تمتلك 35 مدرسة وتستثمر في العشرات... كيف تُحاول الإمارات السيطرة على التعليم المصري؟

الجمعة 8 يناير 202106:08 م

في أيار/ مايو من عام 2018، نشرت المجموعة المالية المصرية "هيرمس"، والتي تُعرّف عن نفسها بـ"بنك الاستثمار الرائد في العالم العربي"، خبراً يُفيد بدخولها في "شراكة حصرية" مع "مجموعة جيمس التعليمية" (GEMS/Global Education Management System)، وهي أكبر شركة استشارات وإدارة تعليمية خاصة في العالم مركزها الإمارات.

بموجب هذه الشراكة، استحوذت "هيرمس" على مجموعة من المدارس المصرية، على أن تُديرها شركة التعليم الإماراتية، فيما أعلنت عن استثمار ما يصل إلى 300 مليون دولار أمريكي في الاستحواذ على مجموعة كبيرة من المدارس الوطنية والدولية الخاصة عبر المدن الرئيسية في مصر، على مدى السنوات الخمس المقبلة (من 2018)، والتي سيتم تشغيلها حصرياً بواسطة "جيمس".

"إننا نرى فرصة كبيرة لخلق قيمة مع إحداث تأثير اجتماعي مستدام على الأجيال المقبلة". كان هذا تعليق رئيس إدارة الأصول والأسهم الخاصة في "هيرمس" كريم موسى، في وقت احتفى بالاستفادة من "خبرة جيمس الطويلة (50 عاماً) في دخول أكبر سوق تعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يضم أكثر من 20 مليون طالب مسجل".

وقتها، لم تُسجَّل انتقادات ملحوظة حول تداعيات دخول الإمارات إلى سوق التعليم المصري، لا سيما في مراحله الأولى التي تلعب دوراً في تشكيل شخصية الطلاب، علماً أن "جيمس" متخصصة في العمل مع مدارس هذه المراحل بالتحديد، أي من الحضانة إلى الصف الثاني عشر (K-12).

لم يكن هذا المشروع أول خطوة للإمارات في سوق التعليم المصري. ففي عام 2015، أعلنت أبو ظبي التزامها تأسيس 100 مدرسة جديدة في مصر. كان ذلك بعد عام على تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة بعد الإطاحة بسلفه محمد مرسي، كما أنه أتى في سياق تحالف جديد رحّب بالسيسي في الفلك الإماراتي، ومعه السعودي، مع وعود باستثمارات عديدة تشمل إلى جانب التعليم قطاعات الصحة والنفط والعقارات والزراعة والاتصالات والتجارة.

مخاوف متزايدة

عادت العلاقة المتشعّبة بين الإمارات ومصر لتُثير اهتمام الباحثين، مع الإعلان عن توقيع اتفاق المصالحة بشكل أساسي بين قطر والسعودية، في ظل "عدم حماسة" للمصالحة أشار إليها مراقبون في موقف الدول الأخرى، وبشكل أساسي مصر والإمارات.

أحدث ما كُتب عن الاستثمارات الإماراتية في مصر، وتحديداً في قطاع التعليم، كان ما نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية للكاتب تسيفي باريل تحت عنوان "كيف تعمل الإمارات على شراء مصر".

أشار باريل إلى تقارير صدرت في مصر قبل عدة أسابيع تتحدث عن شكاوى مواطنين من مواد مدرسية يتلقاها أطفالهم، تعمل على "تشويه التاريخ". بحسب هؤلاء، فإن مواد الدين والتاريخ والجغرافيا تستند إلى مناهج إماراتية وليس مصرية، تمنع التلاميذ من "التعرف على الوطن بشكل صحيح". قدّم باريل الشكاوى في إطار مخاوف يسوقها الأهل من "مؤامرة إماراتية" لـ"تشكيل هوية الجيل القادم من المصريين".

ورغم أن عدد المدارس الخاصة التي سُجّلت فيها الشكاوى يُعتبر قليلاً (بالعشرات) مقارنة بـ7750 مدرسة خاصة مُسجّلة في البلاد، لكن ثمة نقاط عدة لافتة في هذا السياق.

أبرز النقاط التي تُثير القلق

أولاً، يُثير حجم استثمار أبو ظبي في قطاع التعليم في مصر التساؤل، كونه يُعدّ ضخماً إذا ما تمت مقارنته بالإنفاق الحكومي المصري على التعليم، فخلال السنوات الست الماضية، ذهبت نسبة 94 في المئة من الإنفاق للرواتب، وخمسة في المئة للمشتريات والخدمات، بينما تبقى الواحد في المئة فقط للاستثمار، وفق أرقام البنك الدولي لعام 2018. 

ثانياً، إذا ما تمّ تضييق دائرة البحث قليلاً، يظهر أن من بين 7750 مدرسة خاصة في مصر هناك 217 مدرسة دولية فقط، وامتلاك الإمارات لـ35 واحدة منها يجعل العدد أكثر تأثيراً.

شركة إماراتية رائدة في مجال التعليم دخلت عام 2018 إلى القطاع التعليمي في مصر، بالاستحواذ على عشرات المدارس الخاصة، وقبل ذلك بأعوام قليلة أعلنت الإمارات عن تأسيس مئة مدرسة جديدة في مصر... عوامل عدة تُثير القلق من التأثير الإماراتي على طلاب مصر وتأهيلهم وولاءاتهم، فما هي؟ 

ثالثاً، لم يكن دخول الإمارات إلى قطاع التعليم في مصر عام 2018 مطابقاً للقانون، إذ اشترت الشركة الإماراتية حصة 50 في المئة في أربع مدارس في مصر، بينما يُقيّد القانون الملكية الأجنبية (الأجانب ومزدوجي الجنسية منفردين أو مجتمعين) للمدارس الخاصة في الدولة بـ20 في المئة فقط من قيمة أسهم الشخصية الاعتبارية المالكة للمدرسة الدولية. والمدارس الأربع هي المدرسة البريطانية الدولية في "مدينتي"، ومدرسة "مدينتي" بفرعيها المتكاملة وللغات، والمدرسة البريطانية في الرحاب، وفق "المعهد المصري للدراسات". 

رابعاً، ترتفع قيمة الرسوم التعليمية في هذه المدارس مقارنة بالواقع المصري، حيث قد تتخطى الرسوم الـ8000 دولار للصف الثاني عشر. وهكذا يصبح بإمكان شريحة قليلة من الأثرياء تحمّل التكاليف، وبالتالي تأسيس طبقة من "النخبة" التي تدخل لاحقاً في مجالات الإدارة والسياسة، وتكون قد تأسست وفق معايير ومناهج مقبولة إماراتياً بشكل كامل.

خامساً، يذكر الباحث عمر سمير خلف في ورقة نشرها "المعهد المصري للدراسات" أن أنشطة "جيمس" لا تقتصر على مدارس رابحة فقط، بل "تشمل خطة توسعية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، تتضمن الاستثمار في الأنشطة المكملة للعملية التعليمية، مثل عمليات تدريب المعلمين وخدمات نقل الطلاب وإنشاء مدارس دولية جديدة".

وفي السياق، يلفت خلف إلى استحواذ المجموعة الإماراتية على حصة الأغلبية في شركة "أوبشن ترافيل" العاملة في قطاع خدمات النقل الخاص، في إطار استراتيجيتها لتوفير باقة خدمات تعليمية متكاملة، إذ ستعمل على تقديم خدمة نقل الطلاب بمعدلات مرتفعة من الأمان، وفقاً لمسؤولي الشركة.

سادساً، بحسب الباحث نفسه، "تُواصل المجموعة توسعها للسيطرة على حصة معتبرة في سوق التعليم الدولي في مصر، ففي 16 من شهر نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت عن خططها لاستثمار 300 مليون دولار لتدشين 30 مدرسة جديدة خلال عامين، وبذلك ستتضاعف قدرة مدارس الشركة الاستيعابية من ستة آلاف طالب إلى ما بين 25 و30 ألف طالب، وتدرس المجموعة التوسع أيضاً في الخدمات المتعلقة بالنشاط التعليمي ومنها صناعة الزي المدرسي والوجبات والنقل المدرسي إضافة لتدريب المعلمين".

سياسة الخصخصة

في مناسبات مختلفة، أكد مسؤولون مصريون وإماراتيون على قطاع التعليم كركيزة مهمة في العلاقات بين البلدين. وعدا عن 76 ألف طالب مصري يدرسون في الإمارات، في مختلف المراحل التعليمية، حسب المسؤول في وزارة التربية والتعليم الإماراتية عمار بن ناصر المعلا، فإن العديد من المشاريع الثقافية قامت بها الإمارات في مصر كمشاريع محو الأمية والتبادل الثقافي والاستثمار التعليمي.

وإن كانت المواقع الرسمية المصرية تروّج لهذه "الشراكة التعليمية" باعتبارها مؤشراً على "عمق العلاقات التاريخية بين مصر والإمارات في المجالات التعليمية والبحثية والمعرفية"، إلا أن تطورات عدة حصلت على الصعيد الرسمي فتحت المجال للإمارات في مصر إلى ما هو أبعد من "تبادل المعرفة".

بحسب ما يشير إليه موقعها، تعمل وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية مع وكالات ترويج الاستثمار والقطاع الخاص وصناديق الثروة السيادية ومجالس الأعمال وغيرها من الجهات والكيانات الاقتصادية الإماراتية الفاعلة لضمان تحقيق نتائج ناجحة من خلال الدبلوماسية الاقتصادية بهدف تعزيز القوة الاقتصادية للدولة.

تُعتبر المدارس الدولية بوابة لطلابها إلى دوائر صناعة القرار، ولذلك يثير شراء الإمارات لمدارس خاصة في مصر المخاوف من تأثير أبوظبي، لا سيما في ظل ما أتاحته السياسة المصرية من تسهيلات عززت الخصخصة وجعلت هذه المدارس خارج سلطة وزارة التعليم

في هذا السياق، يأتي خبر إنشاء مكتب مساعد الوزير للشؤون الثقافية المسؤول عن الدبلوماسية العامة والثقافية في وزارة الخارجية والتعاون الدولي في عام 2018. وفي العام الماضي، احتلت الإمارات المرتبة الأولى في المنطقة والـ18 في العالم على مؤشر القوة الناعمة الدولية. ولا يمكن التفكير بغير التعليم كواحد من أبرز ركائز القوة الناعمة لأية دولة.

بموازاة ذلك، يشير "المعهد المصري للدراسات" إلى تغلغل المؤسسة العسكرية في مجال التعليم، وتحديداً في مرحلة ما قبل الجامعة، والضغط في سبيل إلغاء فكرة مكاتب التنسيق للجامعات مقابل مزيد من الاستثمار في التعليم الخاص المربح لكافة أطرافه المحليين والدوليين.

يأتي ذلك في وقت يتم فيه التقليل من مستوى التعليم الرسمي في مصر لدى الرأي العام، في مقابل الاحتفاء بالشهادات التي تقدمها المدارس الدولية. مع العلم أن الأخيرة لا تتبع مباشرة لوزارة التربية والتعليم في مصر، فـ"مناهج المدارس الدولية والاعتماد الخاص بها يأتي من الخارج، وكذلك الامتحانات وتصحيحها، كل ذلك ليس تابعاً لوزارة التربية والتعليم لكن نتأكد فقط من استيفاء المدرسة للشروط لا أكثر"، بحسب تصريح لوزير التعليم طارق شوقي العام الماضي.

ولأن المدارس الدولية تُعتبر بوابة دخول لطلابها إلى دوائر صناعة القرار، لا سيما في دول تعتمد على "البرستيج" العلمي ويضعف فيها التعليم الرسمي، يخلق ذلك عامل خوف إضافي من توسع التأثير الإماراتي في المستويات العليا في مصر، لا سيما في ظل ما أتاحته السياسة المصرية بتعزيزها الخصخصة على مدار السنوات الماضية من مجال أمام حلفاء النظام للدخول في القطاع كما في غيره من القطاعات الحيوية.

قطاع التعليم ليس المجال المصري الوحيد أمام الإمارات، فقد أعلنت الحكومة مؤخراً عن خطط لخصخصة شركتين مملوكتين للجيش المصري، إحداها نفطية والأخرى شركة "صافي" للمياه المعدنية. يأتي ذلك كجزء من التزام مصر تجاه صندوق النقد الدولي في إشراك أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد وتقليل مشاركة الجيش في الأنشطة المدنية.

وفي هذا الإطار، تُشير المعطيات إلى أن الإماراتيين يمتلكون 15 مستشفى، إلى جانب أكثر من 900 مختبر في عشرات الفروع في أنحاء مصر، إضافة إلى امتلاك السعوديين تسع مستشفيات.

وما يثير القلق، بالنسبة لمراقبين، هو أن تؤدي الخصخصة الواسعة في المجال الطبي، وخاصة في شركات الدواء، إلى ارتفاع كبير في الأسعار، يهدد الأمان الصحي لكثيرين في بلد يعيش أكثر من ثلث سكانه على خط الفقر. وهو خط الفقر ذاته الذي يجعل فئة محظية في البلاد قادرة على التعلّم في مدارس خاصة دولية تُكرّس غربة طلابها عن الواقع الفعلي للبلاد على حساب اهتمامات مختلفة تعمل "القوة الناعمة" للمُموّل على تشكيلها في مراحل مبكرة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard