كثيراً ما يختفون أو يعودون جثثاً هامدة... أطفال تونس يفضّلون مراكب الموت على الوطن

الاثنين 18 نوفمبر 201903:34 م

شهدت تونس منذ سنة 2011 موجة هجرة غير نظامية غير مسبوقة باتجاه السواحل الإيطالية، وسجلت عدة منظمات حقوقية تعنى بقضية الهجرة ارتفاع نسبة مشاركة الأطفال القصّر دون سن الـ18 عاماً فيها.

كان أرسام إسحق، ابن محافظة بنزرت، يبلغ من العمر 17 عاماً عندما هاجر وحيداً بلا مرافق يوم 29 نيسان/ أبريل 2011 إلى إيطاليا، دون موافقة والدته التي لا تعلم حتى الآن إنْ كان حياً أو ميتاً.

تقول الوالدة إلهام لرصيف22 إن ابنها انقطع باكراً عن الدراسة بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة وإنه كان حاقداً على والده الذي تخلى عنهم وغادر البلاد وإنه كان يريد الهجرة لجمع المال ومساعدتها على تحمل أعباء الحياة.

تمكّن إسحق من جمع مال عملية "الحرقة" (الهجرة) من خلال عمله في أحد مصانع محافظته. تؤكد الوالدة أن فكرة المغادرة أتته من داخل مقر عمله حيث شجعه العديد من زملائه عليها، ورغم إعلامه والدته برغبته ورفضها لها إلا أنه حزم أمره ورحل.

علمت الأم المكلومة بخبر هجرة ابنها المفاجئ من بعض أصدقائه وأجرت شقيقتها المقيمة في ألمانيا اتصالاً هاتفياً بأحد أصدقائه الذين هاجروا معه. تقول الأم: "أجاب شقيقتي شخص يتكلم اللغة الإيطالية وبقي يكرر كلمة no لينقطع الاتصال بالمجموعة منذ ذلك الوقت وإلى اليوم".

تعتبر إلهام أن تلك المكالمة دليل على أن ابنها وأصدقاءه وصلوا بسلام إلى السواحل الإيطالية "غير أنهم وقعوا في أيادي مافيات وشبكات الإتجار بالبشر".

تسع سنوات مرّت اتصلت خلالها الوالدة بوزارات الخارجية والداخلية والشؤون الاجتماعية في تونس ونظمت وقفات احتجاجية لمعرفة مصير ابنها غير أنها لم تتلقَّ لا إجابة سلبية ولا إيجابية تريح قلبها.

الخبر الصاعقة

من محافظة بنزرت شمالاً إلى صفاقس، عاصمة الجنوب، والتي فقدت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أحد أطفالها القصّر فاخر حميدي (17 عاماً) إثر مشاركته في عملية هجرة غير نظامية دون مرافق باتجاه إيطاليا.

انقطع فاخر مؤخراً عن الدراسة ولكنه كما تؤكد شقيقته سندس لرصيف22، كان الابن الوحيد المدلل لعائلته ولم يكن ينقصه شيء غير أن مسألة الهجرة تًعتبر "كصيحات الموضة" في حيهم الشعبي، على حد تعبيرها.

قرر فاخر ونفّذ قراره بسرية تامة ونزل خبر رحيله المفاجئ كالصاعقة على أسرته التي لم تكن قد أخذت نفساً حتى أتاها أحد الجيران بخبر تعطل المركب الذي كان على متنه ابنهم في عمق البحر.

بعد محاولات متواصلة، تمكّن والد فاخر من مكالمته وعاتبه بالقول: "لماذا فعلت بنا هذا يا بني؟" فأجابه ابنه: "سامحني يا أبي. لا تبكي. اطلب من حرس البحر مساعدتنا لأن المركب بدأ يغرق". كان هذا آخر اتصال به.

وفي 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، نقل أحد أصدقاء الوالد النافذين في وزارة الداخلية إلى العائلة أن فاخر توفي غرقاً وأن التحاليل الجينية لأربع جثث موجودة لدى السلطات الإيطالية أثبتت أن إحداها تعود إليه.

وقالت سندس لرصيف22 إن المصدر أعلم أسرتها أن السلطات التونسية ستعلمهم رسمياً بالخبر قريباً، مشيراً إلى أن الإجراءات الرسمية لاستلام جثمانه ستُستكمل خلال بضعة أيام.

البحّار الصغير

تواصل مراكب الموت إغراء أطفال تونس القصّر لركوب الأمواج ومواجهة مصير مجهول. أغرت الطفل ريان الغبنتيني (17 عاماً)، ابن جزيرة جربة الذي دفعه وضع عائلته الاقتصادي القاسي إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل كبحار مع والده.

عمله كبحار صغير جعله ينظر إلى العالم القائم وراء البحر ويحلم بحياة ومستقبل أفضل مما يعيشه في وطنه تونس، حسبما يؤكد شقيقه أشرف لرصيف22.

لطالما أعلم ريان شقيقه برغبته الجامحة في المغادرة لكنه أخفى عنه قراره النهائي الذي كان يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، باتجاه السواحل الإيطالية.

تعيش أسرة ريان قلقاً قاتلاً لأنها لم تتلقَّ أي اتصال منه منذ مغادرته كما أن هاتفه مغلق ولا تعلم عن مصيره شيئاً. زار أحد أشقائه مختلف مراكز إيواء وإيقاف المهاجرين غير النظاميين في إيطاليا دون رصد أي معلومة تفيد بأنه لا يزال على قيد الحياة.

يشدد شقيقه أشرف على أنه وباستثناء تدخل الأصدقاء وبعض منظمات المجتمع المدني، فإنهم لم يتلقوا أية مساعدة من الدولة.

هذا وسجل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يعنى بقضايا الهجرة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية هجرة 435 طفلاً قاصراً دون مرافقة أهلهم و92 طفلاً بمرافقة بالغين من أسرهم، بحسب المكلف بالتواصل مع الإعلام في المنتدى رمضان بن عمر.

يوضح بن عمر لرصيف22 أن المنتدى لاحظ أن الأطفال القصّر الذين يغادرون تونس بطرق غير نظامية ويعرّضون حياتهم للخطر ولكل أنواع الاستغلال من قبل شبكات الإتجار بالبشر ينحدرون من أسر تعاني أوضاعاً اجتماعية واقتصادية قاسية.

تقصير الدولة

يؤكد بن عمر أن مكان هذه الفئة الطبيعي هو المؤسسات التربوية غير أن ظروفهم المعيشية تدفعهم إلى مغادرتها لمساعدة أسرهم وإنقاذها من الفقر، داعياً الدولة التونسية إلى مزيد العناية بهذه الطبقة المهمشة وتوفير مستوى عيش كريم لها يمنعها من التفكير في المغادرة.

تسع سنوات مرّت على خوض ابنها الطفل تجربة الهجرة غير النظامية، اتصلت خلالها الوالدة بوزارات الخارجية والداخلية والشؤون الاجتماعية في تونس ونظمت وقفات احتجاجية لمعرفة مصير ابنها غير أنها لم تتلقَّ لا إجابة سلبية ولا إيجابية
ما تسوّقه وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عن تحلي سكان الغرب بمستويات عيش كريمة ومستقبل ناجح وعن أن الغرب حاضن لمناخ الحريات الفردية يغري الأطفال التونسيين ويرغّبهم في خوض تجربة الهجرة غير النظامية

ويرى أن الإحصاءات الرسمية بخصوص هجرة الأطفال القصّر تكذّب حديث المؤسسات التونسية الرسمية التي تعنى بالطفولة عن نجاح البرامج والخطط الموضوعة لإصلاح المنظومة التربوية ولاستيعاب الأطفال واحتوائهم.

كما ينتقد ما اعتبره تقصير المندوبية العامة لحماية الطفولة في تونس في متابعة حالات الأطفال القصّر الذين ينقطعون مبكراً عن الدراسة والذين تعاني أسرهم أوضاعاً معيشية صعبة وفي التدخل العملي لفائدتهم.

ويضيف أن المنتدى يعمل جاهداً على إثارة قضية الهجرة غير النظامية المنتشرة بصورة مهولة في تونس، ملاحظاً "غياب التفاعل والتجاوب مع مجهوده من قبل وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة التونسية الرسمية برئاستي الجمهورية والحكومة وكل الوزارات المعنية وغياب تدخلها إلا بعد وقوع الكارثة".

وتعليقاً على تصريحات بن عمر، يفيد المندوب العام لحماية الطفولة في تونس مهيار حمادي بوجود 80 مندوبية موزعة على مختلف مناطق البلاد، مشيراً إلى أن 95% من تدخلاتها العاجلة اليومية تكون لفائدة الأطفال الذين يصل إشعار بتعرضهم للاستغلال الاقتصادي أو الجنسي أو سوء المعاملة أو فقدان السند العائلي أو الإهمال أو التشرد.

يقرّ حمادي بانتشار ظاهرة الهجرة غير النظامية في صفوف الأطفال القصّر خاصة في صفوف الذين ينقطعون عن الدراسة والمهمشين اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.

ويعزو انتشار هذه الظاهرة في صفوف هذه الفئة الحساسة من المجتمع إلى غياب فضاءات التعبير والتكوين لمَن لا يتمتعون بمستوى تعليمي جيد وإلى عدم استقرارهم مادياً ومعنوياً، إضافة إلى هشاشة العائلة التي "وللأسف تساعد في بعض الحالات أبناءها مادياً وتشجعهم على الهجرة"، وفق تعبيره.

مسؤولية دولة كاملة

يرى المندوب العام لحماية الطفولة في تونس أن الإحاطة بالأطفال القصّر هي مسؤولية دولة كاملة ومجتمع مدني من خلال العمل على تحسين ظروفهم الأسرية وتوفير وسائل التعلم والترفيه وضمان حق الطفل في التكوين والتدريب في مختلف المجالات دون استثناء أو إقصاء.

ويشدد على أهمية تطوير فضاءات الشباب والطفولة من البنية التحتية إلى اليد العاملة وعلى مساعدة الأسر على القيام بمسؤولياتها تجاه أطفالها وتوعيتها أكثر عوض تتبعها جزائياً.

واقترح حمادي تفعيل آلية الإشعار من الأولياء في حالات الغيابات المتواصلة والمسترسلة لأطفالهم عن مقاعد الدراسة وتدخل الطب المدرسي النفسي في حالات تسجيل أمراض نفسية ومشاكل تواصلية لدى الأطفال القصّر مع مراقبة فضاءات الترفيه والألعاب.

مصالح سياسية

في المقابل، يحمّل رئيس جمعية الأرض للجميع عماد السلطاني الدولة التونسية مسؤولية المآسي التي تعيشها مئات العائلات التي فقدت أبناءها وآخرها كارثة غرق مركب يضم أطفالاً قصّرا غادروا "لحرمانهم من حق الحياة" يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

تأسست الجمعية المذكورة سنة 2013 لمساعدة العائلات في معرفة مصير أبنائها المهاجرين غير النظاميين وتهدف إلى تغيير سياسة الهجرة القائمة على الحصول على تأشيرة بين الاتحاد الأوروبي وتونس وإلى تنظيمها.

يقول السلطاني لرصيف22: "في تونس طغت المصالح السياسية على كل شيء، كل الأطراف تتجاهل مشاكل الشباب والأطفال والمراهقين ولم نرَ في برنامج أي طرف سياسي خططاً واقعية لحل مشاكل هذه الفئات التي تموت يومياً غرقاً في البحر الأبيض المتوسط الذي أصبح مقبرة لهم".

ويتابع: "هناك غياب تام للدولة في المناطق المهمشة والمفقرة في البلاد وحتى في ضواحي مدن المركز".

غياب الحريات الفردية

على صعيد آخر، يوضح رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الطفل والمختص في علم نفس الطفل معز الشريف أن القاصر عندما يفتقد إمكانية الحلم وبناء مشروع ومستقبل في وطنه يتماشى مع طموحاته وانتظاراته، فإنه يلجأ للتفكير في الهجرة غير النظامية.

ويضيف لرصيف22 أن ما تسوّقه وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عن تحلي سكان الغرب بمستويات عيش كريمة ومستقبل ناجح وعن أن الغرب حاضن لمناخ الحريات الفردية يغري هذه الفئة الحساسة ويرغّبها في خوض التجربة.

وفي تحليله لأسباب ارتفاع نسبة هجرة الأطفال القصّر، يركّز الشريف على دافع بحث الأطفال عن الحرية المنشودة قائلاً: "لأننا في تونس وخلافاً لما يقال بأن الثورة كرست مبدأ الحرية، نلاحظ أن الحريات الفردية ظلت محدودة جداً بالنسبة إلى لأطفال والشباب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard