"ورثناه أباً عن جدّ"... محاولات إسرائيل سرقة أقدم مصنع بلاط فلسطيني

الثلاثاء 26 يناير 202108:04 ص
Read in English:

Stealing Palestine’s Oldest Tile Factory

مرّ أكثر من قرن من الزّمن، منذ بدأ مصنع أصلان في نابلس بتصنيع البلاط البلديّ القديم المصبوب والملوَّن يدوياً، ويصدِّره إلى أنحاء مختلفة من فلسطين والعالم. قدِم البلاط مع الاستعمار الفرنسي لبلاد الشام، وظلَّ بعد زوال الاحتلال ليأخذ أشكالاً عربيةً واسماً جديداً، فعرُف بين العامة باسم "البلاط الشامي". يقول المهندس المعماري بنجي بوياجيان: "هنا يسمّونه البلاط البلدي نسبةً إلى فلسطين، أو البلاط الشامي نسبة إلى سوريا، وفي العالم يوصف بأنه البلاط المغربي (موريش تايلز)، أو بلاط اللأرابيسك نظراً لزخارفه العربية، أو بلاط فينيسيا نسبة لإيطاليا.. إلخ". هذه التسميات على صلةٍ مباشرةٍ بتاريخ وحضور البلاط الملوَّن في حوض المتوسط. أمّا مصنع أصلان في نابلس، فبدأت حكايته عام 1913، وتعاقبت عليه الأجيال طوال هذه العقود، لترسم لوحةً من العراقة والأصالة التي لا تزال حاضرةً كجزء من تاريخ فلسطين وتراثها اللذين عجز الاحتلال عن نسفهما رغم محاولاته العديدة لنسبهما إليه.

يقاتل مصنع أصلان، المصنع الوحيد للبلاط القديم في فلسطين، في جبهاتٍ عديدةٍ أبرزها الاحتلال وسياسته التعجيزية التي بدأت تحرمه من تصدير البلاط داخل فلسطين وخارجها. بالإضافة إلى وزارة الاقتصاد الوطنيّ التي وضعت ملف قضيّته ضمن الملفات العالقة. فلماذا يستميت الاحتلال للسيطرة على مصنع أصلان؟ وكيف يواجه المصنع وبلاطه الملوّن الساحر قلة الموارد وصعوبة التصدير، ولامبالاة الحكومة؟

 

زينة البيت الفلسطيني تُصنع باليدين

يقول عنان أصلان؛ مالك المصنع، لرصيف22: "تناقلنا هذا المصنع أبًّا عن جد. أنا أحسب على الجيل الرابع ممن تعاقبوا على المصنع. يعمل معنا شبّان أصغر عمراً من الجيل الخامس"، ويضيف: " كان لهذا المصنع فرعٌ في عكا، نُقل فيما بعد إلى يافا، ثمّ أُغلق جراء النكبة الفلسطينيّة عام 1948. البلاط الذي نصنِّعه يسمّى (بلاط السجاد) وهو النوع الذي تشتهر به البيوت القديمة. هو عبارة عن بلاط صغير الحجم 20*20. وله تاريخ عريق جداً إذا ما عدنا 70 سنة إلى الوراء، فنجد أنّ حوالي %90 من البيوت الفلسطينيّة القديمة مزيّنة بهذا البلاط".

وعن طريقة التصنيع يقول عنان: "لا نزال نعمل بالأدوات القديمة ذاتها التي استعملها أبي وجدي وغيرهم في صناعة البلاط. إذ يُوضع الإسمنت مع الماء في قالب مخصص يتكون من ثلاث قطع "الإسوارة، الطربوش والطبلون"، الصبغة الملوَّنة تتدرَّج ألوانها من الأفتح إلى الأغمق، تضاف إليها "الرشّة" لامتصاص الماء ومن ثم يوضع الإسمنت الأسود ويُضغط البلاط ويُعرَّض للهواء يوماً كاملاً حتى يجف. فتصبح القطعة أشبه بلوحةٍ فنيّة مصنوعة بإتقان. والبلاط الملون له أشكالٌ عديدة، ورسومات وزخرفات مختلفة، مئات الأشكال يمكننا صنعها، أحدثها مرّ عليه ما يزيد عن مئة عام".

يتفرَّد بلاط مصنع أصلان القديم بكونه يصبح أكثر لمعاناً كلّما رشق بالماء وكلما سار المرء عليه، إذ يحلو بريقه مع مرور السنوات وتظهر النقوش والألوان بشكلٍ أجمل. على العكس من أنواع البلاط الأخرى المنتشرة بكثرة هذه الأيام. ما يجعله بلاطاً معمِّراً يزداد تألقاً كلما دعكته الأقدام والسنوات.  ولا يقتصر بلاط أصلان على البيوت القديمة فقط، إذ يُطلب بكثرةٍ حالياً لترميم المراكز القديمة، بالإضافة إلى المعاهد والمنشآت المختصّة بالتراث والهوية الفلسطينية، وكذلك بيوت الأثرياء. فيؤكِّد عنان: "يستخدم البلاط بشكلٍ أساسيٍّ في ترميم البيوت القديمة خاصة في منطقيّ يافا وعكا، إذ يُمنع ترميم البيوت هناك باستخدام بلاط آخر؛ لأنَّ جميع البيوت القديمة في يافا وعكا كانت تستخدم هذا النوع من البلاط. الطلب عليه في ازدياد هذه الأيام خاصة في الفيلات والقصور لاعتباره تحفةً فنيّة. فقد أرسلنا قبل سنواتٍ بلاطاً للقصر الملكي في الأردن".


رغم تراجع استخدام البلاط القديم قبل فترةٍ من الزمن، إلا أنّه عاد مجددّاً في السنوات الأخيرة ليوضع في الأماكن الأثرية والبيوت القديمة والقصور الملكيّة. الأمر الذي جعل الاحتلال يلاحق أصحاب المصنع باحثاً عن جذورٍ ليمدّها وينسبها إليه

بحسب أصلان فإن أسعار البلاط تتفاوت باختلاف النقش والنوعية إذ يختار المعظم للصالونات البلاط الملوَّن (السجاد)، ويسمى "بساط الوسط"، يوضع في ثلاثة أرباع الغرفة تقريباً وتتراوح أسعاره بين 40 إلى 45 دولاراً للمتر الواحد. أما البلاط ذو اللَّون الواحد والذي يكون عادة ضمن درجات اللَّون الأبيض، فيساوي 15 دولاراً. وتختلف الأسعار باختلاف النقش ونوعه وزخرفته، إذ يطلب بعض الزبائن نقوشاً جديدة لم يسبق لهم تصنيعها، فيتمّ ذلك مقابل مبالغ مالية ضخمة. وبسبب العمل اليدوي، فإنّهم لا ينتجون أكثر من 30 متراً مربعاً من البلاط الملوَّن، و 50متراً من البلاط غير الملوَّن "السادة" يومياً.

سرقة البلاط إلى قائمة السرقات الإسرائيليّة

رغم تراجع استخدام البلاط القديم قبل فترةٍ من الزمن، إلا أنّه عاد مجددّاً في السنوات الأخيرة ليوضع في الأماكن الأثرية والبيوت القديمة والقصور الملكيّة. الأمر الذي جعل الاحتلال يلاحق أصحاب المصنع باحثاً عن جذورٍ ليمدّها وينسبها إليه، فلم يجد إلا لغتا الصدّ والرفض، كما يقول أصلان: "رفض الاحتلال أي محاولةٍ لخروج بضاعتنا خارج حدود المدينة، بسبب التراخيص التي طلبت مني في الداخل الفلسطيني والتي نحصل عليها من السلطة والمؤسسات المالية في الضفة، وحين عجزنا عن الحصول عليها من الفلسطينيين لجأنا إلى الاحتلال الذي امتنع بدوره عن مساعدتنا. ثمّ قدّم لنا الإسرائيليّون عرضاً يتمثَّل في حصولنا على مبلغٍ كبيرٍ من المال، وإقامة مؤقتة داخل منطقة يافا – (تل أبيب)، بالإضافة إلى تسهيل عمليات التصدير والإعفاء من التراخيص والضرائب. شريطة أن يكون البلاط منتجاً إسرائيلياً لا فلسطينياً، ويكون تصديره إلى أيّ مكانٍ داخل فلسطين أو خارجها على هذا الأساس".

يقول أصلان إنّهم كانوا يميلون إلى الموافقة حين ذكروا لهم المبالغ المالية الضخمة، لكنّهم تراجعوا حين فكّروا في الأمر من ناحيةٍ وطنيةٍ وأخلاقيّة. وشكَّل هذا الرفض نقطةً سوداء في تاريخهم مع الاحتلال؛ فقد أصبحت التضييقات على المعابر كثيرة، وسواء أرادوا إدخال عشرة أمتار أو ألف متر فإنّ التضييقات تظل بالشدة نفسها. ولا يقتصر الأمر على المعاملات داخل فلسطين ومدنها فقط، بل يطال دول الجوار أيضاً. بينما تزول أيّ إشكالية بين أصحاب المصنع والإسرائيليين إذا ما التزموا بنقل مصنعهم إلى الداخل المحتلّ وغيروا اسمه إلى اسمٍ إسرائيلي.

يؤكد عنان أنَّ %70 من عملهم يكون لصالح بيوتٍ وأماكن فلسطينية داخل فلسطين، ولا يمكن الاستهانة أبداً بالتراث والتاريخ وضربهما عرض الحائط مقابل مبلغٍ ماليٍّ مهما بلغت قيمته، أو مقابل إقامةٍ مؤقتةٍ في أرضٍ هي أصلاً ملكٌ للفلسطينيين ولا مجال للمساومة عليها أو التنازل عنها. فيقول: "هذه تُعتبر خيانةً وطنيةً لا لفلسطين والشعب الفلسطيني فحسب، بل للبيوت والمعاهد وجميع الأماكن التي رُممت وصمدت أمام الاحتلال، هذا البلاط نادرٌ هذه الأيام، وفيه روح فلسطين القديمة، حتى بيت جدّكِ قد تجدين بلاط أصلان فيه".

وعود فلسطينيّة ذهبت مع الريح

يعترف أصلان أنَّ التصدير إلى الخارج مكلفٌ جداً رغم محدودية الطلبات الخارجية، إذ يعانون من عراقيل كثيرة تجعل الأموال المدفوعة مقابل التصدير تفوق المبالغ التي يحصلون عليها جراء بيعه. ورغم الوعود التي قدَّمتها وزارة الاقتصاد الفلسطينية لللمصنع، إلا أنَّها لم تساعد ورقياً ولا بشكلٍ ملموسٍ في تغيير قيود التصدير المفروضة عليهم، وعمليات النقل المكلفة. يناشد أصلان الوزارة منذ سنواتٍ دون أن يتلقى إجابةً مفهومة.

وفي حديثٍ مع بشار الصيفي مدير عام الاقتصاد في نابلس، قال: "نحن تواصلنا مع الرجل وقمتُ بزيارته شخصياً، كما طلبنا منه تزويدنا بالأوراق الرسمية لنضع اسمه على المعابر." تدَّعي وزارة الاقتصاد أنَّها قامت بوضع اسم ابن صاحب المصنع حالياً "عنان أصلان" على المعابر، ليُسمح للمصنع بالاستيراد والتصدير بكل سهولةٍ ودون مشاكل. ويضيف الصيفي: "تواصلنا مع الجهات المختصة وكذلك الجانب الإسرائيلي، وإن كنا قد واجهنا بعض الإشكاليات سابقاً، في الفترة التي أوقفنا فيها التنسيق الأمني. المشكلة حُلَّت بشكلٍ كامل، ولكن أعتقد أنَّ هذه الفترة وبسبب وجود كورونا فإنَّ المصنع قد يعاني من شُح الطلبات الخارجية".

يؤكد الصيفي ضمن السياق أنَّ الحكومة تعتبر المصنع جزءاً من التراث، وما يصنعونه هو بلاطٌ نادرٌ ومهم، ويستحق أن يجوب العالم. ويؤكد على أنَّهم معنيّون بوجوده واستمراره وليس لهم أدنى مصلحة من إغلاقه. لكنهم، مع ذلك، لا يقدِّمون الدعم الكافي ويُماطلون في تقديم المساعدة، ويدَّعون أمام الواجهات الإعلامية أنَّهم وضعوا اسم صاحب المصنع على المعابر لكنّه لم يحضر، ولم يستجب لمساعداتهم. أما عنان فيؤكد أنَّ صراعه الطويل مع الوزارة ذهب سدى، كما حذَّرته الوزارة مراراً من تخفيف نبرة العداء والاستنكار إزاء إهمالها المستمرّ لقضيّته.

في الوقت الذي ترفض الوزارة مساعدته، وتضع ملفّه ضمن الملفات العالقة وكأنه قضية من قضايا أوسلو غير المتفق عليها، يستميت الاحتلال إلى مساعدته ويقدِّم له المغريات المادية والمكانية، في محاولةٍ منه للاستحواذ على الاسم والزمان والمكان والهوية.

من كانوا يجمعون شملهم ماتوا، لكنَّ وجود البيت بحدّ ذاته كفيل باسترجاع تاريخ كامل من الذكريات والحنين. ليس صحيحاً أنَّ ما يربط الفلسطيني بأرضه هو الأرض بمفهومها الواسع فقط، بل المشاعر والصور والجدران والشخوص والتراث أيضاً

تراثٌ يضربُ في عمق الهوية

يقول فايز محمد لرصيف22: "عمر هذا البلاط حوالي 80 سنة أو أكثر. لحظة مجيء والدي من الخارج إلى فلسطين، أعاد ترميم البيت والبلاط وسكن في القرية حتى وافته المنية، واليوم لا يزال البلاط موجوداً لم يطرأ عليه طارئ. رغم بساطة البيت وصغره إلا أن التراث ينطق، وبيت العائلة دائماً يلمّ الشمل، وحين نجتمع فيه نستذكر الماضي. تربطنا عاطفة قوية بالأرضيّة والجدران والأثاث والروائح والغرف".

يقول فايز إنَّ العائلة لم تعد تجتمع كثيراً مؤخراً؛ لأنَّ من كانوا يجمعون شملهم ماتوا، لكنَّ وجود البيت بحدّ ذاته كفيلٌ باسترجاع تاريخ كامل من الذكريات والحنين. ليس صحيحاً أنَّ ما يربط الفلسطيني بأرضه هو الأرض بمفهومها الواسع فقط، بل المشاعر، والصور، والجدران، والشخوص، والتراث أيضاً. كثيرةٌ هي الأشياء التي تغزل للفلسطينيّ هويّته وتعمِّق صلته بها وتنمّيها.

لم يقتصر حضور البلاط الشاميّ على الأبنية والبيوت، ولم يُستعد في الذاكرة وحدها، بل جُمع بعنايةٍ بين دفَّتيّ كتاب أيضاً. ليُنصفه أخيراً الكاتب مهنَّد الرابي، في كتابه "نابلس وبلاطها الملوَّن" الكتاب الأول من نوعه في هذا المجال، والذي صدر في العام المنصرم. أجرى في كتابه مسحاً موثقاً لمباني المدينة وبيوتها، ودرس النماذج الزخرفية متعددة الأشكال والألوان وأرفقها فيه. أظهرت دراساته في الكتاب عدداً من الأمثلة الحيّة على البلاط الملوَّن لمباني اقتصرت على مدينة نابلس فقط، مثل: قصر النابلسي، مبنى وزارة التربية والتعليم، حمام الشفاء في البلدة القديمة وهو حمام بطراز عثمانيّ، ومدرسة عادل زعيتر. 

يروى الرابي في كتابه حكاية عائلة أصلان، وتحديداً المالك الأول الذي جاء من الشام وأنشأ المصنع. كما يعتمد على شهادةٍ أخرى للعائلة تُستعاد فيها جذور الصناعة إلى فترةٍ زمنيةٍ بين عاميّ 1860 و 1880. ليكون بذلك أحد أوائل مصانع البلاط المقدسي مصنعاً تأسس عام 1900 على يد خليل قسيسية في باب الجديد في البلدة القديمة في القدس، وقد بلغ انتاج المصنع من البلاط المزخرف ذروته ما بين عامي 1935 و1940. كان يتم استيراد الإسمنت الملون من إيطاليا، وينتج البلاط بطريقة يدوية تقليدية ويُسوق في القدس وفي أنحاء مختلفة من فلسطين والأردن. استمر المصنع بعد احتلال المدينة في العام ١٩٦٧ رغم ازدياد المنافسة مع مصانع البلاط الأخرى، لكنه اضطر للإغلاق عام 1936 عندما منعت بلدية القدس الإسرائيلية تواجد مصانع في البلدة القديمة.

يظلّ البلاط البلديّ، أو الشاميّ، على اختلاف مسمّياته وزخرفاته، محارباً بسيفٍ حدّه التراث والهوية والتاريخ. يُفسح لنفسه مكاناً داخل تاريخ المكان بجمال نقوشه وتفرّدها، ويلقِّن الزمن درساً في الوفاء بتصنيعه الذي لا يزال قائماً داخل مصنع أصلان، ويرسم مرجعاً قيِّماً كفنٍّ معماريٍّ قديمٍ يُفيد الباحث عن العراقة والأصالة والبهاء. الخوف كلّ الخوف أن يغدر الزمان في المصنع الوحيد الباقي، كما غدرت به كلٌّ من الحكومةِ والاحتلال. لكن تظلّ أرضيّات بيوت نابلس وعكّا وحيفا وغزّة خيوطًا أبديّة تربط الجغرافيا الممزّقة.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard