهد "باكس فور بيس" الهولندي.

رغم نجاحها في بعث صناعة عسكرية محلية، تبقى هنالك انتقادات كثيرة توجَّه إلى السياسة التسلّحية الإماراتية. فالقاعدة الطبيعية للتطور الاجتماعي تنص على وجوب البناء التراكمي، كما أن كل عملية تحديث اقتصادي تستلزم تحديثاً سياسياً واجتماعياً بالموازاة حتى يتحقق التوازن بين المجتمع والسلطة.

في مسلسل House of Cards، يقول فرانك أندروود إن "القوة ليست مُلكية عادية. يتعلق الأمر بالموقع... كلما كنت قريباً من المنبع، زادت قيمة هذه القوة"... عبر استثماراتها في الصناعة العسكرية، تسعى الإمارات إلى التحوّل إلى منبع قوة وليس فقط القرب منه

يرى الباحث في معهد ستوكهولم للسلام الدولي (SIPRI) بيتر ويزمان أن بناء صناعة عسكرية في وقت وجيز ليس أمراً مريحاً، بدءاً بتعاملات الإمارات المالية-العسكرية المفتقرة للشفافية، مروراً بأن صناعتها تبقى رهينة مجموعة من الوساطات والعلاقات، ومعتمدة على الخبرات الأجنبية أساساً.

في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "النبي والجائحة" Le prophète et la pandémie، يصف المنظر السياسي الفرنسي جيل كيبيل السياسة الإماراتية بأنها تغازل الغرب بخطاب الحداثة والانفتاح، بينما تُبنى على المثال الصيني للدولة: دولة قوية مركزية بلا ديمقراطية.

شبكة سجون سرّية

بتاريخ 29 أيلول/ سبتمبر 2020، تقدّمت مجموعة من المنظمات الدولية بتقرير إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوصي الخبراء الدوليين بإرسال بعثات تحقيق دولية إلى اليمن، على غرار سوريا وميانمار، للتحقيق في ارتكاب أطراف الصراع لانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، موجّهين أصابع الاتهام إلى الدور الإمارتي بوجه خاص.

يتحدث التقرير عن سجن مأرب الذي تشرف عليه الحكومة المدعومة خليجياً، حيث سُجن معتقلون على خلفية انتماءاتهم السياسية، أو فقط لألقابهم التي توحي بانتماءهم الجغرافي إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون، وترد فيه شهادات عن انتهاكات جنسية وجسدية مهينة في السجون "الرسمية".

علاوة على ذلك، يشير الخبراء والحقوقيين إلى حوادث إخفاء قسري واختطاف وسجن في منشآت سرية. في عدد 804 من صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية، كتب المحررون في مقال بعنوان "الصداع الحربي عند الإمارات العربية المتحدة": "لم يجد المراقبون الكلمات الكافية لوصف حجم الكارثة اليمنية"، مشيرين إلى شبكة السجون السرية الإماراتية التي تحدث عنها التقرير.

يبدو أن البؤس لن ينتهي في الشرق الأوسط، على الأقل قريباً، إن لم نقل إن "البؤس لن ينتهي أبداً"، كما قال فنسنت فان غوغ في رسالته لأخيه ثيو

منذ 2018، نشرت منظمة العفو الدولية جدولاً زمنياً لعمليات اعتقال واختطاف مئات الناشطين والمواطنين اليمنيين، قامت بها القوات الحكومية، بالتعاون مع وحدات إماراتية، كما أشارت إلى إنشاء عدة معتقلات سرية وممارسة التعذيب باستعمال الصعق الكهربائي واعتداءات جسدية جنسية، في معتقل بير أحمد (1و2) في محيط مدينة عدن.


موسم الانسحاب إلى... حين

في أيلول/ سبتمبر 2015، نجحت قوات التحالف الخليجي في استرداد ميناء عدن من يد الحوثيين. في المقابل، فقدت القوات الإماراتية 45 جندياً. حسب وكالة الاستخبارات العسكرية الفرنسية (DRM)، خسرت الإمارات بين 105 و170 جندياً في "مستنقع" اليمن. انتقد أمير الفجيرة الشيخ راشد بن حمد الشرقي، سنة 2018، سياسة أبوظبي في التجنيد، متهماً إياها باستغلال فقر أبناء الفجيرة لإرسالهم إلى الحرب، زيادة على إخفاء الأرقام الحقيقية للخسائر البشرية. وبحسب مقال "لوموند ديبلوماتيك"، تمثل مثل هذه الشائعات خطراً على الوحدة الوطنية لفيدرالية الإمارات المتحدة.

ممارسة لهواية التوريد الكلي وتفادياً لتصدع الاتحاد الإماراتي، استورد رجل أبوظبي القوي، محمد بن زايد (MBZ) المحاط بترسانة من المستشارين الأجانب، سواعد عسكرية "مرتزقة"، وبلغ عدد هؤلاء 1800 أغلبهم من أمريكا اللاتينية. في مقال نشره في كانون الثاني/ يناير 2021 مركز كارنيغي، شارك أكثر من 450 كولومبي ضمن القوات الإماراتية في حرب اليمن (كان تقرير في "نيويورك تايمز" قد تحدث عن ذلك)، بالإضافة إلى تواجد ضباط أوروبيين، أستراليين وأمريكيين في القيادة.

بعد أربعة سنوات من الحرب في اليمن، أعلنت الإمارات في صيف 2019 عن سحب قواتها من هنالك تاركة أبناء العم السعوديين يخوضون في أوحال المستنقع اليمني بما كسبت أيديهم.

لكن بعد نحو سنة من إعلان الإمارات انسحابها من التحالف الخليجي مع السعودية، أشارت مستشارة الأزمات والمختصة في تقصي الجرائم ضد الإنسانية، دوناتيلا روفيرا، في تغريدة لها بتاريخ 18 تموز/ يوليو 2020، إلى الدور الإماراتي في ما يجري من انتهاكات في جنوب اليمن، ووصفت الأمر بأنه يرتقي إلى مستوى جرائم حرب.

وتواصل الإمارات السيطرة على الميناء الغازي في بلحاف، جنوب اليمن، وجزيرة سقطرى، قبالة سواحل الصومال. يأتي هذا ضمن استراتيجيتها الخارجية في تأمين محطات بحرية وموانىء تمتدّ من السواحل الإفريقية حتى الواجهة الجنوبية للبحر المتوسط، ومن هنا تتحقق المعادلة الإماراتية: محاربة الإخوان + القضاء على فكرة التمرد/ الثورة + تأمين نصيبها في خريطة التجارة العالمية المستقبلية، والتي تتقاطع مع الخطة الاستراتيجية الصينية (خط الحرير الجديد).

تمول "إسبرطة الصغيرة" مجلس الانتقال الجنوبي وتدعمه لوجيستياً وسياسياً، ما يمكن أن يفسر انسحابها واكتفائها بتوكيل حلفائها من اليمنيين والمرتزقة (حرب بالوكالة War by proxy) بتأمين مصالحها.

يوضح تقرير المنظمات الحقوقية قيام مرتزقة أمريكيين، بإيعاز من أبوظبي، بحملة تصفيات سياسية ضد الحوثيين والإخوان المسلمين، كمحاولة اغتيال أحد قادة حزب الإصلاح، المقرب من الإخوان المسلمين عدو الإمارات اللدود، على يد مرتزقة من شركة "Spear Operation Group" الأمريكية.

كثيرون يعتبرون أن هذه التقارير والدعوات لن تتجاوز ردهات المنظمات الحقوقية. يشير الباحث "بن فريمان" في تقرير له إلى حملة اللوبيينغ التي تمارسها الإمارات في واشنطن، وعواصم صنع القرار الأخرى، للتغطية، الضغط والدفع نحو التغاضي عن التقارير الدولية التي تدين ما ترتكبه في سبيل أهدافها الخارجية.

حتى عام 2011، كانت صفقات السلاح للدول الخليجية بمثابة تقديم "ألعاب للأطفال" مقابل النفط. بعد ذلك، أثّر امتداد الأذرع الخليجية إلى داخل عمق محيطها العربي، في سوريا، اليمن وليبيا، سلباً على الاستقرار في المنطقة. مع عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، سارعت الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تعليق صفقات سلاح إلى السعودية والإمارات، خصوصاً صفقات مقاتلات أف-35 التي كانت من ثمار التطبيع في أيلول/ سبتمبر 2020، في إطار استراتيجية جو بايدن الخارجية لمراجعة ما قامت الإدارة "الترامبية" السابقة.

إلى حدود كتابة هذه السطور، تتواصل هجمات الحوثيين على مصافي ومحطات البترول في السعودية، باستخدام الصواريخ وطائرات الدرونز، في المقابل تردّ القوات السعودية بقصف العاصمة اليمنية صنعاء، موقعة ضحايا مدنيين بينهم أطفال. يبدو أن البؤس لن ينتهي في الشرق الأوسط، على الأقل قريباً، إن لم نقل إن "البؤس لن ينتهي أبداً"، كما قال فنسنت فان غوغ في رسالته لأخيه ثيو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard