زمن فلسطين الجميل... عن "الهمّوز" كأقدم مقهى فلسطيني

الثلاثاء 9 مارس 202111:42 ص

الذاكرة، أو كما أسمّيها "مقبرة ثائرة"، ليست مجرد إعادة سرد عاطفية للأحداث والصور الماضية. لكنها أداة رسم وتخيّل تثور ضد عمليات المحو والنسيان. ولعلَّها تتقاطع مع مفهوميّ التراث والتاريخ أيضاً، فهما لا يجيئان استحضاراً وإحياء لماض يكابد الموت والترهّل، بل يحضران كحالة بناء وإعادة هيكلة للحظة بدأت منذ زمن ولا زالت حاضرة حتى الآن.

مقهى الهموز في مدينة نابلس، أو مقهى "المنشيّة" ومقهى "الطرابيش" سابقاً. تأسس في العهد العثماني عام 1894، وهو من أقدم مقهى في فلسطين لا يزال قائماً. ولعل السائر في شارع الشويتره يدوس الأرض ذاتها التي داسها الأتراك والبريطانيون والأردنيّون وثلَّةٌ من المثقفين والسياسيين ومشاهير الطرب القديم أمثال أم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش وغيرهم الكثيرين ممَّن تركوا صورهم وأسماءهم، وأخذوا حصَّتهم، أو لم يأخذوا، من شمس وهواء وعراقة مدينة نابلس. فرحلوا وظلَّ المقهى يعيد الحياة إليهم بتنهيدة شوق للفن تارة، وبتنهيدة ارتياح وخلاص من الاستعمار تارة أخرى.

الهموز يتسلَّق سلم التاريخ

تروي الوثائق التاريخية أن مجيء العثمانيين إلى فلسطين كان على إثر انتصارهم في معركة مرج دابق، عام 1516. ظلَّوا فيها حتى قدوم الانتداب البريطاني عام 1917. وما بين هذين التاريخين شهدت فلسطين تغيرات حداثيّة عديدة على جميع الأصعدة. وفي عام 1894، افتتحت عائلة الهموز مقهى المنشيّة، فرصفت مدخله بالرجال والخيّالة الذين اردتوا "الطرابيش" ورقصوا على ظهور الخيل حاملين السيوف بعباءاتهم البيضاء المخطَّطة بخطوط سوداء عريضة. ولوَّحوا بدلاء القهوة ووزَّعوها على المارّين، بالهيئة والحُلّة التي عُرف بها الفلسطينيون وقتذاك.

اليوم، ما زال المقهى يحتفظ بروح الحقبة التي بُني فيها؛ فحجارة السور وبلاط الأرضيّة والبوابة الحديدية والنافورة التي تتوسَّط المكان بزخارفها القديمة، كلَّها تعود إلى عهد الأتراك. حتى النرجيلة التي استُعملت في تلك الفترة لا تزال محفوظة كتراث إلى جانب الصور المعلَّقة على الجدار باللَّونين الأبيض والأسود، تُطالع الزائر من خلف مستطيل زجاجي شفاف وليس فيها طيّة واحدة، حتى ليحسب الناظر إليها أن الوجوه في هذه الصور لا تزال حيّة ولو أنه مدّ سبابته إليها لأعادته إلى زمنها. بعد مضيّ الأتراك، جاء الاستعمار البريطاني إلى فلسطين ولم يترك رقعة طليقة منها. صار مقهى الهموز ثكنةً عسكرية، وأُغلقت أبوابه لمدة 6 أشهر تقريباً إثر السيطرة البريطانية على المكان.  

لم يكن المقهى مسرحاً يحتضن الفن والفنانين فحسب، بل شهد انغماساً في الفعل السياسيّ، واحتضاناً للمناضلين والمقاومين في الانتفاضة عام 2000

يصف أيمن الهموز؛ المالك الحاليّ للمقهى، زواياه بتفصيل دقيق، فيقول إنّ خصوصية المكان تنبع من فردانيته التاريخية والتراثية. فالمقهى لم يكن مسرحاً يحتضن الفن والفنانين فحسب، بل شهد انغماساً في الفعل السياسيّ، واحتضاناً للمناضلين والمقاومين في الانتفاضة عام 2000. وكان في تلك الفترة ملجأ للأساتذة والطلبة في جامعة النجاح التي أُغلقت أيّام منع التجول من قِبَل الاحتلال الإسرائيليّ. وكان المقهى أيضاً في فترة من الفترات مرتعاً للدعاية السياسية لمرشَّحي البرلمان الأردنيّ، ومكاناً للندوات السياسية والدعائية.

بنت عائلة الهموز المقهى وتعاقبت على إدارته الأجيال من العائلة نفسها. يقول أيمن الهموز المالك الحاليّ للمقهى من الجيل الثالث، في حديثه عن تاريخ المكان: "تم بناء المقهى تزامناً مع أبنية عدة في مدينة نابلس، منها مبنى مكتب بلدية نابلس ومبنى مدرسة الفاطمية وكان اسمها الرشادية في عهد الدولة التركية وتحديداً في عهد آخر سلاطينها وهو محمد خان الخامس. وكان المالك الأصلي طبقاً لتلك الحقبة الزمنية هي الدولة التركية الإسلامية. وحين تعاقبت الفترات انتقلت إلى بلدية نابلس إدارياً، حيث أقيم المقهى فقط للعائلة التي تمتلكها وتديرها حالياً (عائلة الهموز). ومن الطبيعيّ أن نستنتج أن لا أجيال سابقة خارج نطاق عائلة الهموز تضمنتها أو أدارتها، ولكن تم إدارتها من قبل الجيل الأول إلى يومنا هذا وهو الجيل الثالث".

ويعقِّب: "لقد أصبح المقهى عَلماً يُشار إليه بالبنان في مدينة نابلس، عِلماً بأن الناس في الأردن ولبنان ومصر عرفوا المكان وارتادوه في فترة ما قبل الاحتلال الإسرائيلي. ما يميزنا عن غيرنا من الأماكن المشابهة، مع احترامنا لها، هو أن المقهى سمي بمقهى الطرابيش في الحقبة العثمانية لأن رواده من كبار السن وأصحاب المصالح وذوي المكانات الرفيعة. مع العلم أن الطرابيش كانت من ضمن التراث الفلسطينيّ وحينما احتُلت فلسطين من قبل الإنجليز، قام هؤلاء بوضع أيديهم اللعينة على المقهى جاعلين منها ثكنةً عسكرية ومرتعاً للخارجين عن الصف الوطني في حينه. وحين أدار النظام الأردني البلاد، كان المقهى مكاناً لاجتماعات المجالس النيابية والدعايات الانتخابية وغيرها من الحلقات التي استضافها المقهى للنظام الأردني. وحين جاء الاحتلال الاسرائيلي انخرط المكان، أسوة بكل الشرفاء من أبناء شعبنا، للتقدمة النضالية، ليس فخراً وإنما واجبا وطنياً علينا إضافته إلى الواجب العلمي الذي تشرفنا به بتعليم مجموعة من الطلبة الخريجين بجامعة النجاح إبان إغلاقها من قبل الاحتلال الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى. وفي عهد السلطة الوطنية الفلسطينية، قدمنا ولا نزال الحلقات والاجتماعات لجميع أطياف نسجينا الوطني".

أم كلثوم أطربت مستمعيها بأغنية "يا بدر اختفي" التي غنَّتها للمرّة الأولى على مسرح الهموز. أما فيروز فلم تدخل المقهى ولكنَّها غنَّت على بابه

مسرح لنجوم الزمن الجميل

يُقال بأن أمهات الطرب العربي غنّوا في هذا المقهى. فأم كلثوم أطربت مستمعيها بأغنية "يا بدر اختفي" التي غنَّتها للمرّة الأولى على مسرح الهموز. أما فيروز فلم تدخل المقهى ولكنَّها غنَّت على بابه. كما عُرضت العديد من المسرحيات والأعمال الفنية مثل مسرحيّة "حرب الأتراك مع البلغاريين" المقتبسة عن رواية أدبية. وجاء في ورقة الدعوة: "تلك الرواية الذائعة الصيت. الحربية، الدامية، الحماسية، ذات الفصول الخمسة والتي مُثِّلت في حيفا فأحرزت الإعجاب ونالت الفخر... مساء الخميس الواقع في 17 أيار 1934. والسلام على من سمع ولبّى الندا". كما قُدمت أيضاً رواية "الفاجعة" المأساوية، من قبل يوسف بك وهبي وأمينة رزق. في الثامن من حزيران لعام 1935. يؤكد أيمن على أن مجيء نجوم الفن لم يقتصر على الحقبة التاريخية، ولكن استمر إلى يومنا هذا. تخلى المقهى عن المنصة التي غنت فوقها أم كلثوم قبل أربعين عاماً، وظلَّ مكانها فارغاً إلا من مشاكسات الشمس وارتداد صدى أصوات روّاد المقهى بين الفينة والأخرى. هذه الساحة المسوَّرة بالتاريخ تتخللها الأشجار وتسقفها عريشة عنب خضراء تحيل ضوء الشمس إلى ثقوب صغيرة تسقط بعشوائية على الطاولات الخشبيّة.

كيف واكب الهموز تعاقب الأجيال؟

واكب المقهى تعاقب الأجيال، وتغيُّر وسائل الترفيه المجتمعيّة، ليكون قادراً على مجاراة كافة الفئات العمرية، في زمن لم يعد فيه الراديو أو لعب الورق رائجاً بكثرة بين الفئات العمرية الشّابة. يقول أيمن: "من الطبيعي لطول الحقبة الزمنية وتطورات المفاهيم الحياتية أن تتغير وتتبدل وتتحسن التقديمات والخدمات من فترة لأخرى. حين تم افتتاح المقهى كان جزء منه عبارة عن مسرح يتم فيه عرض أحداث سياسية وفنية ومسرحيات تراجيدية وكوميدية. ولمضي زمن تلك الفترة المليئة بالأحداث، أدخلنا التكنولوجيا الحديثة من تلفاز وشبكة إنترنت، بعد أن كان الراديو القديم الذي يعمل ببطارية السيارات المصدر الوحيد للترفيه في حينه. ويضيف: "حاولنا رغم التحسينات والإضافات ألا نغير من هيكلية المبنى وشكله الذي كان عليه سابقاً، وما أزلناه لم نتنازل عنه بل وضعناه في بعض الزوايا ليكون بمثابة متحف داخليّ يروي حكاية تاريخنا".

يؤكد الهموز أن التغييرات التي جرت على بنية المقهى تضمّنت توسيعه وتخصيص مكان للسيدات فيه: "المقهى قديما كان عبارة عن قاعتين كبيرتين إضافة إلى منطقة مُشّجرة ليتسنى لروادها المجيء صيفاً وشتاء. وحديثاً تم توفير مكان خاص للنساء مع الحفاظ على عادات وتقاليد بلدنا. فأصبح من روادها طالبات الجامعة ليكون ملتقى لهم ولذويهم لتداول أمور مختلفة، واستقبل الناس هذه الفكرة بصدر رحب. ومن الجدير علمه أنه لا يقتصر رواد المقهى على كبار السن كما كان في السابق، ولكن تراه متنوعاً بأجياله فمنهم المتقاعدون ومنهم الشباب ومنهم أصحاب المصالح ومنهم طلاب وطالبات الجامعات، فنراه حالياً ممتزجاً وخليطاً من أطياف وأجيال وأعمار شتى. مع الاستثناء لصغار السن".

المقاهي إرث وطني قبل أن تكون ملكاً للأفراد، ومحطة يومية في حياة روّادها، تبقى هي مع بقائهم وتخلد إن أرادوا لها الخلود

ثقافة المقاهي السائلة وعصر كورونا

المقهى بالنسبة إلى رواده القدماء خالد كمفهوم، متغير كصورة، وجزء كبير من هذا التغير يعود إلى تطوّر الحياة المعيشة. الجريان المزمن للزمن يعلِّم المواكبة، فللمقاهي أيضاً ثقافةٌ تتغيَّر. إن انقطع الغناء حضرت المسرحية، إذا انقطعت المسرحية حضرَ الشعر، وإن غاب الشعر حضر النقّاد والمثقفون، وإن غابت الثقافة حضرت الصورة والسجائر والنِّكات وهذا أضعفُ الإيمان. يقول أيمن إن جائحة كورونا أفقدت المقهى الكثير من روّاده، ولا يقصد بذلك الزوّار العرب والأجانب فحسب، بل أبناء المدينة نفسها، وكذلك كانت الخسارات على صعيدين: الملتقيات الشعبية الثقافية واقتصاد القائمين على المقهى من إدارة وعاملين.

وفي السياق ذاته، غاب كثيرٌ من الزبائن إثر إصابتهم بكورونا أو التزامهم بالإجراءات الاحترازية خوفاً من الوباء فأصابهم رغم الوقاية، شُفي بعضهم ومات آخرون. عبد الستار قاسم، بروفيسور العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية واحدٌ منهم، كان يتردد على المقهى بشكل يومي، يجتمع بالناس والمثقفين لساعات قبل  أن يعود إلى بيته، أُصيب بالوباء قبل فترة ولم يلمح عرائش العنب مرة أخرى.

ثقافة المقاهي السائلة المتغيّرة باستمرار لم تعد تضعُف أمام الصور الجديدة، بل تغيَّرت تماماً في زمن الوباء. صارت صورة واحدة تترجم الخواء، الاضمحلال، والانقطاع والموت. حتى حين تفتح المقاهي أبوابها فهي تستقبل أشخاصاً يملؤهم الخوف. يسارعون إلى ارتشاف القهوة أو شرب الشاي ثمَّ يرحلون. يكافح مقهى الهموز ليبقي على قيمه القديمة، ويحفظها حيّة من الزوال والفناء.

في عصر الجائحة يشتاق روّاد المقاهي من الجيل الشاب إلى ثقافة المشاهد المتحركة المفعمة بالحياة، ثقافة اللهو، الضجيج، الصخب. أما الكبار فيحنّون أكثر إلى الاختلاط، المحادثات، إلى عمليات البناء الفكري بعد أن شاخ الجسد وتآكلت خلاياه. كما تحنّ العامة إلى نظام الحشو، التكرار الإعلامي لأخبارٍ ميَّتة. اليوم يرقبون جميعهم "ولربما بلامبالاة واستنكار" التكرار الإعلاميّ لأعداد الإصابات والموتى من ضحايا الوباء.

في عصر الكورونا احتد الصراع بين ثقافة المقاهي التي كانت في ذروتها مجموعة من الصور السائلة، المتغيرة باستمرار، وتحولت إلى صورة واحدة ميّتة، مشهد المقهى الفارغ. انتقالٌ من ثنائيات لا نهائية لمعاني الصور، إلى أحادية وصفية ومشهدية: السكون.

مكانٌ ينضح بالتراث مثل قهوة الهموز، صارت زواياه مرتعاً للغبار، باستثناء مجموعةٍ من أبناء المدينة وبعض كبار السن الذين لا يؤمنون بالوباء، وليس بحوزتهم شيئاً يفقدونه سوى أعمارهم، التي لم يبقَ منها شيءٌ هي الأخرى.

خسرت الأماكن التراثية والتاريخية جزءاً كبيراً من شعبيّتها بسبب وباء كورونا كحال جميع مناحي الحياة. إلا أن قيمة هذه الأماكن تظلّ محفوظة، وإن ظلّ الوباء لسنوات واشتدت وتيرة الإغلاقات. فهذه المقاهي إرث وطني قبل أن تكون ملكاً للأفراد، ومحطة يومية في حياة روّادها، تبقى هي مع بقائهم وتخلد إن أرادوا لها الخلود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard